كلمة موجهة للمرحوم الأستاذ الشّيخ أَبي إياد سامي فرّاج، في الذّكرى السّنويّة الأولى لرحيله
بقلم الأستاذ الشيخ يوسف أبو يوسف - يركا

كانَ ذلك في مُستَهَلّ الثّلث الأخير من القَرْن المُنصرِم، حينَ أطللتَ علينا في مدرسة "الأخوّة" الثّانويّة – يركا، بطلعتك البهيّة، بقامتك المنتصبة انتصاب الرّواسي الوطيدة، وبعَينيكَ الزّرقاوين، زُرقةَ بحرٍ صافٍ غارقٍ في وداعة السّكون... نَعَمْ أطللتَ علينا شابّاً يافعاً، تزيّنُ هامتكَ ناصيةٌ مُكلّلةٌ بالإباء والوقَار، فعلقَ فؤادي بحبّك من أوَّل نظرةٍ، وخالجني شُعورٌ بأنّك ستغدو من أعزِّ أصدقائي، لأنّي توسّمتُ في شخصك الكريم، كرمَ الأخلاقِ ونجابةَ الأصلِ، إلى جانب خفّة الظّلّ. وكم كان حَدْسي مُصيباً وإحساسي صادقاً، فسَرعانَ ما تناجى قلبانا، وتَلاقتْ رُوحانا في صداقةٍ محضةٍ حقيقيّةٍ، لا بلْ في أخوّةٍ إنسانيّةٍ، دامت أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ من الزّمنِ، عِشناها وعاشتْ فينا حتّى الرّمقِ الأخير من حياتك.
وكنتَ قدْ انخرطتَ معنا في أُسرة التّربية والتّعليم، في مدرسةٍ شاملةٍ، شِعارها الأُخوّةُ، قولاً وفعلاً، والتّربية والتّعليم، قاما فيها على المحبّةِ الخالصة والاحترام المتبادَل، بينَ كُلِّ مكوّناتها البشريّةِ. هذا الصّرحُ التّعليميّ الشّامخ، حظيَ معَ الأيّام السّالفة، بأنْ يُنظرَ إليهِ على أنّهُ "الدُرّةُ الّلامعة في تاج مملكة التّربية والتّعليم" في وسطنا. وقد أنْفق واحدُنا في هذه المؤسّسة الموقّرة ما ينيفُ عن نصفِ عُمرهِ، يُربّي، يُدرّسُ ويُضحّي من أجلِ طلابهِ الواعدين، دونَ كللٍ أو مللٍ، تُثْملُ مشاعرَهُ لذّةُ العطاءِ، يدفعهُ الإخلاص إلى الاستزادة في التّفاني، ويسلوهُ جوُّ المدرسةِ الأخويُّ الرّائع عن أيّ همٍّ آخر. آهٍ... ما أجملَ تلك الأيّام! ولقد كنت يا أخي مربّياً فاضلاً، معلّماً قديراً ومخلصاً جدّاً، ومُرشداً هادياً لطلابكَ الّذين أحببتَ، فعلى قِيَم الإخلاص والمحبّة ترعرعتَ وتربّيتَ، وعلى التمسّك بأهدابِ الفضيلةِ نشأتَ، وما هذا بغريبٍ عن بيتكم الأصيل ذي المجد الأثيل.
إضافةً إلى ما قيلَ فيك في هذا المضمار، كُنتَ نموذجاً للإنسان المثقّف الّذي لا يقفُ شغفهُ بالمعرفةِ عندَ حدٍّ، فإلى جانب كونك معلّماً للمواضيع المهنيّةِ، حباكَ الله تعالى قريحةَ الأديب، ومخيّلة  الشّاعر، الّذي تطربُ أذنه لسماعِ لفظةٍ عذبةٍ موحيةٍ، أو عبارةٍ بليغةٍ جميلةٍ، أو بيتِ شِعْر رنّانٍ بإيقاعهِ، وإنْ هذا إلا دليلٌ على ذائقتك الأدبيّة الرّاقية، وإحساسكَ الإنْسَانِيّ المُرهف. وقد كانت لك نشاطاتٌ تُذكرُ في مجالات الأدب والتّمثيل والفنّ المسرحيّ، فلطالما حدّثتني عن ذلك بانفعالِ وحبورِ الأديب، وما هذا إلا لإيمانكَ بإنسانيّة الحياة البشريّة، وبمبدأ التّعايش الأخويّ المشترك بين كلِّ فئات المجتمع. نعم هذه هي جِبلّتك "الفرّاجيّة" الأصيلة، وهذا هو حُبُّك الكبير لبلدك ولكلِّ أبناء مجتمعك.
عَرفتُك أيُّها السّامي بخِلالك النَّبيلة خلاً وفيّاً، وصديقاً صادقاً لم تقصّر يوماً في أداءِ واجبٍ أيّاً كان تجاه كلِّ أصدقائكِ ومعارفك، سواءَ كان ذلك في فرحٍ أو في ترحٍ، فلطالما زُرتَهم في بيوتهم، وتقصّيتَ أخبارهم إذا أبعدهم الدّهرُ عنكَ إلى حينٍ، ليطمئنَّ فؤادُك على أحوالهم، وليهدأَ روعك عليهم من نوائب الزّمان وصُروفِ اللّيالي. إنّها الصّداقةُ الحقيقيّةُ حقّاً، وكم صدقَ الشّاعرُ حين قال:
سلامٌ على الدّنيا إذا لم يكنْ بها صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصفا
عرفتكَ أيّها الرّاحلُ عن هذه الفانية، أباً مثاليّاً عَطوفاً على أفرادِ أسرتك الكريمة، فقد حَنَوْتَ عليهم بكلّ جوارحكَ، وكنتَ وقرينتُك المصون، المربّية الفاضلة، الأُخت أم إياد فرجة – أمدَّ الله تعالى في عُمرها – جناحَيْنِ دافِئَين لأبنائكما البَرَرةِ، في بيتٍ هادئٍ دافئ ٍ، يسودهُ جوٌّ أُسَريٌّ رائقٌ. وها هُم أنجالك الأماجد إياد، مجيد، مجدي وجلال، يؤدّونَ الأمانة بكلِّ إخلاصٍ، بإسدائهم أجلَّ الخدمات لأبناء مجتمعهم، كلٌّ من موقعهِ، وما كانت الثّمارُ الطيّبةُ لتسقطَ بعيداً عن الشّجرة الّتي أثمرتها. نسألهُ تعالى أنْ يُجزيَهم خيراً، وأنْ يُسدّد خُطاهم في كلِّ ما تصبو إليه نفوسُهم، وترنو إليه عُيونهم.
عرفتُك أيّها الرّاحلُ الباقي في قلبِ كلِّ من عرفك حقَّ المعرفةِ، إنساناً شَهماً حميدَ السَّجايا، ذا أرْيحيّةٍ فطريّةٍ، تترفّعُ عن الدّنايا، تصبو الى المجدِ والعُلى، وذا حضورٍ راقٍ تفرضُ بهِ احترامكَ على جُلسائكَ، وتَستلفتُ  انتباههم بحلاوة حديثكِ، وقد كُنتَ ذا سريرةٍ نقيّة وبصيرةٍ نافذةٍ، تميّزُ بينَ الصّالحِ والطّالحِ ولا تتخيّرُ إلا الصّالحين، تُعطي كلَّ ذي قدْرٍ قدرهُ دونَ مُداهنةٍ أو رِئَاء، فقد كنتَ قويماً بمبادئكَ، ثابتاً على الصّراط المستقيم في نهجِ حياتكَ، تحبُّ الله تعالى وكلَّ عبادهِ وتلتمسُ رِضوانهُ، وخيرُ برهانٍ على ذلك، أنّكَ تتوّجتَ في آخر مشوار حياتكَ بعمامة الطُّهر والإيمان.
فنمْ قرير العينِ، وطوبى لكَ على حُسْنِ الخاتمة، وعلى ما حظيتَ بهِ من محبّةٍ وإجلالٍ مقرونَينِ بالحسرةِ وبألم الفراق يومَ شُيِّع جثمانكَ الطّاهر إلى مثواهُ الأخير.
عليك سلامُ اللهِ وقفاً لأنّني أرى الموتَ وقّاعاً بكلِّ شريفِ
عزاؤنا بأُسرتك الكريمة، وبما تركتهُ لنا من سيرةٍ حميدةٍ وذكرى عطرة. ألفُ رحمةٍ تترى على روحك النّبيلة من عنده تعالى، وإلى جنّات الخُلد يا رفيقَ الدّرب. إنّا لله وإنّا إليه لراجعون. 