المرحوم الشيخ أبو نجيب هاني قبلان
بقلم شفيق قبلان
لقد فقدت قرية بيت جن في تاريخ 24 - 10 - 1984 أحد الشيوخ الأفاضل ألا وهو الشيخ أبو نجيب هاني صالح القبلان الذي تولى المسؤولية الدينية في القرية مدة طويلة من الزمن ولا تزال الحكايات حول رعايته الصحيحة لأمور الدين وصرامته في الأحكام الدينية حتى الآن, ولقد خلف الشيخ أبو نجيب هاني ولد في تحمل الأعباء الدينية فكان خير خلف لخير سلف.
صفاته: كان المرحوم مثالا للطهارة والعفة والورع، راسخ الإيمان ، كبيرا دون ان يتكبر، عظيما من غير أن يتعاظم، وكانت داره مفتوحة للقاصي والداني، ولم يفرق بين قريب او بعيد ، وضيع او رفيع، بل يستقبل الجميع ببشاشة وجه ورحابة صدر وأكرم أخلاق وسخاء.
 لقد كانت علاقة المرحوم حسنة مع جميع الناس عبر اختلاف طوائفهم من مسلمين ويهود ومسيحيين ودروز. وكان الكثيرون من جميع المناطق يقصدونه للتداوي على يده بطريقة الطب العربي. ولقد شفى الكثيرين على يده بإذن الله سبحانه وتعالى، هذا بفضل حسن نواياه وطيب خصاله وكانت خدماته الطبية للناس بالمجان ولوجه الله سبحانه وتعالى بدون أي مقابل مداي . وقد رفض الهدايا جزاء معروفه، لأنخ لم يجر وراء المال والمادة، بل جعل من الفانية ممرا إلى الآخرة يجتازها ولا تغريه زخارفها ويتركها ولا تغويه مباهجها. وكان الشطر ألكبر من حياته الطويلة مكرسا للمثابرة والمصابرة والمجالدة والمجاهدة في تأدية الفريضة وعمل البر والإحسان. وقد نذر نفسه لخدمة الوقف وكانت له الأيادي البيضاء في تصليح الخلوة وتأثيثها وبناء بيت الأموات بمساندة لجنة من كرام الناس.
أدار المرحوم أمور الخلوة والوقف مدة سنين طويلة بأمانة وطهارة وشرف، كما كان بيته مودعا لأمانات الناس، وكان يكتب الوصايا التي يحفظها في بيته لكل قاصد.
 لقد أحب المرحوم إخوان الدين واحترمهم من كل قلبه، كان يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم دون فرق أو تمييز فأحبه الناس كما أحبهم.
دعا المرحوم إلى التقيد بتعاليم دين التوحيد وبالمثل والقيم العليا وكان يعمل بها ، فآمن بالقضاء والقدر وصبر على الملمات وتمثل لمسالك الصالحين السالفين، وحدث أنه في إحدى الزيارات التي قام بها شيوخ إلى منزله من البلدان المجاورة ومنهم المرحوم سيدنا أبو محمد علي الفارس (حرفيش) نفعنا الله ببركاته حدث أن توفي له ولد اسمه صالح وعمره خمسة اشهر ولكن المرحوم لم يجزع وطلب من النسوة التحلي بالصبر وكتم الخبر، وبعد أن تناول ضيوفه طعامهم أخبرهم عن وفاة ولده ودعاهم إلى مشاركته في زمن الجنازة.
لد أحب المرحوم الأرض والزراعة ورغم كبر سنه بقي يعمل فيها إلى أم مرض مرضته الأخيرة التي استمرت أربعين يوما وكثيرا ما سمعناه يقول :"من لا أرض له لا عرض له".
كان المرحوم يكتب الأشعار وتحدث في منظوماته عن الكون والموت والثواب والعقاب وكان يحسن الندب ومن المنظومات التي نظمها عند وفاة زعيمنا سلطان الأطرش قوله :
حيف يا سيد المعالي         مين بقا مثلك يصير
كنت كنز للأهالي            كنت أثقل من وزير
كنت حاكم كنت حاتم        كنت عالي على ك العوالم
كنت عالي على العوالم        كنت أمير وابن أمير
عندما سعت المنادي        النار هبت في فؤادي
صحت بأعلى الصوت باطل    راح سلطان البوادي
صحت بأعلى الصوت باطل    راح جبار الخواطر
للعروبة كان ناظر        كان قهار الأعادي
ومن منظوماته حول القضاء والقدر:
الموت حاكم على العوالم كلها        زود نفسك للسعادة تلاقي
أوصيك لا تنسى المقابر والبلا        غير وجه الله ما أحد باقي
إن جيت إلى التربة أنظر واعتبر        فيها شيوخ مع شباب بتلاقي
إن قدرن تعمل خيرا تلق عملك        يرضى عليك الواحد الخلاقي
هذا قليل من كثير مما كتبه المرحوم ولضيق المجال ليس بوسعنا التطرق إلى كل ما كتبه.
وفاته : بعد مرض عضال استمر ما يقارب الأربعين يوما فارق جوهره  اللطيف جسده الطاهر الكثيف وكان خلال فترة مرضه واثقا بدينه متقبلا برضا وتسليم ما جاء من ع الله دون تأوه أو شكوى. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر تشرين أول سنة 1984 أجريت مراسم جنازته وكان الموقف مهيبا حيث نقلت الجنازة تحملها كوكبة من الشيوخ الأجلاء الأفاضل في بحر واسع مترامي الأطراف من العمائم البيضاء. ولقد ألقيت عدة كلمات في تأبين الفقيد منها كلمة الرئيس الروحي للطائفة الدرزية رجل الفضل والتقى وعلم الطهر والهدى سيدنا الشيخ ابو يوسف أمين طريف وألقى الكلمة الأخيرة باسم القرية الشيخ ابو وافد رجا قبلان ابن أخ الفقيد وعميد العائلة.
هذا ولم يتمكن الفاضل ابو جمال شجاع شيخ مشايخ البياضة من حضور مراسم التأبين فتكرم مع وفد كريم من شيوخ البياضة في اليوم التالي إلى دار الفقيد خصيصا للأخذ بالخاطر.
 حقا لقد كان الشيخ المرحوم عزيزا على الجميع وبفقده فقدت الطائفة الدرزية شيخا جليلا يحوي مزايا المعرفة وسعة الاطلاع وبُعد النظر والتواضع والعطف.
وأملنا كبير أن نجله الوحيد الشيخ صالح سيسد الفراغ العظيم الذي فجر الدموع وأحزان القلوب.
مراجعة وتحقيق: الشيخ أبو يوسف سلمان الخطيب.