التقمص عبر منظار الفيزياء
بقلم الدكتور أسامة حسين - الرامة
تلخيص:
مع انتهاء القرن الماضي انتقلت الفيزياء من مستوى الكتلة على مستوى الجزيئات التحت - ذرية ومعها من القوى العاملة بين الكتل إلى القوى المؤثرة من بعد. هذا فتح المجال لنظريات جديدة عن الروح وفعلها فأعطى العلماء فرص البحث في الظاهر الفوق طبيعية دون وجل او خوف من رفض المجتمع الطبي لمثل هذه البحوث أو القائمين بها.وبذلك انتقل علماء الفيزياء من الكون المادي، على الكون الفكري الذي هو وجهة نظر أخرى لنفس الكون الذي نراه بحواسنا الخمس.
"كوني فكانت" وانبعثت النفوس الفردية في الأجساد البشرية ، لتعبر الامتحان عبر القمصان المختلفة، ثم تحاكم يوم الدينونة على كل ما اقترفته من ذنوب وعملته من حسنات. هذا هو مضمون اعتقاد التقمص عند الدروز: فيه تخرج النفس بعد موت الجسد لتسكن جسد مولود جديد وتتم رحلتها. مات زال الاعتقاد بالتقمص من ضرب الإيمان الديني الخالص، او إثبات صحته بالأمثلة الحية من حوادث النطق. أما بالنسبة لبعض دارسي العلم ما زال التقمص من ضروب الإيمان بالخرافات والأساطير.
مع إهلالة القرن الماضي وبداية الفترة العلمية في بحث العلوم كفر العلماء بكل ما لا يفحص، يقاس أو يخضع لقوانين الفيزياء. وما دام التقمص خارج نطاق العلم، أصبح الإيمان بالتقمص أو الروح وصمة في سجل كل من اعتبر نفسه من رجال العلم. فالكون الذي نناه أيزاك نيوتون كآلة مادية ضخمة لا يمكنه أن يقبل كا ما له علاقة بالأرواح، فالحقيقة هي المادة والمادة تخضع لقوانين الدفع والشد والجاذبية وما شابه. أما كل ما بقي من الظواهر فوق - الطبيعة فهو غير موجود ، ولا يمكن للعلم ان يتعامل معه أو يعترف بوجوده. حتى كانت السنوات الأخيرة من القرن الماضي إذ تقوضت الفروض الأساسية في علم الفيزياء عن كنه الوجود ، وتغير معنى وفعالية القوانين السابقة بالنسبة لفهمنا الكون والزمن والعلاقات السببية. كلما زاد تعمق الفيزيائي نحو الآفاق تحت - ذرية وفوق- مجرية زاد شعوره بان البناء أصبح معاكسا للأنظمة الفيزيائية الكلاسيكية، وآنذاك يصبح الفيزيائي أكثر انفتاحا لما يعتبر غير ممكن. فبينما كان الإلكترون عند ردفورد عبارة عن كتلة مشحونة من المادة، تدور في مدار حول نواة الذرة يقول ج. ر. أوبنهيمر - رئيس لجنة لوس الاموس للطاقة الذرية  وباني القنبلة الذرية: "عندما تسأل : هل الإلكترون ثابت في مكانه؟ الجواب لا. وإن سئلت هل يغير الإلكترون مكانه مع الزمن فالجواب لا. هل الإلكترون ثابت : لا هل يتحرك لا".
لذلك فالإلكترون لم يعد جسما حسب الفيزياء الكلاسيكية ور يمكن تعريفه حسب المكان ، الطاقة، السرعة، أو الكتلة. فعلى هذا المستوى يمكن الحديث عن إمكانيات وليس عن حقائق. بعد ان اكتشف أن للإلكترون صفات حزمه من الأشعة في ظروف قد يتصرف كجسم صلب ، وضع نيلز لوهر " قاعدة المقابلة المتممة: الذي ينص على أنه بإمكاننا النظر إلى ظاهرة معينة من خلال نقطتي نظر متضادتين، إلا أنهما تكملان الواحدة الأخرى، وفقط بمساعدة نقطتي النظر معا يمكن فهم هذه الظاهرة.
اعتقد حتى نهاية القرن الماضي أن كل (تأثير - نتيجة) يتم بين أجسام مادية، أما الآن فنحن نعرف أن هناك مجالات لا مادية بشكل مطلق ، مثل القوى على مستوى الكوانتومات في حقول فيسي الفيزيائية (أي الذري الموجود بين أجزاء الذرة) مع أن هذه الفعاليات موضوعة في معادلات رياضية، دون ان يكون فيها ذكر للكتب أو سرعاتها.
هذا يوصلنا إلى أن الكون هو حقيقة لا آلية وقد بدا يظهر كفرة ضخمة أي ان الكون بدا بفقدان أهمية الزمن والمادة ، كما فقد هذان البعدان على مستوى الجزيئات تحت - ذرية بناء على هذا أتى قول أ أدينغتون "المادة التي بني منها الكون هي مادة الفكر".ا
من هنا نصل إلى نتيجتين:

1-    لم يعد مكان في الفيزياء الحديثة للحديث عن المادة كالأساس الوحيد للحقيقة العلمية.
2-    بدأت تظهر علاقات جديدة للتأثير على مستوى الجزيئات تحت - ذرية، لا تخضع لقوانين نبتون او قوانين الجذب والحقول الكهرومغناطيسية. باستغلال قاعدة بوهر يمكن التقرب من فهم العلاقة بين " المادي والروحي "، وذلك عندما نرى في المادة والروح انعكاسات مكملة لحقيقة واحدة هذه الفكرة تقترب من فلسفة سبينوزا القائلة إن الامتداد والفكر ليسا غلا صفتان من صفات الله أو الطبيعة.
في عام 1956 اكتشفت في مختبرات ف. راينس جسم جديد أطلق عليه اسم "النيتروينوا" من صفاته أن لا كتلة له. لا شحنة كهربائية او مغناطيسية. لذلك فليس للحقول الكهرومغناطيسية أو لقوة الجذب أي تأثير عليه . وبالرغم من عدم قدرتنا على قياس صفاته الفيزيائية فأن تأثيره موجود عندما يصطدم بجزيئي آخر من جزيئات الفضاء. سرعته كسرعة الضوء، وهو يخترق الكرة الأرضية وكأنها فراغ. وبذلك فإنه يتصرف كالأرواح والشياطين. ومن هذا يمكن الوصول إلى نتيجة ان الروح مع أننا لا نستطيع قياسها،نستطيع ان نستشف تأثيرها ولذلك فهي قائمة. كما ان النيترينو قائم رغم عجزنا عن فهم كنهه . في هذا المضمار يقول العالم الفلكي ب. ا. فيرسوف :" الروح عي تأثير - نتيجة كونية، كالكهرباء والجذب لذلك يجب ان يكون هناك ثابت تحويل، الذي بواسطته يمكن المقارنة بين المادية الروحية وموجودات أخرى في العالم المادي، بالضبط كثابت التحويل في معادلة آينشتين بين الضوء والمادة ". وقد أوغل في اعتقاده على أن هناك جزيئات أساسية تكون المادة الروحية والتي لها صفات كالنيترينو والموجودة في فراغ خاص بها، وتخضع لقوانين خاصة بها من ناحية الزمن والأبعاد الفراغية.
حسب ما تسمح به الفيزياء الحديثة فإن نظيرة وجود الروح لم تعد غريبة او متناقضة للعلم. فظاهرو النطق التي تظهر أحيانا هي دليل على وجود قوة معينة يمكن أن تطلق عليها "الروح" وليس غريبا ان تكون هذه القوة هي التي تتقمص أجساد ابناء البشر، وتنتقل من مكان واحد (جسد المتوفى إلى مكان جديد (المولود) ومع هذا الانتقال قد تحافظ على مخزون من الذاكرة من المتوفى وقد يستطيع الفيزيائيون في المستقبل أن يصلوا إلى اكتشاف جزئيات أساسية تكون المادة الروحية كما وصلوا على اكتشاف النيترنيو إذا رفضنا وجود مثل هذه الجزئيات الروحية فإن طريقة انتشارها في الفضاء تمكنها من نقل معلومات مع انتقاله من مكان على آخر ومن قميص على آخر وعليها أن تدخل إلى الدماغ مباشرة دون الاستعانة بالحواس فهي تؤثر رأسا على الخلايا العصبية مباشرة ومن هناك تخزن في الذاكرة إلى حين ينطق الطفل بما اختزنه من المعلومات ومن ذاكرة قميصه السابق.      

1-    د. بانيش هوفمان : قصة الكم المثيرة
2-    ا. س/ ادينغتون : طبيعة العالم المادي . كامبردج 1928
3-    ف. أ ، فيرمون : الحياة الدماغ والمجرات ، لندن 1967
4-    ا. كستلر : الشبح في الآلة ، لندن ، 1967.
5-    ج. ر. أبنهيمر : العلم والفهم الإنساني ، نيويورك،  1966