المراكز الأولى في تاريخ الدعوة الدرزية
بقلم د. شكيب صالح
لم يكتب الدروز تاريخا ليروي الأحداث التي مرت بهم ويطرحوه على الملأ إلا في الآونة الأخيرة . فالكتاب الذي وضعه صالح بن يحيى في القرن الخامس عشر هو تاريخ للأمراء التنوخيين أراده مؤلفه أن يكون وقفا على أهل البيت التنوخي لا يخرج عن الخلف ولا يعار لغيرهم. ومثله تاريخ حمزة بن سباط الذي كُتب بعده بقليل . أما كتب الشرح (شرح رسائل الدعوة) وسائر المخطوطات التي ألمت بالدين من قريب أو من بعيد فقد بقيت كرسائل الدعوة نفسها وقفا على فئة أو فئات معينة من الدروز دون غيرهم يحفظونها بسرية تامة، والسبب هو الذي يتذرع به الدروز في ذلك هو السرية في الدين. على أن هذه السرية لم تكن من أسس الدين الأولى ولم تبدأ ديانة التوحيد ديانة سرية بل بدأت دعوة مكشوفة. ويدل على ذلك ما قام به حمزة بن علي في السنة ألأولى للدعوة فقد الرسل لقاضي القضاة يومئذ بمصر ،أبو العباس أحمد بن العوام، وهو ما عليه من المكانة رقعه يحذره فيها من النظر بشؤون الموحدين، ولعله دعاه أيضا للدين الجديد. وقد اختار حمزة بن علي أن يرسل نلك الرقعة وقت قيام القاضي بعمله في احد مساجد القاهرة، وعلى يد عشرين من أصحابه. لكن القاضي أكبر ذلك وأنكره وأثار الجند والعامة في المسجد، وقد بلغوا زهاء 200 رجل على الرسل فقتلوا منهم ثلاثة وعززوا عن الباقين. ثم كان الخلاف مع الدرزي وقيام أهل القاهرة على الموحدين فلجأ حمزة إلى الحيطة والحذر ومال إلى السرية تدريجيا كما أن الدعوة لاقت نجاحا في بلاد الشام أكثر من مصر. ويبدو أن المقتنى بهاء الدين هو الذي أدخل مبدأ التقية وأوصى به خاصة في رسالته الأخيرة التي أعلن فيها غيبته. ويبدو واضحا أن لجوء بهاء الدين للتقية كان نتيجة لما تعرض له هو وباقي الموحدين من الاضطهاد والتعذيب والقتل على يد أعداء الدين الجديد بحيث بات من المتعذر عليهم  وهم قلة ، العيش بأمان بين العدد العديد من أعدائهم فكانت التقية درعا واقيا لهم يلجأون إليها عند الضرورة. وقد كان ما تعرض له الدروز سببا في انقراضهم من أماكن كانوا فيها ردحا من الزمن مثل القاهرة والصعيد وأنطاكيا وشبه الجزيرة العربية، كما قل عددهم في أماكن أخرى مثل حلب وما جاورها فانحسروا عن هذه المناطق ولجأوا إلى أعالي الجبال متخذين منها معاقل يدافعون فيها عن أيمانهم وحياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
إن الذين تقبلوا الدعوة من البداية كانوا خليطا من القبائل وسكان القرى، فيهم الأمراء وفيهم الفلاحون والمزارعون الصغار. ولكن ذلك ينطبق على الموحدين في سوريا وحدها. أما في مصر فإن الدعوة لاقت رواجا في القاهرة حيث طمع أهلها بنيل الخير والمنفعة الشخصية شجعهم على ذلك ما قام به الحاكم من مخالطة العامة واجتذاب الناس إليه بالعدل وإسقاط المكوس والرسوم الجائرة وبالهبات والعطايا الجزيلة. فإذا غاب الحاكم ارتدوا جميعا ونبذوا الدعوة. وأرسل حمزة الدعاة أيضا إلى الصعيد فلاقوا فيه صعوبات في حمل أهله على قبول الدعوة وأحجموا عن البقاء فيه.
وفي سوريا كان وادي التيم القاعدة الأولى. ولكن كانت فيه فترات غلبت فيها الردة وأخرى ازدهرت فيها الدعوة وتنورت، فدُعي الوادي الأخيب حينا والوادي الأزهر أو الأنوار حينا آخر. وقد تعرض دروز وادي التيم لعداء النصيرية وعداء حاكم دمشق عبد الرحيم بن الياس إذ أرسل عليهم أمير الأكراد ابن تالشليل فقتل منهم وسبى وأحرق قراهم.
ويُعرف مشايخ وادي التيم باسم آل سليمان وهم أكثر المشايخ ورعا وصلاحا وأهمهم : الشيخ أبو الماضي وافد الظاهر من قرية عين حرشا قرب راشيا والشيخ أبو الخير سلامة بن حسين بن جندل من قرية بكيفا وكان كبير شيوخ الوادي في العمر والدين، وابن عمه الشيخ أبو الفضل حمزة بن محمد بن منصور بن جندل . ويلي هؤلاء المشايخ مرتبة في الدين مشايخ آل تراب وهم مشايخ الجليل وأشهرهم أبو السرايا غنايم بن محمد من قرية يركا، والشيخ أبو عروس والشيخ أبو محمد والشيخ ابو عبد الله.
ثم شيوخ آل عبد الله، وهم فرع من آل تنوخ وقد سكنوا في قرية عين درافيل في الغرب من جبل لبنان. وأشهر هؤلاء المشايخ كفيل الموحدين رجا بن يونس، وإبراهيم بن محمد وعبد الله ابو الفوارس حسين بن عبد الرحمن.
 وكان أيضا شيوخ البستان في غوطة دمشق ومن أشهرهم الشريف أبي يعلى فخر الدولة حمزة بن أبي العباس من أعيان قرية المزة، والشيخ صفي الدين نصر بن فتوح من قرية الميدانية والذي خلف سكين في زعامة بلاد الشام ، والشيخ حسين المحاملي من سكان دمشق وبنو أبي حمار الذين رحلوا من حلب وسكنوا في دمشق بعد أن تجمع عليهم أعداؤهم في الدين وطردوهم.
ثم كان الأمراء التنوخيون الذين خدموا ودافعوا عن دين التوحيد في الشوف وجبل لبنان عامة، وهم إخوان لآل عبد الله. وأشهر هؤلاء الأمير أبو الفضائل عبد الخالق ابن محمد والأمير أبو الحسن بن مصبح وكفيل الموحدين أبو الفوارس الأمير معضاد من قرية فلجين وزعيم الدعوة في الغرب.
وقبل الدعوة أيضا بعض من أمراء الأعراب يومئذ مثل قبيلة بني كلب وكمان زعيمها سنان بن عليان الذي استولى على دمشق عام 416 هجرية ولما توفي عام 419هجرية  خلفه ابن أخيه الأمير رافع بن أبي الليل وقد انتصر رافع للقائد الفاطمي أنوشتكين الدزبري في موقعة الأقحوانة سنة 420 هج قرب حطين والتي قتل فيها صالح بن مرداس ألد أعداء الدروز إذ قتل ما يزيد عن عشرة آلاف من الموحدين في محنة أنطاكيا وجوارها. وكانت أنطاكيا قبل ذلك من أشهر مراكز الدعوة حتى سميت " معدن كنز الدر والجوهر" ويعتبر الدروز الدزبري من الموحدين وقد تزوج ابنة الأمير رافع.
ومن أمراء الأعراب الذين دخلوا الدعوة أيضا جابر وزماح أميرا الرملة وأبناء المفرج بن دغفل بن الجراح.
وكان جبل السماق قرب حلب من مراكز الدعوة الهامةـ ولا تعلم أسماء شيوخ هذا الجبل، إلا أن الموحدين فيه سكنوا في تسع قرى أشهرها قرية معرة الإخوان.
وقد كان لبنان القاعدة الرئيسية للدروز فأثروا فيها وطبعوه مدة طويلة بطابعهم حتى أصبحت كلمة درزي تعني أيضا بلدي او وطني أو لبناني وعرف جبل لبنان بجبل الشوف أو جبل الدروز ثم جبل ابن معن.
والدروز أول من وضع أسمي الدولة اللبنانية الحديثة فقد بات واضحا ان المرحلة الأولى من تاريخ لبنان الحديث وتأسيسه على التحرر والتميز السياسيين هي مرحلة درزية صرفة. وبداية الدولة اللبنانية هي في تلك الإمارات الدرزية التي قامت على أرض لبنان وكان الجبل الجنوبي قاعدة لها جميعا وكانت أولى هذه الإمارات هي تلك التي أقامها البحتريون من آل تنوخ وقد حطوا في منطقة الغرب المشرفة على بيروت.
وكان نفوذ البحتريين يقوى أحيانا فيستولون على مدينة بيروت وما جاورها واستطاع البحتريون أخيرا التغلب على كافة منافسيهم في البقاع والغرب وبيروت وإخضاعهم فما أطل القرن الخامس عشر حتى كانوا أسياد بينان الجنوبي يحكمونه حكما يكاد يكون مستقلا     



الدكتور شكيب صالح
من مواليد قرية الغار 1943 تعلم في المدرسة الثانوية بالرامة وأنهاها عام 1961. التحق بجامعة بار إيلان بعد الخدمة العسكرية عام 1964 ودرس الأدب العربي والتاريخ وحصل على شهادتي البكالوريوس والماجستير. عمل عام 1969 معيدا في الجامعة وانتقل عام 1972 كطالب متفوق لإكمال شهادة الدكتوراه إلى جامعة لندن، حصل على الدكتوراه عام 1974 وكان موضوع  أطروحته العلاقات البريطانية الدرزية وأثرها على أحداث لبنان 1840 - 1860. يعمل الآن محاضرا في جامعتي بار إيلان وجامعة تل أبيب، اصدر عام 1979 كتابه " الدروز والتاريخ" ويعد الآن لإصدار كتاب بالعبرية عن الدروز.