قصة تعيس .. ولكن!
بقلم آمال ناطور
رأوه يسير ويسير يحمل في يده صرة بالية وعلى عينيه نظارات سوداء . على يده تبدو وشمات وحروف قديمة غطى عليها الزمن وبقيت أماكنها فراغا وآثار منسية . كنت ترى على وجنتيه مسحة كآبة سوداء تغشّي وجهه الوضاح فتعرف حالا أنه كان يحمل بين طياته قصة حياته الحزينة.
تسال عنه فيجيوبك بآهة باهتة.   ويكملون سيرهم .
كلن يسير بلا هدى أو قصد لم يكن يعرف أين ستقوده قدماه ولأين سيصل لذلك تستمر بجانبه ضحكات الأطفال الرنانة ليعاوده الحزن وتأخذه الذكريات لطفولته التعسة.
الجميع حوله مرحون فرحون إلا هو الوحيد الحزين الكئيب - يرد بتحيّة المارّين بمسحة ساخرة تغشيها مرارة بالدية.
رأيته مرة واحدة - كان يومها مارّ بجانب بيتنا -
أطفال الحارة يرجمونه بالحجارة ويصرخون بقهقهة " أنظروا أن تعيس القرية راحل " أحشاد كثيرة تجمّهرت حوله وراحوا يوجّهون سهامهم القاضية لصدره - ألا أنه صمت -
كان صمته ثقيل حادّ - ما كان إلا ليزيد حنقا وغضبا - رفسوه وطرحوه أرضا.
بين كل هذه الضجة رأيت جدي المسن يخترق الصفوف ويبده عكازه الخشبية القديمة - يفرق بها الأحشاد - وجنتاه محمرتان من الغضب والحنق - يصرخ بهم ويضرب أحدهم بعصاه . صاح واحدهم - أيها المسن الوضيع ماذا تريد منا ؟ ألا يكفيك عجزك ؟ استقضي على حياتك من اجل حقير بال - قم ! لماذا تقحم نفسك على حماية خائن فقير لا يعرف أين فقره - تكلم - دعنا نقتله ونستريح من وجهه البغيض التعس - سيرحل عن الوطن ها ها ها !...
اخرس يا هذا وانطلق من هنا - فتفرّق الحضور وسمة النصر غشت وجوههم وضحكات تعالت من كل اواب - مسبات وشتائم شتى كانت تُسمع - تليها قهقهات بغيضة.
لم يبق في الميدان إلا جدي والمسكين. كانت رجلا جدي قد تسمّرتا وسقط أرضا لأنه بذل مجهودا كبيرا لك يكن في طاقته.
هرعتُ إليه أحاول إسناده لكنه أمرني بمساعدة المسكين بجانبي - التفتُ إليه لم لكن أحدا لم يكن - لم يبق له اية أثر سوى بركة دماء صغيرة ومحرمة دنسة تبللت بالدماء وهناك في ركن من الحائط ورقة سبه بالية - فضضتها ورحت أقرأ بمسمع من جدي - كانت الرسالة له من ذلك الشقي.
وداعا يا جدي - كم قلت لم لا ترهق نفسك لأجلي. أنا تعيس، منذ وُلدت شربت كاس المرارة - وكُتب علي القدر أن أتجرعه يوميا - لذلك سأرحل - سأهرب - سأترك وطنا يعز عليّ فراقه لحظة - سأترك مكانا مقدسا وطئت به قدماي فتدنّس.
ساترك وطني كتابا يفضح عما في صفحاته - التي كتبت عليها مأساتي -
الناس لا تهمّني - المجتمع لا يهمني فللجحيم - ولكن مقرّي ، أنه قُطع مني - انه قلبي الضعيف الذي يكاد لا ينبض - قليلا قليلا سينطفئ سراج حياتي ، سيقف فلب عن النبض - ولكن حاولوا تداركه فإن قلبي هو الموطن الصغير الضعيف المناضل -
جدي - سأرحل عنكم وأنا أكاد انقطع أشلاّء - حاولت وحاولت جاهدا ان أبقى لكن محاولاتي باءت بالفشل - حياتي كانت عبارة عن مأساة أنت تعرفها - وهي بالأصح مأساة كل الوطن -
حاولوا يا جدي ان تبقوا الشمعة مضاءة تبعث  فيكم النور والأمل - إياكم وأن تطفأ فبهذا تفقدون طعم حياتكم
وداعا التعيس