مجتمعنا تحت منظار الحقيقة
بقلم رشراش حديد
عمالقة تاريخ من جهة أولى ومتمسكات اجتماعية أساسية من جهة أخرى، من خليقة احتكاك فكري، تارة يكون على محض الجوهر الثقافي وتارة يكون إثر نقص أو حاجة اجتماعية محضة.
شاعر قدير فرنسي الأصل كُتبت على هيكل مدفنه في إحدى أزقة باريس العبارة الآتية :"ألم كبير يولد رجل عظيم" تلك الكلمات جعلتني أذكر كلمات أديب المهجر المشهور جبران خليل جبران إذ قال المرء إن لم تحمل به الكآبة ويتمخض به اليأس، وتضعه المحبة في مهد الأحلام... تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان.
فمن اندلاع نفس ذلك الشاعر الفرنسي القديم يمكن ان نتعرف على فيضانه الفكري الشاعري، والذي عُرف بإنتاج أدبي كبير والذي تحوّل إلى رمز فترة دهرية والتي دفعت بالشعب الفرنسي إلى الثورة الفكرية الأدبية.
وفي كلمات جبران تنطوي الحقيقة المجردة، إن اليأس والكآبة، الحاجة والحرمان هن من دوافع الانطلاق لخلق عالم أفضل أو مجتمع أرفه . ومن هنا على ما أنوي قوله، إنه من دوافع الحاجة الاجتماعية إلى الحرص على الذات، أجذر الاحتكاك الفكري جذوره الأولى لإثبات الدافع الاجتماعي، لخلق جو أفضل ومحيط أيسر وأبصر، وكلما كبر الألم الفكري هكذا يكبر الاحتكاك الفكري الذي يوعز إلى سرعان النمو لاكتمال متمسكات فكرية اجتماعية. هذه المتمسكات تحول إلى قوى سحرية تحمل في طيها حلولا لمصائب اجتماعية ملحّة.
وللأسف فإن صرخات ضميرية أدبية تبقى في حالات كثيرة دون جدوى أو مجيب، ولكن ما كان بذلك سببا لاندثارها فكريا من عالمنا، الذي يحمل على أعمدة اجتماعية غير ثابتة، يجول إلى تحويل مواقف اجتماعية ومتمسكات فكرية أساسية بين الحين والآخر، والتي في حالات عدة تصبح تقليدا للمنبوذ في كامل صخره. فأفكار البارحة وقواعده الخلقية البريئة كأكل الطعام من عرق الجبين، عدت اليوم أكل الملذات من أرباح الأسواق النقدية، أو من مال الحرام. البارحة ، حيث كان التزيّن بأفكار أيدلوجية  عريقة بدا تظاهر وتأنق بسيارات حديثة وفخمة أو بديار مزركشة مبنية من حجر مزخرف أمام تلك التغيرات الاجتماعية يقف المجتمع الدرزي الإسرائيلي وعلامات العلل على وجهه اصفرار يوحي إلى التفكير والخوف أو ربما ذاك اصفرار كالذي يدل على الحمل المؤدي إلى خلق عاهة فكرية أليمة.
أحيانا، أجول الفكر سابحا باحثا على إجابات تهدئ روعتي وخوفي كالكثير من أبناء هذه الطائفة الذين طافوا يبحثون عن عالم أفضل، وذلك خوفا من الكآبة التي أصبحت مرصاد كل طريق في هذا المجتمع المخيف. والسؤال هنا، إن كانت هذه الكآبة حلة محققة وأكيدة نوحي إلى أوجاع في أكبادنا وأفكارنا، فلم لا يولد بيننا الدافعون الاجتماعيون إلى البناء التربوي الرفيع؟ اندفاعا من الأيدلوجية الضميرية؟ لماذا لا تتفتح من بذور الألم متمسكات اجتماعية بناءة ومن رحم الكآبة دوافع إلى الهرب من ظلمة الجهل والغباء، هذا والكآبة الاجتماعية هي رياعين صخبة ومثمرة لخلق تغيير منطقي وربما في عدم خلق متمسكات حديثة حيث تدفع بنا إلى القرن العشرين غباوة عمياء.
لقد قال جبران إن الغباوة مهد الخلو، والخلو مرقد الراحة وقد يكون ذلك صحيحا عند الذين يولدون أـمواتا ويعيشون كالأجساد الهامدة فوق التراب، ولكن إن كانت الغباوة العمياء قاطنة في حوار العواصف المستيقظة تكون الغباوة أقسى من الهاوية وأمرّ من الموت.
كدت أن أنهي هذه الأسطر هنا لولا الحاجة الملحة في صدري لأصرخ بصوت اعلى أن المجتمع الدرزي في حيرة ومحنة، حيرة فقدان الذات ومحنة التعلق بأساطير الماضي ورواياته المعنية. مجتمعنا ننشق الأرض من تحته وتنصب البراكين من فوقه كتأثيرات عقائدية هدامة، ديناا أصبح حسابا في بنوك نصلي لها يوميا. وإيماننا أصبح حبا للذات دون التفكير بمطالب مجتمع يسير إلى فقدان الهوية الدرزية الحقيقية. ففي هذا الشارع الصاخب بالسيارات الحديثة والشباب الريعان، وفي هذا المجتمع المترنم على مسارح اليسر والنعيم المصطنع، تدق طبلة أذني وأذنك بقايا كلمات مندثرة وجمل مفتتة تحمل في طيها الخوف والرهبة. هذا الخوف الناتج عن انقطاع الصلة بين الدرزي كفرد والدروز كمجتمع، وكلاهما في حوامة من عدم الاندماج الكلي في المجتمع الإسرائيلي، وهنا تنهال وتندثر صرخات ضميرية التي قد توقظ دب قطبي من نومه في الشتاء ولكن ليس باستطاعتها أن ترفع رمش واحد من عيوننا الغائبة في رفاهة النعيم  المصطنع، وكثير لا تسأل إن كان هما أزج ما تصبو له نفوسنا هل بدلنا الجوع للقمة العيش بالجوع إلى ثبت المعرفة؟ او تلك النسمات العنصرية التي تنبعث من نواح عدة ألا تؤدي إلى أزمة في صدور أبنائنا؟ إن لم نؤدي إلى التهابات داخلية خطيرة ولماذا؟ لانعدامنا الفكري؟
والجواب يأتي كالصدى من وراء الشفق المورد. أن أردت ذاك ام أبيت؟ يأتي بتموّجات مخيفة عند انبساط السكينة والهدوء بعد انعدام الشمس في ما وراء الأفق. وهذا الصدى هو وحده اليد الموقظة لخلق دوافع اجتماعية بناّءة ومنها إلى متمسكات فكرية جديدة التي بقواها الذود عن أبنائنا من أزمات عنصرية مستقبلية. ذاك ما أسميه القوى المعروفية. ولكن كيف نبني هذه الوجهة النظرية وذوو المقدرة الفكرية الدرزية منهمكون غير آبهين باهتزازات اجتماعية التي هي شارة من شارات العاصفة المقبلة.
كبف نبني السور الفكري ولم نعمل لجمع أحجاره المكوّنة من محاولات اجتماعية مقصورة ومخططة، هذه الأحجار تكون مستأصلة من محجرين أساسيين ألا وهما التربية الولية والنوعية الفكرية.
أما التربية الولية فهي من متطلبات قادة التربية والتعليم على المحالين المحلي والعام، وبذلك نأتي إلى صقل منهج يزرع في معالم أطفال اليوم ورجال الغد التوعية لكوني قسما من مجتمع يليق إلى الاندماج الفكري البناء على أساس الحرص على الهوية الذاتية.
أمات بالمسبة إلى التوعية الفكرية الثقافية فإحدى مقاصد الكلمة المكتوبة أن تحمل المعرفة إلى من يقطن بلاد الأنبياء عن مدى حمل كاهلي في تحويل هذه البقعة الأرضية إلى جنة اجتماعية وحقي في قطف أثمارها.
ومن هنا إلى الكتابات الدرزية التي تملأ فراغنا مللا ذلك كتابات منبثقة على المجتمع يلح إلى برز وجوده  وكيانه فقط ووجوده هو كنجمة الشمال الصارخة شيء  معلوم إنما بعيد عن الإلحاح لنيل ما يستحقه كيانه من متطلبات اجتماعية. فهذه تمسكات بماض لا بريق له بعد اليوم. فلما لا نواجه الحقيقة من انطلاق الكآبة الملحة ؟ لما لا ندع طرقات الضمير يؤجج الظلمات وتنير الطرقات ليعلم من حولنا أنه لنا حاجة في حلول واقعية بها دواء لآلامنا الاجتماعية.
لما لا نقابل القرن العشرين بمقدرة فكرية ملائمة؟ وربما لا نملك المقدرة على ذلك وبذلك لا عيب أن نعلم كيف نعوّض عن عدم المقدرة بما يأتي بنا من ثورة فكرية جديدة. وهنا إلى الأديب العبري الجليلي الذي بحث ظاهرة التقليد في المجتمع الإنساني والذي قسّم التقليد إلى قسمين:
التقليد البنّاء، والتقليد الأعمى. ولما لا أسأل النفس الراضخة إلى السباق الأعمى لرفع مستوى الحياة الفردية على أساس مبني من حب الذات والانعدام الفكري. أيهما نتهم في هذه الأيام العسيرة المليئة بالتقليد الأعمى التي بها البعد عن المعرفة الذاتية والسلوك في طريق قد تؤدي إلى فقدان الهوية الدرزية، تاركين التقليد البناء الذي يحوي في طياته اندفاعا فكريا جديدا وربما خروجا من طوق الأنانية على سبيل الاحتكاك الفكري.