وسام أبي الطائفة لأبي هاشم معذى زيدان
أول مدير لقرية الأولاد في حرفيش
بقلم د. أمير خنيفس

يردد كثيرون منا، بشكل تلقائي، تعبيرا عبريا يقول: "كافود لعيدا"، ومعناه " هذا العمل هو فخر للطائفة". وقد اقتصر استعمال مثل هذا التعبير في الكثير من الأحيان، للإعلان عن احترامنا وتقديرنا لأفراد من أبناء الطائفة، تولوا مناصب رسمية هامة في الدولة، أو استطاعوا الارتقاء في صفوف القوات الأمنية. برأيي، حصر استعمال مثل هذا التعبير لهذه المجموعة من الأفراد، لأسباب عدة، منها الثقافية ومنها التاريخية. فعلى المستوى الثقافي، يدل استعمال مثل هذا التعبير على الانتماء الصلب الذي يميز العلاقة بين جميع أبناء الطائفة الواحدة، وحقيقة الشعور بأن الطائفة الدرزية، هي عبارة عن عائلة واحدة موسعة. أما التاريخي، فله علاقة بغياب مثل هذه الوظائف من أيدي أبناء الطائفة في الفترة ما قبل قيام الدولة، وتحديدًا خلال فترة الانتداب البريطاني، وحقيقة أن سلطات الانتداب، فضلت تجنيد أفراد من طوائف أخرى، عاشت في المنطقة، لإشغال وظائفه رسمية وعسكرية.

والحقيقية هي، أن أبناء الطائفة الدرزية، كانوا قد تعرفوا على مثل هذه الوظائف، وبشكل جماعي فقط في فترة ما بعد قيام دولة إسرائيل، وبعد أن انخرط أبناؤها في الخدمة العسكرية وقوات الأمن، ومن ثمة في المكاتب الحكومية المختلفة، بما فيها وزارة التربية والتعليم، ووزارة الداخلية والخارجية وغيرها، الأمر الذي يفسر حقيقة ترسيخ أسماء ملأت مثل هذه المناصب في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي في أذهاننا، وذلك بالرغم من مرور فترة طويلة منذ ذلك الحين، وبالرغم من كون مثل هذه المناصب فقدت الكثير من الاهتمام في عهدنا الحديث.

ومن حق من يرى بصاحب وظيفة رسمية في سلك الدولة أهلا لفخر الطائفة، لكن هناك مجالات كثيرة أخرى يستحق فيها أبناء وبنات الطائفة لقب " كافود لعيدا"، فكيف نقدر ونكافئ ونقيم من عمل جاهداً، وقضى سنوات طويلة من عمره، من أجل مصلحة الطائفة وأبنائها، أليس هو أيضاً كفوء لكل تقدير، وكيف يمكن تقييم إنسان قضى أكثر من ستة عشر عاماً من حياته في إدارة قرية الأولاد في حرفيش، وبذلك أنقذ عشرات الأولاد من خطر الضياع، فقد استقبل بأيادٍ مفتوحة وقلب دافئ، كل طفل وطفلة، من أبناء الطائفة، ضاقت بهم الدنيا، لسبب من الأسباب، ولم يجدوا حضنًا دافئًا لهم سوى في قرية الأطفال؟
وما هو التعبير الملائم للتعريف بدور السيد معذى زيدان، وكيف يمكن أن نقدر الجهود التي بذلها من أجل إنجاح هذا المشروع العظيم، الذي يحضن في هذه الأيام، ما يقارب 75 صبيًا وصبية، تتراوح أعمارهم بين سنتين ونصف وثمانية عشر عاماً. فحضنهم على مدار سنوات طويلة، حتى نشئوا وكبروا، واستطاعوا الانخراط من جديد، في مجتمعنا، وها نحن نراهم بيننا في أغلبيتهم صبايا وشبابا من خيرة أبناء مجتمعنا.
 
لم يكن لقائي مع السيد معذى زيدان في قرية الأولاد في منتصف الشهر المنصرم، من باب الصدفة، بل كان محاولة جديدة مني لأطلع على مؤسسة قرية الأولاد من قريب مرة أخرى، حيث كانت المرة الأولى، خلال دراستي الجامعية في جامعة حيفا، حين زرت أنا ومجموعة من رفاقي في جمعية الأكاديميين الدروز، المؤسسة الجديدة حين ذاك، ولم تفارقني يوماً منذ ذلك الحين، الفرحة التي عمت القرية من الفعاليات التي قدمناها، والأغاني الجميلة التي قدمها صديقنا على مقعد الدراسة، ابن بيت جن، الأخ ماهر أبو عاصي.
وكما توقعت، ومنذ اللحظة الأولى، التي دخلت القرية، برفقة العم معذى، وبدون أي سابق انذار، بدأ الأولاد يتراكضون ليقبلونه ويطمئنون عن سلامة أبيهم الروحي، وليتأكدوا بأنه على أحسن حال، وأن وعكته الصحية لم تؤثر على معنوياته العالية وروحة الشهمة، ناهيك عن الصبايا والشباب، من طلاب القرية وطالباتها، الذين استغلوا الزيارة المفاجئة، لكي يحدثونه عن أخر إنجازاتهم التعليمية، وعن برامجهم المستقبلية، معبرين بذلك عن تقديرهم لما قدم هو لهم في الماضي.

لقد عززت زيارتي لقرية الأولاد، برفقة العم معذى في داخلي، نوعية الشخص الذي يستحق، وبمصداقية، تعابير إجلال واحترام كثيرة وبجدارة. من جهتي أيضا، يمكن لطائفة كاملة أن تصف شخصية وصلت أعلى المراتب بتعاريف مشابهة، ولكن بالنسبة لي، تبقى ابنة قرية المغار، السيدة سناء سعد، والتي تحتضن هي وزوجها أيمن، مجموعة من الأولاد في القرية، وبالرغم من أن معرفتي بها لا تزيد عن 25 ثانية، منذ لقائها على مدخل قرية الأولاد، هي القدوة الحقيقية، لمن يستحق ألقاب التبجيل والتقدير، وذلك بعد أن حضنها ذلك الصبي الذي لا يتعدى عمره 10 سنوات، قبل أن تقله الحافلة إلى مدرسته، بكلمات "بحبك ياما". ومثلها، كذلك أبناء قرية حرفيش، السيد شنان شنان وزوجته نوال، وابن قرية البقيعة الأخ فؤاد مهنا وعقيلته من قبلهم، وغيرهم من العائلات المفعمة بالإنسانية والمحبة والذين ضحوا من أجل إنجاح المشروع وبالحفاظ على أولادنا.
 
 أما العم معذى، فهو بالطبع بغير حاجة لشهادتي، لأن شهادته محفورة في قلوب الشباب والصبايا الذين أحتضنهم خلال السنوات التي قضاها معهم، وبهذا الزيارة المباركة، اسمحوا لي أن أقدم له باسمهم وباسم الكثيرين من أبناء الطائفة، الذين يرون في شخص مثله قدوة للمجتمع ورمزا للعطاء فيتوجونه بوسام الشرف "أفي هعداه"، أي "أب الطائفة". 