قصة خاتمة خير
بقلم نمر نمر
تيتمنا من أبينا صغارا، نقلتنا أمنا على ظهر الدابة، أما وشقيقتي، كل واحد منا جلس القرفصاء في شقة خُرج ، طافت بنا البلدان من قرية إلى أخرى ومن مضرب إلى آخر، قاسينا الجوع والعطش ، ازرقّت عظامنا جرّاء شدة البرد، بقايا أسمال وأطمار حمتنا من العري الأكيد، عن الحرمان، البؤس، الشقاء والتشرّد، فهذا من المسلّمات والبديهيات المتعارف عليها.
كان ذلك إبّان الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش ، طيّب الله ثراه، وقعت قريتنا فريسة لهجوم ارعن، من قِبل قوات الاحتلال الفرنسي الغاشم.
هذا ما رواه ذلك النازح البائس بعد أن حط عصا الترحال في بلدة صغيرة وادعة، دأب أهلها أن يأكلوا قوتهم بعرق جبينهم، حلالا زلالا، قولا وفعلا، ليس مجرد كلام . أرضهم الصخرية ما كانت لتبعث في نفوسهم الملل واليأس، بل رادتهم عزيمة وإصرار، البرد القارص أكسبهم مناعة خاصة، كتلك التي يكتسبها الشعير مهما شح وندر، بقية القرية تقبع بشمم وإباء متربعة فوق قمة من قمم جبال الجليل المارد، الذي يتحدى ويتصدى مل معتد وظالم.
كنت مرابعا قطروزا، أجيرا عبدا مأمورا أقوم بأصغر الأعمال وأتلقى أبخس الأسعار، كل ذلك في سبيل لقمة عيش كريمة. دون من أو حسنة! روح يا فلان! تعال يا فلان ! هات يا ولد! تجنبوا مناداتي باسمي، لم أخجل بذلك بل تقبّلته برحابة صدر، لسان حالي يقول: شو بيجبرك ع المر؟ إلا الأمر منه!
قوم ضحي الفدان، هاي الساعة صارت ثلاثة وجه النهار!
لا تنسى تجيب معك نقلة مي من العين وإنتي راجع ! فاهم!!
أربط ه الحراث كبيرة ، قبل ما ينعرف الكلب من الذيب! ورانا شغل وهم كبير، الموسم ع الأبواب ! وإذا بيعجبك درب تصد ما ترد!!
انكش، أحرث، أحصد، غمّر، أرجد، أدرس، قلّب، شوّل، ذري عدي ، برّة جوّه أصبح تسرح، يوم عربي طابش، قبل طلوعها لبعد غروبها والحبل عَ الجرار!!
عن الماهية حدّث ولا حرج، خمسة قروش فلسطينية من الحول للحول، ذلك القرش الذي كله بركة ثقبه لا يزال ماثلا أمام ناظري كلما تذكرناه اليوم تنحسر عليه ألف حسرة وحسرة، لا أذكر إنني رأيت الدجاج في طرقات البلدة فأنا سري مري بين الحقول والمراعي، على الدروب وفي رؤوس الجبال.
التقيت هنا بأختي الكبيرتين اللتين عاصرتا العهد اتركي البائد، التقطتا البلوطوحب الشعير من روث البهائم، بلاد عظمة، الفلاح اللي أخو أخته بيطلّع مونته على مدار السنة.
تعلمت الصنعة ،الكار، وإن شئتم النعال المهترئة، يداعبها ويغازلها ، يمشوها ويلمعها لقاء تعريفة أو يعضها، تسد الرمق في هذه الظروف العصيبة، تردد أمي على مسامعي فلسفتها في الحياة قوم يا عبدي ت اقوم معك! نام يا عبدي ت أنام معك!!
أجمع الجميع على مناداتي بالخال، ليس تيمنا وبركة، بل لأن نسل أخواتي ازداد وتكاثر، الأولاد الأحفاد وأولادهم، أقاربهم ومن يلوذ بهم، كل منهم وجد له سببا كي يناديني بالخال، لقد سعدت بهذا اللقب وجعلني هذا محط أنظار الجميع من قريب وبعيد!
لقد امتاز أهالي بلدتنا بمحبة الغريب والعطف عليه وجبر خاطره في المناسبات المختلفة، شعرت حقا بأنني واحد منهم شريك في السراء والضراء.
وين يا مسهّل!
لعند الخال؟ أين الملتقى في السهرة؟    
عمد الخال!
وين كاين بالسلامة؟
عند الخال
من أين تستثمر بضاعتك؟
من عند الخال!
من يسلفك على الحساب:
ما في غير الخال!
خالي! يسلم عليك أبوي وبدنا حاجتين للبيت
تكرم وكل الدكانة على حسابك!
خالي بتسلم عليك ستي، وبدها غرضين ثلاثة!
ما بينعز شي عنكو
خالي! نيرنا انكسر، الثور مات وفهمك كفاية!
ما يكون لكو فكر ، ما في مقسوم بيننا غير اللي حرمو الله!!
خالي! أمي خلفت ، عقبال عندكو، بدنا تحويجة إلها، نعمل مغلي ! هيك طلبت الداي
هاي نقوط مني!
الساعة الرابعة صباحا، جنود الظلام ما زالوا مسيطرين، خبط قوي على الباب، كفى الله الشر، شو السيرة، يا صباح يا فتّاح!
افتح يا خالي! هذا أنا، أبوي بدو يروح ع الحراث، الشرعة مقطوعة والرياح عتيق ، بلكي بتفضل تعطينا مترين مرس!
تحصيل الدار، داير في البلد، بدو ضريبة تضرب رؤوسهن كلهن، هن واللي بعثهم، وإن ما دفعنا بدهن يحجزوا الفدان، إلنا وإلهم الله.
جارنا بدو يبيع داره العتيقة، خايفين يجيب لنا جار ما نتفق معه ومعلومك ، المثل بيقول اسأل عن الجار قبل الدار!
العيد ع الأبواب العين بصيرة واليد قصيرة بدنا نعيّد مثل أهل بلدنا وفهمك يا خال كفاية!
كلمة لا ما كانت لتتردد على لسانه، استقبل الجميع هاشا باشا لا أحد يشعر مع الفقير كالفقير الذي ذاق المر وتحمّل الهوان، طريقته في الحياة : الدنيا قرضة ووفاء، يمكن هؤلاء الناس مفضلين عليه في أدوار سابقة. الدهر دولاب يوم إلك ويوم عليك .
تساءل الكثيرون ما هذا ألديه دكان شعبي، هل درس نظام التعاونيات والتسليف على الحساب ، أم أنه خريج كلية الاقتصاد! نعم أنه خريج كلية اقتصاد مدرسة الحياة. فقد تتلمذ وترعرع دارسا ومطبّقا لهذه النظريات وتلك ، اثناء الممارسة والخبرة طيلة نيف ونصف قرن.
أقسم الجميع أنه لم يردّ احدا خائبا حتى في أحلك الساعات وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة، لا أحد يكبح جماح غلاء الأسعار وتدهور قيمة الليرة، وما يتبعها من تضخم مالي صبيحة كل أسبوع وأسبوع سواء، بقي التسليف والاستدانة عنده على النمط القديم، من البيدر للبيدر، من الصليب للصليب! الدنيا عسر ويسر، وإذا تعسر على أحدهم سذ دينه هذا الموسم، فلا باس من سداده في الموسم القادم، كأني يع يردد الحديث النبوي الشريف من نفّس على مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عليه من كرب الآخرة.
قد يكون بسيطا او ساذجا، سمّه ما شئت، لم يغتر بالمظاهر وقد اتهمه البعض بأنه كان مقترا على نفسه، ربما يكون في ذلك بعض الصحة، إلا أن أحدا لم يجرؤ على اتهامه بالتقتير او البخل على الغير ظن البعض أنهم يدبرون له المقالب أو يحتالون عليه باستغلالهم لبساطته وطيبة قلبه التي لن تعرف الحدود، كان يردد على مسامع هؤلاء / ما بيروح شيء مش مقطوع النصيب منه أركض ركض الوحوش غير رزقك ما بتحوش!
لقد نسي نفسه في زحمة الحياة وبقي عائشا متعاضدا مع الآخرين، أبناء الطبقة التي لا تلوي على شيء، عاش بينهم سهر معهم، فاسمهم آمالهم وآلامهم، كثيرا ما كانوا يرددون على مسامعه بكل جد: الله يرحمك يا خال حي ميت!! يا ذلنا من بعدك بعد عمر طويل! كان يردد دائما : الله يبارك بأهل بلاد فلسطين، بلاد صفد قلة وبسط طيبة قلب وكرامة، إنسانية واستقامة، مهما طالت الدينة ما عمر حدا أكل علي قرش واحد.
كان يصارع الموت إثر مرض عضال ، يحتضر، يقاسي ويتألم ، وأضغاث أحلام ترواده بين بعض الوعي وشيه الغيبوبة، على مسامع من تحلقوا حول سريره لا تقفلوا المغلف، خليه مفتوح الرايح والجاي ، أصعب ما عندي أن يطلب مني صاحب حاجة حاجته، وأردّه خاويا ، يجب توفير كافة متطلبات الزبائن ، بأرخص الأثمان، حتى لو كانت الشعيرة تقابل التكلفة، ومع الفقراء لا مانع من عدم الوصول إلى رأس المال
كانت الولادة عسيرة، تحاول الروح أن تنطلق بعيدا ، إلا أنها تشعر وكأن عليها بعض الدين والواجبات الإنسانية التي يجب أن تسدها قبل الرحيل والانتقال ألى الرفيق الأعلى. شهيق وزفير سير حشرجة ثم قحة وعطشة، مد وجزر، صعود وهبوط بين حلم وعلم، بين حقيقة وخيال، المشوار ما زال طويلا، والآمال ما زالت عريضة، والعدالة الاجتماعية لم يتحقق بعد، الفوارق الطبقية تزدد عمقا يوما بعد يوم، والمهمة المنوطة به لم يصل بها إلى خاتمة المطاف.
خاطب الزوجة الساهرة ليل نهار، وهي تقاسي معه، تشاركه الأوجاع والآلام في كل لحظة ولحظة دون كلل او ملل.
ديري بالك ! الله أنعم علينا، أعطانا على قدر نياتنا، لم يبخل علينا بشيء، إياك أن تبخلي على أحد بشيء، إياك ان تبخلي على أخد  بشيء، مهمتنا الإنسانية يجب أن نتابعها، حسنة لوجه الله.
حين التأم الجمع حوله، من نساء القرية والقرى المجاورة تعالت الكلمات وتسابقت الشهادات.
لما توفي زوجي ، سامحنا بكل حساب الدكان.
لما انكسر زلمتي، شطب الحساب.
لما انتُهبنا فتح صدره على شاننا
لما احترق بيتنا فتح بيته لأجلنا
ما أجمل أن تكون خاتمة الإنسان خاتمة خير
رب مأتم على الأرض ، يكون عرسا في السماء.
شيوخ البلدة أجمعوا معا: بيستاهل الرحمة يا مشايخ!!!