دور المرأة الدرزية في الجنازة والمأتم
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)

يمتاز الموحدون الدروز، بإيمانهم القوي، بالقضاء والقدر، وباتكالهم على الله، سبحانه وتعالى، وباعتقادهم أن كل أمور الموت والحياة، وكافة الأشياء المصيرية، هي بيد الله، سبحانه وتعالى. وبما أنهم شديدو الإيمان والثقة بالله، سبحانه وتعالى، فإنهم يتقبّلون أحكامه وقضاءه بالرضا والتسليم، وبالقبول التام، باعتبار الأمر قضاء وقدرا، وذلك يزيد في رسوخ إيمانهم، وفي تعزيز معتقداتهم، وفي اعتمادهم الكلي على مشيئة الله، جل وعلا.
ومع كل هذا، يظل هناك وقع شديد للموت على أبناء البشر، حتى الموحدين الدروز، الموصوفين بشدة تعلقهم بما كتبه الله. ففاجعة الموت صعبة، وفيها تحوّل فجائي، لمسيرة تعوّد عليها الإنسان وألفها، واعتمد عليها، وفجأة شعر بفقدانها. وهنا يأتي دور كبير للعقيدة الراسخة، والإيمان الثابت، في تقبل وتحمّل المصاب المفاجئ، وفي التغلب عليه، وفي تجاوزه، والسير قدما في أجل استمرار الحياة العادية، دون أن يزعزع أركانها الحدث الأليم.
 وقد عُرفت المرأة الدرزية خلال تاريخها، بقربها من الدين، وبإيمانها الكبير، وبتقيّدها بالفرائض والنواهي، وكل ما تقرأه وتحفظه وتعرفه من مكنونات عقيدتها الثابتة. ونلاحظ، ونعلم كذلك، أن ما يجري في الجنائز والمآتم لدى أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان، فيه ما يجعل من مجتمعنا، مجتمعا صامدا قويا رصينا، وفيه إثبات أن التديّن والتمسّك بأهداب وأركان التوحيد، فيه عزاء، وفيه وسيلة لمداواة أي جرح، ولرأب أي صدع، وللتغلب على أي مشكلة أو مصيبة تحدث في الأسرة.
وكما نعلم جميعا، توجد للرجال في الجنازة والمأتم، قوانين وأساليب وعادات مباركة شريفة رفيعة المستوى، يشهد بها كافة الذين شاركوا الموحدين الدروز في جنائزهم، وفي أيام استقبالهم للمواسين والمعزين. وتوجد كذلك لدى النساء، مراسيم وعادات شريفة مبجلة راقية، وُضعت قبل ألف سنة، لكنها تحتوي على كل النظريات الحديثة في علم النفس، من أجل التغلب على هول المأساة والمصيبة، التي حلّت بالأسرة عند فقدانها عزيز عليها. فجثمان المتوفى أو المتوفاة، يوضع في عهدة النساء، في القسم الانفرادي المخصص لهن قبل الدفن بساعات. وبما أن الدين الدرزي، يمنع البكاء والنحيب والمغالاة في التأثر، والصراخ والعويل على المتوفى، تجلس المقرّبات من المتوفى حول النعش، وتجلس خلفهن باقي النساء، وهناك تتلى الأناشيد الروحية التأبينية، والقصائد الدينية المتّبعة، بحيث يظل المجتمع النسائي حول النعش في عملية مستمرة من الانشغال، ولا يُفسح أي مجال لحديث عرضي بين امرأة وجارتها، مما هو متبع بين النساء وكذلك بين الرجال، فيمتاز المحفل بصمت رهيب، ولا تُسمع إلا الأناشيد الفردية والجماعية، ويكون دور باقي النساء في المتابعة وترديد القسم المتعلق بهن، وذلك من أجل إمضاء الوقت في جو كله يعبق بالاحترام والصبر وتقبل الموت باحتمال. وفي هذه الأثناء، يسود الذوق السليم النساء القادمات للمشاركة، بحيث أن النساء تصلن إلى مدخل بيت الشعب المتواجدة فيه الجنازة، وإذا كان المجتمع ما زال في مرحلة تلاوة النشيد أو الندب، فإن النساء القادمات، تنتظرن نهايته، وحصول فاصل بين نشيد وآخر، لكي تتقدمن من المقربات من المتوفى، والأخذ بخاطرهن، أو لوداعهن قبل ترك المكان. وفي هذه الدقائق القليلة، يسود صمت تام وانتظار، لبدء نشيد جديد، وهكذا تمر الساعات، حيث يخيم في المكان جو روحاني شامل. وهنا لا بد أن ننوه أن نسبة المتدينات في المجتمع الدرزي، هو أكبر من نسبة المتدينين من الرجال، لكن مع هذا، توجد في المجتمع الدرزي نسبة كبيرة من النساء غير المتدينات. وهنا علي أن أنوه، أني أعتز وأفتخر بالنساء الدرزيات بكل مكان، فمن المفهوم، أن المرأة الدرزية المتدينة هي محتشمة في كل مكان، وكذلك في الجنازة. وما يثلج الصدور، هو أن كافة النساء غير المتدينات، وبصورة خاصة البنات والفتيات الشابات، منهن الطالبات وغير الطالبات، وهن عادة غير متدينات، لا يمكن أن ترى واحدة منهن إلا وهي متشحة باللباس الأسود الكامل، وبالنقاب الأبيض، وبالتصرف اللائق السليم المقبول، وهذا يثبت أن المجتمع الدرزي كله، يستطيع في لحظات، أن يتوحد، وأن يجتمع، وأن يتصرف، حسب كل ما تطلبه قوانين وتوجيهات دين التوحيد، الذي يوصي بتوديع الجنازة باحترام وتقدير، دون المبالغة بالنحيب والبكاء، وفي الدعاء للمتوفى أن يتغمده الله بالرحمات، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
هذا من ناحية التصرف الهادئ المتزن في المأتم حول النعش، وعندما تقترب ساعة الدفن، يُخرج النعش خارج مدخل بيت الشعب، ليقوم الأهل والرجال بتوديع المتوفى قبل دفنه، وفي هذا الموقف درس رائع للصبر والاحتمال، فالنساء تتصرفن بثبات وتأنٍّ وصبر، والرجال يشاركنهن الوقار والاحترام، ويُحمل النعش إلى الدفن بحضور الرجال فقط.
ومن ناحية أخرى، هناك دور كبير للنساء في دعم أهل المتوفى في أيام الحداد، التي تلي يوم الدفن. فالنساء تجتمعن في اليومين الآخرين في بيت الشعب، وبعد ذلك في بيت الأسرة، لتقبل التعازي، ولاستقبال المواسين من النساء طبعا. وهنا يأتي دور الأقارب والجيران والمعارف والأصدقاء من النساء، اللاتي تقمن بدعم الأسرة، وتوفير كل حاجات العائلة من مأكل ومشرب، ومن أمور أخرى لا يستطيع افراد العائلة بأنفسهم أن يقوموا بتنفيذها. وتغمر النساء المقربات، العائلة بالحاجيات، خاصة من أجل الأولاد الصغار، وطلاب المدارس، بحيث لا يشعر أحد بأي نقص بسبب الوفاة، وإنما تحاول هؤلاء النساء، التعويض والتخفيف عن الأسرة، علما أن هناك معرفة تامة أن الموت يزور كل بيت، ولا يوجد أحد لا يمر بهذا الموقف، والشعور السائد، هو الدعم والمؤازرة والوقوف إلى جانب أسرة الفقيد والعمل على تخفيف المصاب عنها. 