زيارة مقام النبي شعيب (ع) عملية اتصال اجتماعي وتضامن إخواني بين الدروز
بقلم الأستاذ تركي عامر - حرفيش


* اعتاد بنو البشر - على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم - زيارة الاماكن , التي يقدسونها , من مقامات الانبياء ... وقبور الصالحين .. ومزارات الاولياء . الى ان اصبحت هذه الزيارة , تقليدا تليدا , ينتقل من السلف الى الخلف , وعرفا قويما , يسير عليه المعتنقون والمتمذهبون , كافة . والزيارة هذه قديمة - قدم الديانات والمذاهب - وهي عبارة عن فريضة اجتماعية , تقضي بودوب قيام المؤمن بالزيارة ,اينما كان مكان اقامته ,من جهة , ومكان المقام , الذي تفرض تفرض عليه زيارته , من جهة اخرى . وكثيرا ما تكون هذه الزيارة بمثابة حجيج , بالنسبة لمقامات ومزارات معينة , لدى بعض الديانات , كاليهمدية والنصرانية والاسلام . وفريضة الحج - عند المسلمين , على الاقل - ليست اجتماعية فحسب , بل هي دينية - جبرية , قبل كل شيء.

*اما الدروز (او -على الاصح - الموحدون ), فلا يحجون . ومحجهم - وجه الله - الفرد الاحد الصمد - عز وجل , وقبلتهم - التقية والتقوى . لا سحجون الى اي مكان ارضوي , لأن مذهبهم التوحيدي الشريف , بعيد - كل البعد - عن فكر وممارسة الطقوس والمراسيم الشكلية , التي توجهها , مناهح " الرأي والقياس " . والحج هذا , شكل من تلك الطقوس والمراسيم , التي ينادي بها " التحيد ", الذي يستند الى احكام العقل والمنطق.

* ولهذا , يكتفي الدروز بزيارة مقامات انبيائهم المعصومين والمكرمين . ومزارات اوليائهم الفاضلين والصالحين .. متبركين بأصحابها , ومصلين في خلواتها , ومقيمين نذورهم في رحابها . يقوم الدرزي بزيارة تلك المقامات الشريفة والمزارات المقدسة , متى يحلو له ذلك . فلا احد او امر يردعه عن زيارة اي مقام او مزار كان , والمكوث فيه كم يشاء من الوقت . ولكن شريطة ان لا يتعدى سلوكه - اثناء وجوده في المقام - حدود الادب والعفة واللياقة محافظة على قدسية المقام وتكريما لشرف صاحبه.

* ومن اجل ان تكون زيارة هذه المقامات الشريفة , عمومية , يشترك فيها جميع ابناء الطائفة التوحيدية - والعقال منهم بخاصة - ضرب الدروز موعدا سنويا لزيارة كل من مقاماتهم  المقدسة . وبهذا تكون الزيارة العمومية السنوية , بمثابة لقاء اخواني شامل .. او اجتماع طائفي عام ... او " مؤتمر" درزي عمومي , يشترك فيه , من يريد ذلك من ابناء الطائفة - عقالا وجهالا , على السواء . وبهذا تكون المنفعة الدينية والفائدة الاجتماعية , عمومتين , تشملان الجميع.
من المعروف ان الدروز في اسرائيل , يزورون مقام النبي شعيب عليه السلام , الكائن بالقرب من قرية "حطين" القديمة. ويزوروز مقام النبي سبلان عليه السلام - بالقرب من قرية  "حرفيش " ويزورون مقام النبي الخضر عليه السلام في قرية " كفر ياسيف" ويزورون مقام اليعفوري - بالقرب من قرية " مسعدة" في الجولان . لكل من هذه المقامات الشريفة الاربعة, موعد سنوي محدد, لزيارته زيارات عمومية - تقليدية.

***
* اما زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام - موضوع حديثنا الحاضر - فاعتاد مشايخ الدين الاجلاء , القيام بها في الخامس والعشرين من شهر نيسان, في كل عام. غير ان المقام مفتوح , جميع ايام السنة , يقوم الدروز بزيارته, بصفة فردية او جماعية او اسرية , من جميع القرى. وأصبحت زيارة هذا المقام الشريف ,"عيدا" رسميا للدروز, اعترفت به حكومة اسرائيل - وزارات ودوائر رسمية , ونقابة العمال العامة - لجان ومجالس عمالية . مع ان اطلاق صفة " العيد" على هذه الزيارة المباركة , يغير من معناها ودلالتها. وكان من المفضل ان تقتصر على هذه المناسبة السعيدة كلمة " زيارة" فقط , حفاظا على التراث الماضوي الكريم , الذي سار عليه الاقدمون . وهذا العيد شيء - والزيارة شيء اخر, ثمة اختلاف جوهري بينهما.

* لسنا بصدد التعرض لتاريخ المقام الشريف او وصف بنائه ورحابه المقدسة , انما سنحاول استبيان كون زيارته العمومية السنوية ,    عبارة عن عملية " اتصال اجتماعي" و " تضامن اخواني" بين الدروز . ان زيارة هذا المقام الشريف , هي " الزيارة العمومية التقليدية " الكبرى لدى الدروز. هذا لأن النبي شعيب عليه السلام - هو نبي الانبياء, الذين بقدسهم الموحدون . وهذا المقام بعيدا - جغرافيا - عن جميع مراكز تجمع الدروز, غير انه قريب جدا - بل كائن في قلوب الموحدين وعقولهم ونفوسهم , يأتون الى زيارته المباركة اينما كانوا ووجدوا.
****

* تقتصر هذه الزيارة العمومية - التقليدية السنوية, على التبرك بصاحب هذا المقام الشريف - النبي المختار, سيدنا شعيب عليه السلام فيدخل الزائرون مقصورة الضريح الطاهر , يلثمونه, متلمسين صفاء نوره الشعشعاني . ويعقدون الجلسات والسهرات الدينية العامرة بقصد العبادة والصلاة والوعظ والارشاد. هذا من الناحية الدينية - التعبدية . اما من الناحية الاجتماعية , فان تجمع الدروز الزائرين - من مختلف اماكن سكناهم في مكان واحد , وبعد طول انقطاع,يشكل هذا لقاءا عاما او اجتماعيا عموميا, يعمل على استمرارية الاتصال بين ابناء الطائفة, وعى تواصل الاحتكاك الاجتماعي فيما بينهم . وهذا الاتصال وذلك تلاحتكاك يولدان التبادل الفكري والثقافي , بين الدروز - افرادا وجماعات - على اختلاف اقاليمهم. وبكلمات اخرى - تتمخض الزيارة العمومية عن عملية متبادلة من " التثلقف" فيما بين الزائرين . وينبثق عن هذا  "التثاقف" المتبادل , وضعية التضامن الاخواني بين ابناء هذه الدوحة المعروفية الشامخة.

* يتعرف - في هذه الزيارة - الدرزي الى اخيه الدرزي , الذي لا تسمح ظروف عيشه وعمله بالتعرف اليه في مناسبات اخرى, غير مناسبة هذه الزيارة المباركة. فبالاضافة الى التبرك بزيارة المقام الشريف, يتعرف الدرزي على اخوان له في الدين , يستفسر عن معارفه من اقرباء واصدقاء , طال فراقهم. وهذا ايضا من شأنه تكثيف الاتصال الاجتماعي وتصعيد التضامن الاخواني فيما بين الدروز, ايمنا كانوا.
* وخلال سهرات وجلسات واجتماعات الزائرين , تطرح المسائل والقضايا المختلفة - دينيا وطائفيا واجتماعيا - على كبار شيوخ الدين الاجلاء, التماسا لبركاتهم النافعة وارائهم المصيبة في حل تلك المسائل والقضايا , التي من شأنها الوصول الى حلول سليمة لها , سير امور المجتمع في المسار الصحيح . وبهذا يتعرف الزائرون الى الحياة الدينية والطائفية والاجتماعية عند بعضهم البعض. وكذا , يسمعون عن الاماكن والمؤسسات الدينية والاجتماعية والمشروعات والجمعيات الحيوية والخيرية , عند بعضهم البعض. ومجرد التعرف الى هذه تنتقل افكار ومخططات هذه المشاريع من مكان الى مكان ومن ناحية الى ناحية . فيتبنى البعض هذه الافكار والمخططات , وسرعان ما تتحول الى اعمال وتنفيذات على ارض الواقع الدرزي. وهذا من شأنه التقدم والنهوض بأوضاعه الراهنة.

* يلتقي الدروز - بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم العائلية والاقليمية والسياسية - يلتقون في رحاب مقام شريف , ينسيهم هذا تباين انتماءاتهم , ويصهرهم في بوتقة طائفية - اخوانية - اجتماعية متماسكة واحدة , ويطهر من نزعاتهم الارضوية وشهواتهم الدنيوية فيتعانق الزائرون بعضهم مع بعض , ودموع الفرح باللقاء , تنهمر من الاحداق, معبرة بصدق عن تلك الوحدة الاخوانية والرابطة الاجتماعية التي تجمع فيما بينهم , متذكرين فريضة حفظ الاخوان وعاملين بموجبها. تلك الفريضة الاجتماعية - التضامنية , التي يسير الموحدون على هديها ونهجها السليمين . وهذه تسعة قرون حاولت نظريات التنظيم الاجتماعي الحديثة في التوصل الى مناهج " التعاون " و" الاشتراكية " وغيرها من المسالك التنظيمية , من اجل التضامن الاجتماعي بين بني اليشر , غير ان " فريضة حفظ الاخوان " أبلغ من جميع نظريات " الاشتراكية والتعاون " و " الامن القومي " التي ابدعها الفكر الاجتماعي في العصر الحاضر.

* واتصال الدروز الاجتماعي هذا - في الزيارة - من شأنه التأكيد على تلك الفريضة التضامنية - التعاضدية , وتثبيت اواصر العلاقة المتينة فيما بينهم . وبهذا , تكون الزيارة , مسرحا لتطبيق الفكر التوحيدي الشريف , ومنطلقا للعمل بموجب مقتضيات مسلكه العرفاني القويم . ومن هنا تشكل الزيارة حلقة من حلقات نظام التربية التوحيدية الرشيدة.

* كثيرا ما يصطحب الشيوخ الزائرون اولادهم الصغار الى تلك الزيارة المباركة . وهذا مما يعمل على ان يذوق الصغار - في قلوبهم - عقائد وقيم الدين التوحيدي الشريف , وطرائق ومعايير المسلك الاجتماعي الصحيح . وهكذا , يذوق الصغار انماط ثقافة مجتمع الدروز الدينية - الطائفية - الاجتماعية التقليدية , في نفوسهم , كي تصبح هذه مغروسة في اعماق ذواتهم , يسيرون ويسلكون بموجبها . ويتعرف هؤلاء الصغار الى تراث طائفتهم السلفي , واداب اسلافهم الحياتية , فيشبون في ظل التربية التوحيدية الشريفة .......وينشأون في مناخ اجتماعي قويم , سليم , صالح.

* تغطي وقائع الزيارة المباركة , وسائل الاتصال الصحافية والاذاعية والتلفزيونية, فتصل مطالب المشايخ الى الدوائر الرسمية في الحكومة , بالاضافة الى ذلك , وقبل هذا , وسائل الاتصال هذه عبارة عن نظام اعلامي - تثقيفي , يتعرف عن طريقه , الشباب والاطفال , الى ذلك التراث الدرزي التليد , بمجرد سماعهم عن وقائع تلك الزيارة .

* قلما يشارك الشباب الجهال شيوخهم العقال في هذه المناسبة ظنا من الشباب ان الزيارة مقصورة على الصلاة فحسب . لا ايها الشباب . تعالوا لنذهب ونشارك مشايخنا الافاضل في هذه الزيارة المباركة لمقام سيدنا شعيب عليه السلام . تعالوا نتعرف الى مشايخنا الاجلاء , تعالوا  نشاركهم اجتماعهم العمومي هذا تعالوا الى تراثنا وادابنا . هكذا , ننعم - نحن الشباب - بامكانية التعارف بعضنا  ببعض , ونتحد في اتصالنا الاجتماعي هذا في مصهر اخواني - تضامني واحد , ونسمع عن مشاكل مجتمعنا ومطالبه ونشارك في حل هذه وتلبية تلك.

* وهكذا - اخي القاريء - ان زيارة مقام النبي شعيب عليه السلام , هي بالفعل عبارة عن عملية سليمة , تحدث في مراحلها , مسارات الاتصال الاجتماعي والتضامن الاخواني بين الدروز, اينما كانوا . وكلنا امل ام يتمكن دروز لبنان من مشاركة اخوانهم دروز اسرائيل وهضبة الجولان , في الزيارة العمومية للمقام الشريف , هذه السنة . وجعلها الله زيارة مباركة مقبولة للجميع . والله من وراء القصد.