كلمة العدد: الفراغ العقائدي
تحتفل الطائفة الدرزية في هذه الأيام بعيد النبي شعيب عليه السلام وقد تقرر هذا العيد قبل حوالي مائة عام بعد أن قام شيوخ الطائفة في البلاد آنذاك ورمموا المقام الشريف وعيّنوا الخامس والعشرين من نيسان يوما يلتقي فيه أبناء دين التوحيد من كل مكان في باحة النمام وعند ضريح النبي الكريم يتداولون في شؤون الطائفة الدينية والاجتماعية والسياسية ويفترقون على أمل اللقاء في السنة القادمة.
في هذه السنة يشترك معنا في الاحتفال إخواننا دروز لبنان بعد انقطاع ما يزيد على ثلاثة عقود وبذلك يصبح عيدنا مزدوجا ولم يبق لنا إلا أن نبتهل إلى الله وأن ندعو نبينا شعيب (ع) إلى لقاء إخواننا في جبل الدروز واشتراكهم معنا في هذا العيد ليلتئم شمل الطائفة وتوحد كلمتها كي تستطيع أن تستمر في شق طريقها بين الأمواج العاتية بثقة وأمان ووضوح ,إننا إذ نحيي إخواننا الدروز بالعيد ونرحب بأشقائنا من لبنان ونبعث بتمنياتنا لأبناء عشيرتنا في سوريا والمهجر الذين لا يستطيعون مشاركتنا هذا اليوم الكبير، نستغل هذه المناسبة لنقف أمام إحدى المشاكل الكبيرة التي يعاني منها الدروز في القرن العشرين هنا وفي كل مكان، نفكر فيها بصوت مرتفع وإذا لم تستطع أن تجد لها حلا ، يكفي أننا نعلم أننا في يقظة وأننا نواجه مشكلة وعلينا أن تداركها.
لقد عانى الدروز منذ بدء دعوة التوحيد في مستهل القرن الحادي عشر في مجتمع مغلق في سفوح الجبال وعلى قمم الروابي في مناطق محصنة تحصنًا طبيعيا، ولكنهم وخلال تسعة قرون لم يكونوا بحاجة إلى أسوار تحميهم من العدو الخارجي أو إلى حصون تقيهم الأخطار فقد كان في قلب كل درزي حصن يحميه ويذود عنه هو إيمانه بدينه وثقته بنفسه واعتماده على معتقداته وتعاليم رسائله.
لقد كانت الأخطار جسيمة والتهديد كبير، لكن الدرزي صمد أمام هذا الخطر الداهم وكسر شوكته بسلاح ذي ثلاثة أطراف: المحراث في يمينه والسيف في يساره والأيمان في قلبه وكان الإيمان يقوي عود المحراث ويحد من صلابة السيف وصرامته ويرسخ قدمي الدرزي في الأرض. ولما كان المجتمع الدرزي في ذلك الوقت شبه قبلي والسيطرة فيه بأيدي زعماء القبيلة كانوا على الغالب رجال الدين، الشباب يعملون في حقول عائلاتهم مع آبائهم، يتأثرون بأحاديثهم، يسهرون معهم في الخلوة أو في الديوان ويستمعون إلى أخبار الصالحين ويتغنون ببطولات الزعماء السابقين .فقد كانت تجري في هذا الجو عملية انصهار عقائدي من الدرجة الأولى فكان الطفل يتشرب العقيدة الدرزية من صغره، ينمو ويترعرع على هداها وعندما يصبح ناضجا تكتمل في مخيلته صورة واضحة عن ماضيه ، حاضره ومستقبله، ويعرف ما له وما عليه، ويكون جاهزا في كل لحظة لحمل السلاح والدفاع عن أهله وبيته وقريته وطائفته.
وهكذا صمد الدروز في معاقلهم أمام اكبر الغزاة والفاتحين وانهزم غيرهم وبقوا هم بقوة عقيدتهم وإيمانهم إلى أن جاء القرن العشرين وانفتح المجتمع الدرزي وأخذت تنهش فيه عوامل خارجية وأدى التقدم والتطور إلى حدوث تصدع في المبنى الدرزي التقليدي الذي حافظ على الشخصية الدرزية طوال تلك المدة وليس معنى هذا أن الخطر كامن في التقدم والتطور فنحن نحث مجتمعنا إلى التقدم ونرغب أن يجاري روح العصر العلمية الحديثة وان ينعم مواطنونا بمنجزات الحضارة والرقي والرفاهية أسوة بغيرهم من بني البشر، وإنما نرى الخطر في عدم تهيؤ المجتمع الدرزي لتقبل هذه التغييرات ولعدم تفكير القيّمين عليه بتجهيز وسائل دفاع مناسبة، وكل ما حدث هو أن الفئات المتدينة لجأت إلى العزلة مما زاد في تعصبها وتطرفها وتركت الأغلبية الساحقة من شبابنا تجتاحها أفكار دخيلة غريبة عما ألفناه خلال مئات السنين وفي أغلب الأحيان تناقض ما تربّينا عليه وعهدناه، وهكذا نجد الاشتراكي يتطرف في اشتراكيته والشيوعي يغالي في شيوعيته، والقومي يصبح أبا القومية والفاشي أبا الفاشية كل ذلك لأن الشاب الدرزي يعاني من فراغ عقائدي مطلق يجعله ينجرف وراء أي عقيدة أخرى تلوح له في الأفق مما أدى إلى انقسامات ونزاعات داخل الطائفة نحن في غنى عنها. ونحن لا نقصد بهذا أن ينبذ الشاب الدرزي المذاهب العقائدية المألوفة اليوم وإنما نريد أن يكون معتدلا في تصرفاته، متزنا في تصريحاته وإنسانا في معاملته مع الناس وخاصة أبناء طائفته، وأن لا يتنكر للمبادئ ولو بدت لأول وهلة كأنها رجعية في نظره، لكنها أصيلة وعميقة الجذور وفيها الدواء الشافي لكافة أوباء العصر الحديث.
قلنا إن الدرزي في السابق صمد أمام الصعوبات بواسطة المحراث والإيمان،والسيف. واليوم وبسب تغير الأحوال الاجتماعية والاقتصادية ترك غالبية الدروز زراعة الأرض وأخذوا يمارسون مهن وسبل معيشة أخرى تتطلب منهم السفر والتنقل وحتى السكن خارج قراهم ومعاقلهم، وهناك فئة كبيرة ترتاد الجامعات ولا تعود إلى قراها إما تكبرا أو تحت ضغط الظروف الاقتصادية وبذلك خسر الدرزي السلاح الأول وقد يكون خذا التطور حتمي، أي لا مناص منه، ويجب أن يكون، لأن العالم كله في تطور. لا بأس ، لكن الدرزي العامل أو التاجر أو المتعلم أو الجندي الذي يترك أرضه ويعمل بعيدا، يستطيع أن يوفق بين أوضاعه الجديدة وبين درزيته بواسطة الإيمان – السلاح الثاني والأهم – لكن، ولعدم وجود قيادة روحية مركزية تخطط وتعمل على حفظ الإيمان في قلوب أبناء الطائفة فإننا على وشك أن نفقد هذا السلاح.
ويبقى لنا السلاح الثالث وهو السيف وهذا وحده لا يكفي، وإذا نظرنا إلى التاريخ نجد أمما كثيرة ضاعت وانقرضت لأنها فقدت دربها مع أنها كانت في أوج قوتها العسكرية.
لقد علمتنا الحوادث الأخيرة التي وقعت في جبال الشوف وعاليه بين الدروز والكتائب أن الأخطار ما زالت وستبقى محدقة بنا ، وإن انتصر الدروز ودافعوا عن كيانهم وتواجدهم في أرضهم فإن ذلك يعود لسلاح الإيمان الذي ما زال راسخا عند القسم الأكبر من أبناء عشيرتنا ولكن ماذا سيحدث غدا إذا تعرضنا لحوادث مماثلة والإيمان عندنا آخذ بالتلاشي واعتناق المذاهب الدخيلة في أوجه والتنكر للوجه الدرزي أصبح تقليعة جديدة والزواج المختلط يتفشى كالسم؟ ماذا سيحدث عندما يقف الدرزي أمام خياريْن: إما درزيته أو وظيفته في الوزارة؟ وإما درزيته أو حياته الصاخبة في المدينة؟   
إن التقائنا مع إخواننا دروز لبنان في مقام النبي شعيب عليه السلام يتيح لنا فرصة بحث هذه الأوضاع والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها. من منا لم يسأل من قبل غرباء:
النبي شعيب عاش قبل آلاف السنين ودعوة التوحيد ظهرت قبل ألف سنة فما هي الرابطة بين الاثنين؟ وكان البعض منا يعرف الجواب ويجيب والبعض الآخر يعرف الجواب ويتهرب من الإجابة أما الأغلبية الساحقة فإنها لا تعرف الجواب وتتلعثم وتكون عرضة للسخرية والاضطراب وتقبل أفكار غريبة، ولسنا بحاجة لأن يسألنا الغير (وهذا هو مثل بسيط فقط) فهناك تساؤلات كثيرة من أبنائنا لنا وما أصعب أن يكتشف الابن أن أباه لا يعرف لسؤاله جوابا..
إن الوضع ليس قاتما إلى الحد الذي نصفه به ، لكن المشكلة موجودة وهناك بشائر تدعو إل التفاؤل فقد بدا إخواننا في لبنان بحملة توعية دينية في الخلوات والمدارس والمؤسسات الدرزية الخاصة، وعندنا بدئ بتعليم التراث الدرزي في المدارس ونحن نبارك هذه الخطوات ولكننا نعتقد أنها لا تكفي وأنه يجب أن يجتمع أقطاب الطائفة الدرزية الروحيون والزمنيون مع رجال التربية وعلم الاجتماع ليضعوا مخططا شاملا من أجل فرض التربية التوحيدية في كل بيت وفي كل مدرسة يحث تحافظ على سرية الدين من جهة وتنشر العقيدة والإيمان من جهة أخرى كي لا تكثر عندنا النفوس الضائعة وكي نحافظ على كياننا ووجودنا.
وعندما يقف الواحد منا أمام ضريح سيدنا شعيب عليه السلام ويقبّل الستائر الحريرية الخضراء بخشوع، فليسأل نفسه ماذا عملت من أجل طائفتي وأبناء بيتي وهل بإمكاني أن أفعل أكثر.
حبذا لو كانت هذه الزيارة نقطة انطلاق إلى عمل جديد مثمر.
وحبذا لو تعاونت جميع القوى والمؤسسات والرجالات من أجل حياة أفضل.
ليتنا نترفع عن المطامع الشخصية والأهداف الحزبية والسياسية والعائلية وننسى الأحقاد والنزاعات الفردية. وليت هذه الزيارة تكون زيارة حب وتسامح وألفة واحترام

وكل عام وأنتم بخير
سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 1983