الهند أغرب ما في آسيا وأعجب ما في الدنيا
بقلم عقل أبو حمود
عندما ساقتني المشيئة إلى رحلة الشرق الأقصى العجيب كانت من أبرز ايام اسفاري ونقطة تحول في تغيير المقاييس الفكرية والعلمية وشعرت أنني عبرت من نافذة ضيقة ونظرت للعالم من أوسع فتكشّف لي فطاء المجهول واكتشفت أنني كنت لا أعرف الكثير من الدنيا ولكنني استطعت أن أكسب الكثير وأعرف الكثير وأن أعمل الكثير. فجعلت جوادي في هذا الميدان قلم النثر الذي يحملني تحت جوانحه ويطير بي عبر المسافات البعيدة  حول العالم فاجتزت القارات والمحيطات ،وحين كنت انتدبه يمد منقاره الفضي ويدق بسابكة نجوم الاستطلاع فالتقطت أهم الأخبار واسمى المعلومات واقتنصت من شموس المعارف فوائدها وحلقات فيها المنعة والتشويق ما يستحكم السمع والبصر ،وأنا لا ادعي أنني عرفت وألممت بكل شيء فهناك الكثير لكن رمز رحلاتي الدائمة على السفر كانت لا تنتهي غلى حد النزهات والترفيه لكن النفس الطموح تشغف إلى غاية أسمى وتتوق بحثا عن المعرفة وتطلعا إلى التجربة وارتياد للمجهول. والذي استنتجه بانطباعاتي في معترك ميادين الرحل وسباق الأسفار ،أن كوكب عالمنا في هذا الكون الشاسع الواسع إن هو شبه سفر ضخم يحتوي على ملايين الصفحات الأولى والبعض قد لا ن\تلامس عيناه سوى غلافه الخارجي. وهذه المرة اخترت أن أكتب عن صفحة من هذا الكتاب الضخم وغرقت في حفنة من بحر من بحور العالم ففي رحلتي للهند اختلست لمعة من غوامض ظلمة هذا المحجوب وفيها بعض النوادر وغريب العادات والتقاليد والأديان في حياة هذا الشعب العريق الحضاري اللامع وما يتخلل حياته من النقض والعجيب ما يشبه الأساطير في دهشتها تصفع قفا العقل ويغوص في خفاء الرؤية والاستهجان.
سفرة طويلة وبعيدة شيّقة وممتعة ومحفوفة بالمخاوف والأخطار سبعة عشر ساعة في النفاثة من اللد إلى باريس إلى بومباي الى العاصمة دلهي.
في محطتنا الأولى بباريس جلس بجانبي على كرسي الطائرة شاب هندي لطيف ممشوق القوام يعمل بمؤسسة فرنسية وعائدا لبلاده لقضاء إجازة فانتهزت الصدفة لأتحدث معه بالانجليزية استشف منه المعالم عن حياة الهند فكان وقع كلماته كقطرات ماء تبل جفاف شفاه الظامئ من العطش فألهبت تشوقي وأصبحت متلهفا لهذه البلاد قبل ان أراها.
وقد لمع في ذهني أيضا ما قاله الرحالة ابن بطوطة بكتابه (تحفة الأنظار بعجائب الأسفار) أنه عندما زار احد قصور الهند قرأ على إحدى أعتابها "هنا توجد الجنة" وللحقيقة والواقع أن ما رايته وشاهدته تبين لي اضعاف أضعاف ما كنت اسمعه من عجيب هذه البلاد وغرائبها.
هبطت الطائرة ولامست عجلاتها أرض مطار بومباي وما أن وطئت قدماي أرض المطار حتى تفاجأت باشتعال الحرارة إلى درجة لا تطاق فالسحاب قد تبدد من السماء وحرقة الشمس تصلي ظاهرة على مسرح الكون كالنار في نهب الريح،ما أن انتقلنا مسرعين مهرولين إلى حضيرة المطار حتى انشويت نضف شوية وأصبح وجهي من نفحات الحر الشديد كوجوه الهنود ، ولو التقى معي أحد المهتمين بقضايا المواطنة الهندية لأعطاني الجنسية الهندية فورا.
ليس هذا الغريب فحسب ،فالأغرب بتناقض المناخ بباريس الماطرة وبومباي المحرقة في فصل واحد وأن لا يتجاوز العشر ساعات بالطائرة. والملفت للنظر النقيض بين باريس بالقارة الأوروبية وبومباي الشرق آسيوية في اختلاف العادات والأديان والتقاليد والمعتقدات والأكل والروح واللباس ،فكل شيء في الهند يختلف تمام أنه عالم ثانٍ ودنيا جديدة فترى الناس ألوفا بمطار بومباي نازلين من الطائرات وألوفا يصعدون للسفر ولكثرة الازدحام الهائل لا يشعرون لك ولا تحس بهم وليس ذلك بغريب سوى ظاهرة واحدة تعير الانتباه فقد يمر من حولك 50 شخصا لكن لم تستطع ان تميز وتفرق بين وجوههم ووجه غاندي فأشكال الوجه نسخة متشابهة على نفس النمط كما أنك تسمع دوي اللغات المتنوعة وكأن الهند فبركة اللغات واللهجات. فكثيرا من الأقاليم المنتشرة والنائية البعيدة لا يفهمون لغة الاخرين لغة الآخرين من الأقاليم. ولكن اللغة الانجليزية التي طافت على جميع البلاد في شبه القارة الهندية في عهد الاستعمار البريطاني لمدة 92 عاما كانت همزة الوصل وجسر المفاهمة بين الهنود على بعضهم لكنك تسمع نطق اللغة الانجليزية مطعمة باللهجات الهندية فيصعب عليك فهمهما احيانا.
سارت بنا الخطى بأحياء بومباي عاصمة ولاية شترا ذات مليونين ونصف مليون نسمة. فأرى كل شيء هنا يميل إلى الغرابة ،البنايات ضخمة وفخمة وفنون العمران جميل ومميز على الطراز الهندي لكن بينها الأكواخ الصغيرة وشوارع واسعة وأزقة ضيقة والناس بحر من الأمم أفواجا وأمواجا ،وظاهرة اللباس أيضا مميزة فالرجل الهندي يلبس العمامة وطول القماش خمسة أمتار ومطوية مدرجة بطبقات ملفوفة بصورة هندسية هندية ومنها لون الأخضر والأحمر والأسود والأبيض وأما عمامة الجنود فلونها الخاكي ولون وجوه الهنود اسمر بمزيج من الاصفرار والشوارب غليظة وبلون الأسود الفاحم والعيون واسعة. وقد تستغرب أنك لا ترى شخصا سمينا فالأغلب ممشوقي القوام. وأما لباس النساء فهو الساري وهو اللباس الشعبي والتقليدي لنساء الهنود وهو عباءة مزركشة بالألوان تلفف الخاصرة ويبقى الصدر والظهر شبه عريان وهناك من الرجال والنساء يلبسون الثياب الفاخرة – آخرين طلقوا الثياب ويمشون في الشوارع شبه عراة يسترون عورتهم فقط.
من معتقدات الهنود
كان يقودنا المرشد الهندي الشاب (سوامنتا) ولاحظت أنه يطوق عنقه سلسلة كالتي تلبسها البنات المخطوبات وسألته ماذا تعني ؟قال السلسلة يلبسها الرجال فقط قبل الزواج وعند ذلك يمتنع عن ممارسة الشوائب والجنس فيصبح مقدسا ولا يخلصها حتى الموت، وسأله أحد الزملاء ساخرا هل النساء ايضا يلبسن مثل هذه السلسلة ليصبحن قديسات أم النساء في الهند قديسات بغير سلسلة ؟رد سوامنتا بلهجة الجد وقال "كلا فالنساء لا يصبحن قديسات لأنهن نساء وحول هذه النقطة تدخل مرشدنا الإسرائيلي وقال :إذن ما هو سبب ميزات الرجال عن النساء ؟أجاب :نعم أن الرجل الذي يعتصم ويصبح مقدسا له الحق أن يناجي الأرواح من عائلته بالكلام معهم من دور الأب والأم إلى الدور السابع للأجداد من ناحية الأب والأم فقط وأما المرأة فلا تناجي الأرواح وزوجها هو الذي ينوب عنها في المناجاة لأن الأرواح لا ترد على مخاطبة النساء فثارت دهشتي وسألته :هل أن المثقف والمتعلم الهندي يستطيع بفكره وعقله ان يهضم ما تفوه به من اقوال ؟ ورد علي بجواب فلسفي هندي قال :ليس هناك علاقة بين العلم والثقافة وبين الدين والعقيدة أو بين العقل والإيمان فيجب الفصل بين الواحد والآخر لأن ذلك يوقعنا في بحر من التناقضات والحيرة والجدل. وما ان أنهى حديث الفلسفة العقائدية مقتنعا بها حتى وصلنا غلى مكان غريب عند وسط المدينة.
كان سماء هذا المكان يحجبه أسراب من الطيور الغريبة الجارحة وتحوم فوق البرج العالي اسمه (برج الصمت) وقد اندهشنا جميعا عندما قال المرشد الهندي إن البرج بني خصيصا ليضعوا عند قمته جثث الموتى فتترك مكشوفة للطيور اسمها (القانشترز) والتي تلتهم لحم الموات. وفي داخل البرج بئر عميق تتساقط فيه العظام بعد انفصام الحم عنها من اكل الطيور. فتنصهر به العظام بمادة حوامض سائلة فتذيبها وتتلاشى نهائيا، فثار اشمئزازي من فظاعة المشهد المريب. وسألت المرشد الهندي عن طريق الترجمة اعلم ان الهنود يحقون الأموات لكن رغم هذه العادة البشعة    فهذه البادرة التي اشاهدها فهي أغرب وأبشع أضعافا من شناعة حرق الموتى. قال إن حرق الأموات فهو عند طائفة الهندوس لكن هنا في بومباي يوجد جماعة من طائفة الفارسيين الذي قدموا إلى الهند من عصور وأزمنة قديمة جدا وهم يعبدون النار وقديما كانوا يعلقون جثث الموتى على أغصان الأشجار فتأتي الطيور وتتغذى باختلاف عادة الهندوس ومن حكمة هؤلاء الفارسيين بهذه العادة الموروثة على كر السنين ،فباعتقادهم أنهم يصنعون عملا خيري وإنساني تتغذى منها الطيور الجائعة. قلت لكنها عادة فظيعة وغير مألوفة وغير إنسانية ،لكنه رد بلهجة المؤمن القانع قائلا :من البديهي أننا لا نحس بشيء بعد الموت فحرق الموتى عند الهندوس لم يأت بأي فائدة او إحسان لكننا نحن نفيد الطيور الجائعة المسكينة وعندما قال نحن وبصفة المدافع فهمت بأنه من هؤلاء الفارسيين الذين يعبدون النار. وسؤال آخر قلت له هل هذه العادة ستبقى مألوفة ومستمرة ونحن في عصر حضاري متمدن والهبوط على ظهر القمر وقبل أن يجيب قرأت على وجهه علامات الحيرة وأجاب أن بعض الناس يأبهون هذه العادة ويناشدون بتغييرها وآخرين يطلبون بوصيتهم أن تحرق جثثهم بعد الممات كالهندوس وبعض آخر يطلبون ان تدفن أجسادهم بعد الموت في التراب ولا يكونوا فريسة الطيور لكن كل هؤلاء  يكون من المغضوب عليهم من الآلهة ومن الكهنة ورجال الدين فيرفضون الصلاة على موتاهم فتدفن أجسادهم بغير بركة الإلهه وبركة الكهنة ، فقلت الحق معهم لكن ضحك سوامنتا غير قانع وبهذه البوادر الولية في بداية رحلتي أوحت لأفكاري أن كثير ا ما ينتظرني من  مفاجآت وعقائد كالأساطير وتميل غلى الخرافة وتكشف أمام العقل سخافة أركان مضلة.
أقلعت الطائرة من مكار بومباي متوجهين غلى مدينة دلهي العاصمة الهندية ذات 8،5 مليون نسمة وكانت الحرارة لا تزال مشتعلة إلا أن قد اسعفني مكيف الهواء داخل الطائرة فكان لي الإسعاف وجهاز النجاة فداعب النسيم وجهي وفتحت الأزرار  عن صدري لأسهل إلى قلبي قبل أن ينام. وبعد ساعتين ونصف كنا على أعتاب فندق مونتريال الشهير في دلهي واندهشت حين صافحت تأملاتي صفائح جدرانه التي تتسم بالمجد القديم والحضارة الهندية العريقة.
هرع النوادل مسرعين بلباسهم التقليدي الهندي الموحد يلبسون العمائم البيضاء والوجوه سمراء والشوارب غليظ والأسنان بلون الفضة وقبل أن يباشروا بنقل الحقائب اصطفوا ووضع كل منه كفه على كف الآخر ورفعوهم إلى أعلى بسرعة ثم انحنوا فورا انحناءة نصف زاوية وهذه العادة الترحيبية كثيرا ما تراها في شرق آسيا تعبيرا باحتفاء الضيوف.
من أخلاق الهنود
بطبيعة الهنود أنهم يعشقون السلام ولا يحبون سفك الدماء بتاتا ،فلا تخشى إن سافرت وحدك بين ظهرانيهم فتشعر بالاطمئنان ودفء الألفة . والهنود ناس طيبون ويحلون بدماثة الأخلاق وسعة الأرحاب والهندي بالنسبة إلى الزائر صديق ورفيق بدون معرفة. وزائر الهند لا بد له أن يلتمس كثيرا من الأشياء البارزة التي تلفت النظر في أخلاق الهنود فترى الآلاف تجوب الشوارع وآلاف أخرى على الأرصفة وبهذا الأنس بينهم شعرت أن تلاشت غربتي وازدادت أنسي.
ليس أبهج ما تتعجب إليه وتحسه إلا عندما تكون نائما ومطمئنا بأنك متوسدا نائما على فراشك في بيتك وتستيقظ صباحا وتفتح عينيك فتجد نفسك في بلاد الهند وأنت بعيد عن أهلك ووطنك عشرات آلاف الأميال فأنك استقبلت بسحر خاتم من الأساطير ،عندما صحوت من نومي ووجدت نفسي في هذه البلاد غريبا صرت افرك عيني وأغمضها تارة وافتحها ثانية وأنا مستغرب وصرت أخاطب نفسي لعل عقلي كان يخادعني وصرت بين مكذب ومصدق وعندما انضممت إلى زملائي كانوا ليس اقل مني في غمار هذه الدهشة حضرت المرشدة الهندية السيدة (باندا) ورافقتنا الطواف بأنحاء العاصمة دلهي. ووصلنا الساحة الكبرى في مركز المدينة واندهشت أنظاري من طوفان البشر ، وفيما نحن على الرصيف العريض شد انظارنا شابان قد اقتربا نحونا بسرعة وقفا امامنا واحدهما استلقى نائما على ظهره فورا على الأرض بينما زميله قد غطاه بقطعة قماش سميك وبقي رأسه مكشوفا فقط ونصبنا حولهما حلقة  ويبدو أنهما سيلعبان استعراضا سحريا ،ووقف الشاب عند وسط الشاب الممدد على الأرض وبيده طبلة صغيرة يتدلى من جنبيها حبلين صغيرين في رأس كل حبل خرزة زرقاء كبيرة وتابع يلوح بالطبلة والخرز يقرع على دفة الطبلة ويقرأ بهمسات مبهمة من لغة السحر وفجأة بدأ الرجل الممدد على الأرض يصعد تدريجيا ويرتفع عن الأرض في الهواء بصورة متوازية وبقي يرتفع مستقيما حتى وصل مقابل وجوهنا ثم وقف وهو ممدد في الهواء بين السماء والأرض، مما اثار إعجابنا إلى حد البلاغة الخارجة عن طاقة العقل والفكر. واندفعت من الإثارة وتقدمت خطوتين إلى الأمام ومددت يديّ من تحت الرجل المعلق بالهواء وسرت ألوح بهما بمبنا وشمالا لأتأكد من الفعلة الغريبة فما كان من الرجل الساحر فقد مد يديه هو الآخر فوق يدي من الناحية الأخرى وتابع يلوح مثلي مما اثبت قناعتنا أن الرجل معلق في الهواء لا سينده شيء سوى أعمدة السحر الوهمية والغير مرئية. ومن بعد فترة أعاده الساحر تدريجيا بمثل السرعة التي صعد بها وأعاده إلى الأرض ولعميق الأثر بهذه المشاهد تناولت من جيبي بعض الروبيات وأعطيت الساحر وعاد المشهد مرة اخرى. وقد لمع في ذهني ما قرأته في كتاب يصف به رجلا هنديا قد ارتفع عن الأرض تلقائيا ثم ارتفع حذاء إلى أعلى يضربه على رأسه دون ما يمسكه أحد فنزل الرجل بفعل ضرب الحذاء فقط ولا يزال هذا المشهد يلازم خيالي كلما استدعيته.
وقفة أمام ضريح الزعيم الكبير غاندي ابو الهند
على بعد مسافة 150 م من ضريح الزعيم الكبير خلعنا الحذاء من ارجلنا كما هي العادة هنا ومشينا جريا على الأقدام على طريق مفروش بالرخام اللامع ناعم الملمس وبين الحدائق  الخضراء وعلى جانبيه الزهور والورود متعانقة وبينها تتزاحم النافورات وتتراقص بأشكال فنية رائعة. وقفت بجانب النصب التذكاري ولم ادرٍ  كيف اصف هذه اللحظات بعمق هذه اللحظات الدقيقة التاريخية فوقفت وقفة خشوع وإجلال وإكبار ومما شد نظري تقاطر الوفود والزائرين بأفواج من الأمم الهندية وغير الهندية يحملون بايديهم باقات الزهور يوميا تكريما للرجل العظيم وبعد ان أخذت صورة تذكارية بجانب الضريح عكفت توا إلى المرشدة الهندية الضليعة بالمعالم والإرشاد لأستشف القدر الممكن من معالم هذا الرجل الفذ الذي قاد أنبل قضية وطنية عرفها التاريخ لنجاة شعبه من فك الأخطبوط الاستعماري من الدولة العملاقة المملكة المتحدة البريطانية وكان لي معها هذا الحوار عن طريق الترجمة والسؤال التالي:
لأول مرة اشاهد قبرا هندوسيا بارزا عن الأرض علما ان الهندوس يحرقون الموتى ثم يلقون الرماد في نهر الكنج المقدس فهل أن الزعيم غاندي لم يشمله هذا التقليد وهذه العادة ولم تحرق جثته كسائر الهندوس وهو طبعا هندوسي .
الجواب :تبسّمت باندا وقال لأول مرة في تاريخ مشواري بالإرشاد يسألني شخص هذا السؤال وقد لاحظت اهتمامك بالتدوين منذ النظرة الولى بدليل تحمل القلم والكتاب وأما بالنسبة لجسد الزعيم غاندي نعم فقد حُرق أسوة بموتى الهندوس لكن غاندي اعتبر ابو الهند ووحي قد جاء مرسلا لإنقاذ الهند ولذا فقد ايدته جميع الطوائف والأديان الهندية وشدوا على يديه لنزاهته وكفاحه ونضاله المرير. وأعتق رقاب شعبه من قبضة العبودية إلى نشوة الحرية ومن قسوة الظلم والإجحاف إلى الانتعاش بالعدالة والإنصاف بعد معاناة دامت ما يقرب القرن من الزمن قد عاشه الشعب الهندي بالكبت والجور والحرمان واستنزف الاستعمار خيرات بلادنا وسلب ثرواتنا وحقوقنا إلى أن كاد  أن يمسح هوية استقلالنا في بلادنا. ومن حيث كان ذلك الاستقلال مستحيلا وحققه الزعيم غاندي بسياسته الحكيمة اعتبره الهنود كما ذكرت وحيا مرسلا من عند الله أنقذ الهند. فأمست الأمة الهندية كلها تنظر إليه مقدسا ونبي الهند الجديد فرفعه الهنود إلى مصاف التقديس والإجلال. ففي الهند يوجد نهر الكنج المقدس ويوجد غيره أربعة أنهار كبار فعندما حرقت جثة غاندي رش من ذرات رماده في الأنهار الأربعة وأصبحت جميع الأنهار مقدسة وبقي ذرات أخرى من رماده فوضعت داخل هذا القبر وبني هذا الضريح المقدس الذي تراه. وذلك تخليدا لأعماله وذكراه الخالدة. وقد اصبح هذا النصب قبلة للطوائف الهندية جمعاء بالإضافة للزائرين والسياح من العالم وأنت من جملتهم.
سؤال – ممكن لمحة موجزة عن نضال غاندي وكفاحه العظيم الذي ابهر العالم وإن كان الوقت معنا ضيقا ؟
جواب  - مهما كان الوقت ضيقا فإنه يتسع عندما نتحدث ونذكر أبنا الهند ورسالته حافلة بالأساطير وكفتحه الدءوب ، فلا يمكن تعريبها بكلمات  والهند  لا تعرف في حياتها رجلا كالمهاتما غاندي وطئت اقدامه في دروبها. فهو وقضيتنا الكاملة والاستقلال فهو تاريخ لامع وقد أبهر العظماء والعالم في حكمته وسياسته. وقال فيه العالم الكبير اينشتاين أنه يصعب على أجيال تأتي قادمة أن تصدق أن رجلا وزنه خمسين كغم قد وجد بلحمه وعظمه على كوكبنا وحرر الهتد.
وأضافت تقول أنه منذ مهد رسالة غاندي التي انطلقت من مدينة أحماد أباد بولاية جوجراء كان سلاحه الحكمة والعقل وانتهج مذهب اللاعنف ورغم ضعف جسمه إلا أنه كان قوي العزيمة ولا يكترث صولة الاستعمار وهيمنته فكان يسافر غنيا وثراؤه قد ساعده في تكاليف نضاله.
ج – غاندي عاش فقيرا ومات فقيرا لكنه غني النفس وثري الكرامة وعملاق وسياسي  فكان يسافر إلى عقر دارهم على ظهر باخرة ويغزل ثوبه على نوله بيديه ويلبس صندلا وعصاه لا تفارقه وعندما يجلس معهم للمناقشة لا يخجل بلباسه الأبيض البسيط وهم أمامه يلبسون فاخر البدل وربطات العنق الباهرة فلا يهمه المظاهر الأنيقة والبراقة بقناعة منه أن تحت هذه البدل لصوص يستنزفون ثروات بلاده ويصفهم بالدواهي وقطاع الطرق كما حاولوا كعادتهم أن يغروه بالرشوة لكن لم يكتب لهم النجاح لأن غاندي لم يبحث إلا عن استقلال بلاده. فكان لا يهزه مال ولا يطريه مجد سوى تحقيق رسالته بالتفاني ضد الظلم والفقر والحب والعمل من اجل شعبه. لكن للأسف كان سلاح غاندي كسلاح العدو المسموم فقد لاقى حتفه من أحد أبناء قومه الهندوس وكان ذنبه أنه أعطى للباكستان دولة إسلامية وفاء لما قدموه الإسلام من مساعدة وتضحية في كفاح غاندي ضد الاستعمار لكن حبه دخل إلى قلوب 850 مليونا بالإضافة إلى قلوب الملايين من العالم.
وهو زعيم ابي وإباؤه يظهر على بيته المتواضع بمدينة أحماد أباد الذي اصبح متحفا لا كالمتاحف التي تعج بالأواني البراقة كالذي يستعملها زعماء أخرى فمتحف غاندي بيته المتواضع ذات معنى عميق فيوجد فيه منضدة على شكل طبلية وكان يجلس على الأرض يقرأ ويكتب ،  وعلى المنضدة  الآن نظارته وقلمه وصندله وعصاه وقبقابه الخشبي.
فإذا قارنا بين غاندي بفقره استطاع أن يحرر شبه الجزيرة الهندية وإعادة استقلالها وهيبتها بينما زعماء آخرون ينعمون بالمال والجاه ولا يفعلون شيئا فمن حق الهنود أن ينظروا إلى غاندي نظرة النبي المنقذ ويضعونه موضع التقديس والإجلال ومن الحق والإنصاف أن تعرض ثروة كل زعيم وجميع ممتلكاته بعد رحيله في معرض حتى يكشف الشعب أعماله إذا كانت مليحة أو قبيحة.