عالمة الفضاء د. كاملة علم الدين بدرية
Image

عندما اكتشف كولومبوس القارة الأمريكية تهافت الناس وخاصة الأوروبيون منهم للوصول إلى القارة الجديدة بحثا عن الذهب. فوصل من وصل ونجح من نجح وقضى من قضى لتحقيق هذا الهدف. وبعد أن استقرت الأمور في القارة الجديدة برزت الولايات المتحدة موئلا للديمقراطية ومنارة للعلم والثقافة والتقدم وأصبحت محجا ومقصدا لطلاب العلم ولناشدي التألق الفكري والتقدم التكنولوجي، وهي ما زالت الدولة الرائدة في التقنيات والعلوم والابتكارات.
ونحن كطائفة درزية تطل علينا أحيانا نفحات ونسائم منعشة من القارات الأمريكية، ترفع رؤوسنا وتعزز فينا الشغف للعلم وترسّخ فينا ما طلبه منا أولياؤنا وانبياؤنا أن نتقدم وان نتعلم وأن نستخدم العقل الذي وهبنا إياه الله سبحانه وتعالى لمصلحة الإنسانية والبشرية جمعاء.
 وكانت آخر نسمة منعشة وآخر ومضة منيرة في حياتنا وصلت إلينا  هو ما شاهدناه في الأسابيع الأخيرة على مدرج جامعة ميرلاند في الولايات المتحدة،
 حيث وقفت فتاة أنيقة متواضعة تغمرها الابتسامة وتعلن بفخر واعتزاز أنها تنتمي إلى الطائفة الدرزية وأنها قادمة من قرية صغيرة في الشرق هي دالية الكرمل لكنها وصلت لأن تكون من أكثر ثلاثين خريجة متألقة في الولايات المتحدة حيث نالت الدكتوراه بامتياز في العلوم الفضائية من إحدى أرقى الجامعات في العالم وقد انتدبتها إدارة الجامعة أن تتحدث باسم الخريجين جميعهم الذين لو قمتَ بقياس وزن نِسب الذكاء الموجودة هناك لبلغت عدة أطنان. ونحن كمواطنين دروز ننتمي إلى طائفة قضت جل تاريخها تدافع عن نفسها وعن كيانها وعن وجودها نشمخ ونعتز أن فتاة من بيت نبيل ومن عائلة محترمة من قرية صغيرة شقّت طريقها في دروب العلم المعقدة وحطّمت أمامها كل عوامل الشعور بالنقص التي تلازم بعض القادمين من الريف وأثبتت أن العزيمة الصادقة والتربية الصالحة والتوجيه الصحيح ومنح الثقة والاعتماد على الله يمكن أن يوصل فتاة طموحة لأن تحقق أعلى المراتب العلمية وأن تحصل على أرفع الشهادات وأن تمثّل بيئتها ومجتمعها بأشرف الرتب وأن تكون قدوة لأجيال بعدها وأن تعود بعد كل ذلك إلى قريتها وإلى أبناء عائلتها وهي تثبت أن الفتاة الدرزية إذا مُنحت التربية الصحيحة والثقافة المناسبة يمكنك أن ترسلها إلى أي مكان وأنت مطمئن أنها تفهم واجبها وتقدّر مسئولياتها وتحترم إيمان والديها بها وأن ترفع رؤوس أهلها في الطائفة والقرية وفي كل مكان وأن تعود إلى مسقط رأسها نقية طاهرة مما يليق بإنسانة حصلت على أعلى الدرجات والألقاب. وما يشجعنا في مسيرة الدكتورة كاملة الرائعة هو أنها أثبتت أن الفضيلة يمكن أن تلازم الإنسان في كل مكان وفي أصعب الظروف وأن منح الثقة للفتاة وشرح مسئولياتها وواجباتها اتجاه مجتمعها فيه الكفاية لها ان تصون نفسها وأن تشجع غيرها لأن يترقى ويتألق.
ونحن نشكر والدي الدكتورة كاملة على دعمهما لابنتهما التي نطقت باسم اسرتها وطائفتها وبلدها وباسم بنات جنسها في أرقى المحافل العلمية وأثبتت أنه حتى الفضاء الخارجي مفتوح أمام الشرف والكرامة والعزيمة والتربية الصحيحة.  