جزيرة سنغافورة
بقلم عقل أبو حمود

همسة إيضاح:
بادرني لفيف من القراء الفضلاء بمناسبة حوار يعربون عن لفتتهم الكريمة. يشجعوني المزيد من الكتابة. خاصة على صعيد الرحلات وثمرات الأسفار الشيقة. فبعض قال : إنه قد تفاجأ بما ألمعت واقتنصت من قيم المعلومات اللامعة، وأخبار ونوادر ممتعة. وبعض أشاد بالمادة والنص والتنميق والأسلوب وآخر أفضى قائلا : من أين لك هذا. وبتواضع اشكر لهم لفتتهم بالعناية والنقد الصريح. وأقول الحق معكم.
ولكن سأجيب على سبيل الإيضاح والتعريف لا على سبيل النعت والتخريف. لا يمكن لإنسان أن يعرف ما وراء الجدار الذي هو اقرب قريب عليه. إذا لم يكشف ما خلفه ليتسنى له الرؤية ومن أجل أن تعرف ما وراء المعنى لك هذا الإيجاز سيدي الكريم.
بعد أن أديت واجبا حتميا وملزما في حياتي بالبناء والبنين، خرجت من باب تفكيري قانعا ومقتنعا ، إن الحياة ليست فقط غذاء جسميا ونوما وشقاء، فهناك ايضا غذاء للروح وتطلع للمعرفة ومتعة للنفس فرسمت للحياة خارطة من نوع آخر ، وأول تلوينها كانت فترة تقاعدي التي اخترتها تلقائيا بنفسي. وعمرها ثماني سنوات فعكفت أولا على الدراسة والمطالعة والكتابة. فكان لي ذلك كجامعة بيتية نهلت منها ما أردت, كذلك عكفت إلى الأسفار لأرى العالم الخارجي عبر الآفاق واستقطبت بمعلومات من 28 دولة باستعلامات شهية ونوادر وحكايات عجيبة في طعمها مذاق للفكر والخيال, ومن هجوم هذا للإعجاب أصبح لا يطاوعني قلبي الخروج من هذه الحلقات التي شدّتني وعاشت في ضميري. فأصبح السفر له عندي شخصية مميزة في حياتي فليست الجنة هو ان ترى شيئا واحدا وكفى، فمهما كان جميلا وحلوا فتمله، ولكن طعم الحياة هو أن ترى العالم لتعرف الكثير، والسفر في نظري ، هو شجرة الحياة التي تقطف من ثمارها ثروة الخبرة والمعلومات والمتعة والسعادة ولا يحس بها إلا السائح الناظر. فالجنة في التنقل لا في البقاء حتى لو كنت من أغنياء العالم.

رحلتي على الشرق الأقصى
رغم ما هز مشاعري من مفاجآت عجيبة ونوادر خارقة تشغل حيزا ضخما من قياس الفكر قد شاهدتها عندما حالفني الحظ بسعادة أيام منتخبة جلتُ من خلالها بلاد الشرق الأقصى الذي اقترن اسمه بالعالم الثاني العجيب. نظرا لبلاغة فنونه الرائعة وميزاته الفريدة وقيم حضارته اللامعة التي كانت تجري أمام أنظاري مجرى السحر بتغلغل  روانق الإبداع والمغلفة بستائر العظمة وهيبة لوائح الكبرياء الشامخة. إلا إني رغم كل ذلك كنت مشدوها ومشبوبا لزيارة الجزيرة الحسناء والجنائن الغنّاء "سنغافورة" والذي شوقني غليها وأوقد حماس رغبتي هو مرشدنا المرافق الضليع بالشرق الأقصى.فكان في مبالغته يصورها لما جنة الدنيا ولا من يضاهيها من بلاد العالم وكانت تلك العبارة يرددها في كل قطر نزوره خاصة عندما يقفز أمامنا مشهدا مثيرا رغم بلاغته . فبقيت هذه الكلمات ترن في أذني وتشدني لزيارتها. ولا أخفي عن نفسي أنه هين زرتها قد لمعت في ناظري واشتد رنين إحساسي بنغم المرئيات الرائعة والجمال الساحر فقد اعتقلت عقلي وخدّرته بكياستها ومخمورا بنظافتها ومندهشا بطوق دوائر الإعجاب وسيتفاجأ القارئ عندما تلامس تأملاته السطور فتبوح في سر هذه الجزيرة ويتضح له المعنى عندما يضيء كشافا باهرا على بلاغة الجزيرة وعظمة شعبها الرائع.  
 
السفر إلى سنغافورة
من مطار مدينة بانكوك في تايلاند  انطلقت بنا النفاثة تشق الفضاء باتجاه سنغافورة. ومررنا فوق أجواء خليج سيام ونحن نصعد بالفضاء تأملت مضيفة الطائرة وهي تمسك قطعة قماش أحمر وعبر مكبر الصوت تعطي تعليمات وتقول إننا سنمر فوق البحر وهذه القطعة جهاز النجاة فإذا سقطت الطائرة إلى الماء فأسرع وضع هذا على صدرك وشد رباطه جيدا ثم انفخ الأنبوبة فتصبح من الهواء بالونا وهذا يساعدك بأن تبقى عائما على وجه الماء حتى تجيء إحدى السفن أو طائرة لإنقاذك .
لكني لم أعير إلى ذلك اهتماما ولا خوفا فقد أصبح لي ذلك شيئا روتينيا لسبب تعوّدي على الأسفار وبعد أن غرقت قليلا في بحر تفكيري حرّكتني يقظة إيماني وشدتني بحبائل العقيدة مطمئنا ومؤمنا بأن العمر الذي سأعيشه فلا أملك ان أزيد عليه دقيقة او أنقص منه نبضة قلب. فأطلقت العنان لأنظاري تخترق شفاف زجاج النافذة، وطلّيت منها فجذب أنظاري مشهد منيفا فرأيت فوق البحر عرائم من الغيوم المتلبدة منتشرة بكثافة ناصعة تشبه الهضاب والتلال وكأنها مندوفة كالقطن البيض المنفوش، والغريب هنا أننا نمر بمنطقة فوق خط الاستواء وخط الاستواء هذا عبارة عن حزام عريض من النار المشتعلة لكنه غير مرئي ، وتلفه الأرض حزاما بحرارة شديدة. وعندما وصلنا هذا المكان ألقت الحزام في وجوهنا. وهات يا حم وخوذ يا حرارة حتى كدنا أن نتلاشى لولا أن أسعفتنا مضيفات الطائرة بالمحارم الخاصة المبتلة بمواد خاصة نفرز الرطوبة المنعشة فكانت هي الوسيلة التي أنقذت تلاشينا. لكن بقيت أنظاري مشدودة للمنظر الغريب الذي تجلى بتقاطر السحب تصعد عموديا في الأجواء بكثافة بعد أن كانت مفروشة بساطا ابيض على وجه الماء. فكانت عندما تبخرت تظهر صورا وتشكيلات في غاية الروعة والإعجاب لم أكحل عيناي بمثل هذا المشهد الغريب الذي بدهشته يثير كوامن النفوس وبالإعجاب والخيال يعجز عن تصنيف أوصافه والذي لا يراها غير السائح وأصحاب البلاد.

لمحة عن الجزيرة
مدينة سنغافورة معناها بلد السبع وفي سنة 1842 كانت ملكا لأحد الأثرياء ، السلطان جوهر. وكانت تابعة لحكومة ماليزيا، وقد ابتاعها منه ضابط انجليزي يدعى المستر رافلس بقيمة خمسة آلاف جنيه إسترليني، وذلك لحساب الإمبراطورية البريطانية، وذلك الجزيرة ميناء حرا والقصد أن يضربوا منه البحارة والتجار الهولنديين الذين كانوا متفوقين بحريا ومن حينه بقي ولا يزال ميناء حرا أمام الملاحة العالمية. وهو أهم ميناء ومركز استراتيجي بين المشرق والمغرب. وفي حرب العالمية الثانية احتلت اليابان الجزيرة من الانجليز سنة 1942 ثم احتلتها الصين سنة 1955 وفي سنة 1959 انسحبت الصين وأعادت إلى ماليزيا استقلالها غير أنها لم تعيد لها جزيرة سنغافورة فأعطتها أي الجزيرة استقلالا منفردا يرأسه رئيس من أصل صيني ورضيت ماليزيا مرغمة، خشية من الأخطبوط الصيني وهيمنته.
والجزيرة ليست صغيرة فتابع لعا 41 جزيرة مساحتها 49 ألف كم مربع وعدد سكانها مليونين ونصف المليون نسمة 75% صينيون و19% ماليزيون و6% من الهنود والملايو وبريطانيون وغيرهم...

بلاد فوق العادة والمألوف
عندما هبطت الطائرة بمطار سنغافورة كانت معلوماتي عنها تحددها الدهشة التي عانقتني بالسعادة ، فكنت أتصورها جنة العالم كله، وأثبت هذا التصور فعله وكان أول الغيث قطرة فيما تفاجأ بالمطار النموذجي الجديد الذي عمره ثلاث سنوات وأكدت ما قاله المرشد أنه ليس مبالغا حين قال إنه أجمل وأروع مطار في شرق آسيا وثاني مطار في العالم من حيث الاتساع والتصميم والتنظيم والأناقة والنظافة البالغة والإتقان والترتيب وديكوراته الداخلية بالنفورات الجميلة وبرك سليمان الملونة وأحواض الورود ونظافته التي تضيء كالنور على البلور، فظاهره مطار لكن داخله متحفا وجنائن دهشة الناظر ويهز المشاعر وقد لاحظت هنا ظاهرة غريبة بعكس أي بلد آخر. ألا وهي تهريب النقد بالعملات الصعبة فكثيرا ما ترى من يحمل معه بنك متجول وهو في نظرك رجل بسيط لكنه يبدل لك جميع أنواع العملات. وقد ترى الروبل الروسي بجانب الدولار الأمريكي والجنيه الأسترالي بجانب الين الياباني والربي الهندي وجميعها على طاولة مكشوفة واحدة ولكن تستغرب أن البوليس هنا يطنش ولا يعنيه الأمر أبدا. فيرى الناس يتداولون بالتهريب لكنه لا يفتح فمه بكلمة واحدة. فالعباب منفوخة بالعملات والجيوب ملآنة ولا حارس ولا نطور. ولكن هذا دليل أن الدولة غنية ودانقة بفائض العملات الصعبة ووافر الإنتاج وزائد احتياط البلاد من المال. وأبرز الموارد والمدخولات في سنغافورة هو وفرة المصانع المتنوعة والحديثة ففيها 120 مصنعا إلكتروني وتكنولوجي حديث ويعمل بها 120 ألف عامل ففي المصانع الباقية مثل النسيج وصناعة السفن ومصانع تكرير البترول الخام وهي التي ابتاعت مصنع النفط في أبو رديس إلى مصر. بالإضافة إلى ميناء الطيران والموانئ البحرية التي هي أهم موانئ شرقي آسيا بمراكزها الإستراتيجية الذي تبحر منها مئات السفن ومئات ترسو يوميا يغص منها الموانئ مثلما تغص من دخلها خزائن الدولة بالدولارات الخضراء. ولمركز سنغافورة السياحي فهي مقصودة من أنحاء العالم فيبلغ دخلها السنوي 2 مليار دولار سنويا ويزورها ثلاثة ملايين سائح في السنة لجزيرة عدد سكانها 2 مليون ونصف نسمة ولكن إذا كانت غنية ماديا فهي فقيرة جدا بالمياه الصالحة للشرب رغم ما تملك ثروة مائية غزيرة لكنها لا تصلح للشرب بتاتا. وذلك لزيادة الإفرازات الضارة بكمية كبيرة في مياهها، فهي تستمد نفقا ضخما من مياه الشرب من ماليزيا البلد الم بما يكفي جميع حاجات البلاد.    

سعادة الشعوب في عقول رؤسائها وحكمة قادتها:
يبدو لي أن عقل الإنسان السنغافوري هو أكبر من المعتاد. فتطبيق الأفكار الذي خلقها ذهنه بإرشاد ونبوغ رؤسائه وحكمة قادته الأفذاذ كانت الشعلة وهي وليدة نشاط هذا الشعب في سر نجاحه وبوثبته التقدمية والتي جسّدت بعزائمه القوى والنشاط والتفاني بثقة صادقة بعمله المخلص الدءوب لاستعلاء بلاده بالمكانة الأسمى حتى اصبح بمتناول يديه أقوى سلاح - العلم والمال والأخلاق-. الذي هو عصمة كل سلاح. فقد اثبت صنع المعجزات بما لم يتوقعه الفكر الأوروبي المتحضر ولا دماغ الأمريكي المتقدم فقد استطاعوا أن يدفنوا الفقر إلى أبد الآبدين. ومن غريب ذلك ان كانت سنغافورة قبل ما يقرب من ثلاثين عاما دولة نامية او متخلفة بصريح العبارة. والذي يهجن إليه أيضا هو سر هذا الشعب العظيم ونبوغ قادته الحكيمة. إن في هذه الفترة القصيرة من عمر الشعب استطاعت أن تسبق بها دولا متقدمة بمئات السنين وهم شعب من خليط المهاجرين التي تجمعهم صفات العالم الثالث. فقد رأيت جزرا كثيرة مثل ميامي وفينيتسا لكن سنغافورة لؤلؤة الشرق الأقصى وتبقى أجمل ما رأيت مثل مونتيكارلو وأجمل من نيس والرفيرا الإيطالية والفرنسية معا ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وإذا طُرح سؤال هل تحب ان تعيش وتسكن في سنغافورة فأنا الذي أجيب  على السؤال فورا وبلا تردد :  أتمنى ويا ليت وليس وحدي الذي تمنى هذا. فكل سائح يزور سنغافورة يشغف ويطمح أن يزحف على هذه الجزيرة .ويتسلل غليها ويجعل أبديته في أرضها لكن الزحف إليها أصعب من الصعود إلى المريخ فأين الثريا من يد المتناول فالحكومة لا تمنح الجنسية للغرباء ولا تريد أحدا لولا السياحة وسوف لا أتغاضى عن إلقاء بعض الضوء على ما ينطوي في سجل هذه البلاد اللامعة وغريب الأمور فيها من قوانين ونظافة وعظمة رئيسها ونبله في حمل الأمانة في رسالته... دعا الرئيس الشاب زعيم حزب العمال السنغافوري دعا الشباب لمساعدة الدولة في تطوير المدينة بتنظيف الأرض وقطع الأشجار تمهيدا لإنشاء حدائق عامة وأخرى ملاعب للشباب. وفي اليوم التالي تطوع للعمل وحضر أكثر من عشرين ألف شاب وشابة يتقدمهم رئيس الوزراء يلبس القميص والنبطلون ويحمل المعول على كتفه ومعه عدد من الوزراء وعملوا ساعات طويلة. وعندما جاءت زوجته المحامية لتقدم له الطعام فرفض أن يأكل وحده إلا وهو جالس على الأرض مع أفراد رعيته عن المتطوعين. ولكثرة المتطوعين طلب منهم أن يعمل قسم في الليل وقسم من النهار وقد فوجئ الناس عندما عاد الرئيس بعد الظهر يستأنف عمله مع قسم الليل وأعلن أنه لم يمض أكثر من شهر واحد إلا ستكون هذه الأرض قد تحوّلت على قطعة من الجنة. لكنهم منعوه أن يشتغل بصورة أدبية ليزاول أعماله في صباح الغد وعندما انتهى العمل واكتمل وأصبحت الجزيرة نظيفة جميلة . وقف الرئيس المحبوب يخاطب شعبه بكلمته المأثورة التي تناقلتها صحف الأنباء المحلية والعالمية.، تشيد بهمم المتطوعين ونبالة رئيسهم المتواضع الذي عمّق بشعبه المعنوية ونشر بهم المحبة وروابط الثقة. قال فيها :ط إن هذه الأرض فهي لكم ولأن المستقبل لكم فأما نحن ذاهبون، إننا السفينة التي نقلتكم من شاطئ الماضي المتأخر إى شاطئ أفضل متحضر. فالأرض لكم ولأحفادكم فلا تنتظروا مني أجرا ولا شكرا، بل نحن الذين ننتظر هذا منكم. لأننا قد أودعنا باسمكم ثروة في بنوك الغد، وهذه الرؤساء الذي يعملها النبيل تفرض على شعبها روح التضحية وتقف احتراما وإجلالا وانحناء وإكبارا بمواقف جليلة ووضعية مشرّفة، تتخطى بعواملها حواجز الفكر وللاغة النبل والتضحية في إخلاص حمل الأمانة.
من طريف وتهذيب القوانين النادرة في سنغافورة، النموذج الأول في أروع الأمثلة بقوانين السير. أساليب التنظيم فرغم الازدحام وكثافة السكان إلا أن نسبة حوادث الطرق بسنغافورة هي اقل نسبة في العالم فهناك قد صدر قانونا طريفا ومن أبرز الأنظمة يلزم بموجبه على كل صاحب سيارة أجرة أن يضع على ظهر سيارته فانوسا يهفهف بالأحمر ، على غرار سيارة الإسعاف مثلا وأن يكون الفانوس والزمور مرتبطان مباشرة مع ساعة الكليو مدراج. وبما أن القانون لا يسمح بسرعة أكثر من 40 كم في الساعة داخل المدينة فيعني إذا عبر السائق بسرعة أكثر من تلك فينطلق الزامور يصعق عاليا والفانوس يهفهف بالأحمر بسرعة خاطفة وكأنه ينبّه البوليس لمخالفة السائق. والمخالفة هنا باهظة والثمن غاليا والدفع فورا وسجن وسحب رخصة، لذلك قلما تجد شرطيا بجوار شارة المرور بحيث قد أصبح احترام القانون ليس خشية من الشرطة بقدر ما قد أصبح دينا سلوكيا ونظاما يسري في العروق      والضمير. فأصبحت الحوادث بسنغافورة شبه معدومة - وهناك قانونا طريق آخر فإذا كنت مسافرا لوحدك في سيارتك ذاهب للمدينة فهناك ينتظرك حاجز شرطة على الطريق فإن كنت لوحدك فستدفع دولارين وإن كنت تنقل معك ولو نفرا واحدا فما فوق فأنت معفي من الدفع. والغرض هو أن كل سيارة مارة أن تنقل معها أناس من الذين ينتظرون على الشوارع والطرق وذلك لفك أزمة الانتظار على الشوارع... الحكومة تنظر بخطورة إلى السياح الذين يدخلون البلاد ولهم شعور طويلة وبعين عمد الرضا فيطلب منهم عند الدخول حلاقة الشعر عادي أن يرجع على أعقابه وفي حالات يحظر عليهم الدخول للشوارع العامة فهناك غرامة وعقوبة والبوليس يعترض على ذلك لأنته إخلالا بالمرور وقواعد المشي على الطرق والشوارع لكن البوليس لا يتدخل بين الشباب والشابات في أماكن أخرى... هناك قانون لتحديد النسل فكل أسرة يسمح لها بإنجاب مولودين فقط وإذا أنجبت أكثر فهذا لا يعني ممنوعا بتاتا إلا أن الحكومة غير ملزمة بالحقوق والمساعدات كالذي ينعم به المولود الشرعي. لذا تصبح التكاليف الباهظة على حساب الأسرة فقط وهذا القانون جاء حرصا على رفاهية المواطنين ومساعدتهم أولا ومن جهة أخرى لضيق مساحة الجزيرة مستقبلا.. تتوفر في سنغافورة المدارس الحكومية فهي كثيرة وإجبارية لتعليم المواطنين ومجانية حتى التعليم الفني والجامعي والمعاهد العليا. ولا يلتحق بالمعاهد العليا إلا المتفوقين فقط وبعد الخدمة العسكرية كما أن لا يحق للتلاميذ السنغافوريين الالتحاق بالمدارس الخاصة التابعة للأجانب داخل البلاد واتبعت القيادة هذا الخط ذلك حرصا من الحكومة في عدم التفرقة . والتجانس مع الغرباء أما من يريد تعليم أبنائه خارج البلاد فهو مالك الحرية ونسبة الأمية في سنغافورة فهي صفر في المائة. ومن عوامل التشجيع لدعم العمل تحتفل الدولة كل سنة بالمتفوقين بدعوتهم ومعهم سفراء الدول في البلاد على مائدته كل عام وهو تقليد لرفع مستوى الطلبة والجد والاجتهاد لأجل نفوق التعليم.

سنغافورة شعار النظافة والنظام:
حافظوا على سنغافورة نظيفة خضراء هذه العبارة التي كانت تقفز أمام ناظري على اليافطات الكبيرة التي كنت أراها في جميع أحياء المدينة وكل حديقة وكل شارع وكل مؤسسة وفي الليل نراها في المساء على شاشة التلفزيون وهي الدعاية التي تراها بين الفينة والأخرى, وبفترة مكوثي وتجوالي في شوارع سنغافورة كنت أتخيل نفسي إني أسير على شوارع من المرايا وبين غابات أزهار تجذبني بخيوط الافتنان وتأملاتي تسبح فوق أمواج الزهور الجميلة ومحاسن تشكيلاتها كأنها رسومات ولوحات فنان مبدع على سجاد الأرض وأديم الطبيعة والذي دوخ دماغي تعاظم ما التمسته من عنان النظافة إلى ابلغ الحدود والغايات. ولا أبالغ إذا قلت إن من الممكن أن ترى الشمس تطلع من الغرب والنهر يصب في منبعه لكنك لا يمكن ان ترى بشوارع سنغافورة ثقاب كبريت أو علب سيجارة أو قطعة ورق . وتتمنى أن يكون في بلدك عشرة في المائة من هذه النظافة. وقد لمع في فكري عندما كان المرشد يحذرنا في المطار أن كل من يرمي ثقاب كبريت او عقب سيجارة فيدفع مائة دولار  والدفع فورا. وفيما تأثرت في كل شيء في هذه البلاد سالت المرشد السنغافوري عن طريق الترجمة وأنا مظهر إعجابي بما وصل إليه هذا الشعب من علم وفن وخبرة وسلوك ونظافة وإتقان بجهود جبارة وهو أصلا من العالم الثالث. فقال الانطلاق بدا بالتركيز بحملات الوعظ والتوعية  من قِبل الحكومة في البيوت على توعية الجيل الناشئ وعن طريق الإعلام بصورة مكلفة والتفتيش يجري على طلاب المدارس في الطابور يوميا على شعورهم وأظافرهم وأن تكون بدلاتهم البيضاء مكوية حتى اصبح النظام سلوكا وغريزة في الطبع أكثر مما هو قانونا يخشاه الطلاب. ومجمل القول أن الشعب السنغافوري متقدم جدا. وزيد عليها كثير من كلمة م.ا فجميع الطبقات حالتها المادية والاجتماعية ممتازة وبلاد غتية وحرة ونظيفة والنفس في مرح وسعادة والشباب يلعبون في النوادي وكلهم يعملون ويكسبون ولهم ألف مضمون فهل يشكون هؤلاء يا ترى  لا اعرف سوى مشكلة واحدة فقط هي أن قلوبهم طافحة بالسعادة أكثر من اللزوم ومشكلتهم أنهم لا يعرفون أين يضعون الزيادة وعندما ودعت هذه البلاد وأنا محلقا بالطائرة في أجوائها قلت : وداعا يا بلاد العلم والكمبيوتر . وداعا يا فبركة الأخلاق والآداب والرئيس المتواضع. وداعا يا جنة الأرض ولؤلؤة الشرق الأقصى وجوهرة الدنيا اليتيمة. التي شعّت في ناظري وعقلي وقلبي ووجداني.