المرحوم الشيخ أبو حسن كامل طريف
انتقل إلى رحمته تعالى، في قرية جولس، في الثاني والعشرين من شهر آب، المرحوم الشيخ أبو حسن كامل طريف، عن عمر يناهز الثلاثة وتسعين عاما، حيث كان من الشخصيات الدرزية المعتبرة في البلاد. وكان المرحوم قد ولد في بيت عريق، من التقوى والدين والقيادة الروحية خلال قرون،  بيت عائلة طريف في جولس، حيث نشأ في كنف والده،  المرحوم الشيخ أبو كامل سلمان طريف (1888- 1978)،  وبجوار بيت عمه، المرحوم فضيلة سيدنا  الشيخ أبو يوسف أمين طريف ( 1896- 1993)، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية (1928- 1993) وفي بيت جده، المرحوم الشيخ طريف طريف، الذي تولى الرئاسة الروحية بين السنين 1889 حتى وفاته عام 1928.
وقد شب المرحوم أبو حسن كامل ونشأ في بيت مشبع بالديانة، والتقوى، والقيادة، والرئاسة الروحية، والبيوت المفتوحة، واستقبال كبار المشايخ، والحكام، والأعيان، والمسئولين، والوجهاء. فقد تولى جده المرحوم الشيخ طريف طريف، شئون الرئاسة الروحيةـ في البلاد، بعد وفاة المرحوم الشيخ مهنا طريف، الرئيس الروحي، الذي بادر إلى ترميم وتجديد بناء مفام النبي شعيب (ع) في حطين، وجعله قبلة للزائرين، ومقصدا ومحجا للوفود التوحيدية من كل مكان، فرسخ بذلك جذور الموحدين الدروز في البلاد، وسعى لدى السلطات العثمانية، للاعتراف بالطائفة الدرزية، وتأسيس محاكم وإدارات مذهبية خاصة بها. وقد استمر بهذه المساعي بعده، المرحوم الشيخ طريف طريف ،الذي كانت له مكانة رفيعة في أوساط القيادات العثمانية في البلاد، وتكللت مساعيه بالنجاح، فصدر فرمان عثماني عام 1909، يقضي  بالاعتراف بالطائفة الدرزية كمجموعة مميزة لها مكانة خاصة، وتم بموجب هذا الفرمان، تعيين فضيلة المرحوم الشيخ طريف قاضي مذهب خاص بالدروز، يبت بالأمور الشرعية المتعلقة بالطائفة الدرزية، ويقوم بتعيين رجالات دين في الخلوات في الكرمل والجليل، كما منح صلاحية البت بالشئون الدينية المتعلقة بدروز بيروت، هذا بالاضافة إلى موقعه الديني كرئيس روحي. وكان فضيلة الشيخ طريف، شخصية فذة، وزعيما قياديا لامعا، ووجيها بارزا في البلاد، حيث كان له نفوذ واسع وتقدير واحترام في كافة المجمعات في المنطقة، وكذلك ربطته علاقات حميمة مع رجال الدين والزعماء الدروز في سوريا ولبنان، كما أنه رافق الحكام والولاة العثمانيين بعلاقاته الدبلوماسية الحكيمة، حتى انضواء البلاد تحت إشراف الانتداب البريطاني، الذي كان اكثر انفتاحا وحرية من العثمانيين، فاستطاع فضيلة المرحوم الشيخ طريف، أن يحافظ على مكانة الطائفة الدرزية الصغيرة في البلاد، وعلى حقوقها، وعدم المس بمؤسساتها وشعائرها الدينية والمذهبية. وقد أرسل ولديه للدراسة في أماكن مميزة، الشيخ سلمان للدراسة في الأزهر الشريف في القاهرة، كما بعثه للقاء الجاليات الدرزية في دول أمريكا الجنوبية، والاطلاع على أوضاعهم، وحثهم على المحافظة على تراثهم، وعاداتهم وتقاليدهم في المهجر، وعلى دوام الاتصال بالمشايخ في سوريا ولبنان، وأرسل سيدنا المرحوم الشيخ أمين للدراسة في خلوات البياضة الزاهرة.
وعندما انتقل فضيلة المرحوم الشيخ طريف إلى رحمته تعالى عام 1828، تم تعيين فضيلة سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف، رئيسا روحيا للطائفة الدرزية في البلاد، وتعيين المرحوم الشيخ أبو كامل سلمان طريف، قاضي مذهب للدروز في البلاد، يبت في الأمور الشرعية والأحوال الشخصية لدروز البلاد.
 
وكان الشيخ أبو كامل سلمان طريف، ذا مكانة اجتماعية ودينية رفيعة في البلاد والمنطقة بأسرها، فقد تعلم في الأزهر الشريف، لمدة خمس سنوات، وأصبح من كبار الخطباء والمتكلمين، وأصحاب البلاغة والمواقف بين جميع الطوائف والسكان في المنطقة. فكانت كلماته وخطاباته وتصريحاته، تتناقلها المجالس والصحف، وتثني على بلاغتها وحسن إلقائها وقوة حجتها. وكان المرحوم الشيخ سلمان، أكبر معين ونصير ومساعد للمرحوم أخيه سيدنا الشيخ أمين، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية. فقد تولى مثلا معالجة قضية مقام النبي شعيب (ع) في حطين، الذي أخذ المجلس الاسلامي الاعلى، بقيادة الحاج أمين الحسيني، بالمطالبة بنزعه من حوزة الطائفة الدرزية، وضمه للمؤسسات الاسلامية الدينية في البلاد. فقام الشيخ سلمان بمقابلة كافة الشخصيات المسئولة في البلاد، ابتداء من الحاج أمين الحسني، والمندوب السامي، ورجالات الانتداب، والأئمة المسلمين وغيرهم، مبرهنا لهم أن مقام النبي شعيب (ع) في حطين، منح للطائفة الدرزية زمن الدعوة، وثبت منحه في عهد السلطان صلاح الدين الأيوبي، وبعدها قام الشيخ مهنا طريف، يجمع التبرعات من أبناء الطائفة الدرزية في سوريا ولبنان والبلاد، لترميمه وإعداده لزيارات الموحدين الدروز، وهم الوحيدون الذين تبرعوا لذلك. لكن كل هذا، لم يثن المسئولين المسلمين عن طلباتهم، فقدم الشيخ سلمان طريف الأمر للبت فيه قضائيا في المحكمة في طبريا، وعين المحامي أحمد الشقيري من عكا في حينه، وكيلا عن الطائفة الدرزية. وقد حسم الموضوع لصالح الطائفة الدرزية عام 1946 وجرت في الخامس والعشرين من نيسان إحدى أكبر الزيارات السنوية للمقام بحضور وفد كبير من مشايخ لبنان وسوريا برئاسة  سيدنا المرحوم الشيخ أبو حسين محمود فرج. وبعد إقامة دولة إسرائيل وعند تأسيس المحاكم الدينية الدرزية تم تعيين فضيلة سيدنا الشيخ أمين طريف قاضيا ورئيسا لمحكمة الاستئناف الدينية الدرزية، وعين الشيخ سلمان طريف قاضيا في المحكمة الدينية البدائية.وقد ظل فضيلته في هذا المنصب حتى  خروجه للتقاعد. وكان بارزا في قراراته وفي تصريحاته  وفي لغته المميزة وفي مواقفه الجريئة والحكيمة، وأعماله لصالح أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان.  
وفي هذا الجو وفي هذه الاطر، نشأ وترعرع المرحوم الشيخ أبو حسن كامل طريف، ينعم بتقوى عمه، وببلاغة والده، فشب مثقفا، دينا، له اطلاع واسع على شئون الأدب والدين والعلاقات الدولية، والتطورات السياسية في المنطقة والعالم، وله حب استطلاع وقدرة على التفهم والدراسة وربط العلاقات الودية مع ممثلي الطوائف ومع سفراء الدول، ومع أوساط أهلية وجامعية وطائفية. كما اتسم بحسن الملقى، وبالقدرة الهائلة على التعبير البلاغي، وتوضيح الأمور، فكان خير من يشرح شئون الطائفة الدرزية ومشاكلها وتطلعاتها أمام المصادر الخارجية، وعند كل من كان له اهتمام بالطائفة الدرزية. وقد كان صاحب البيت المفتوح،  وتميز بالبشاشة والأرحاب والكرم والسخاء والجود، فقد دعا إلى بيته آلاف الشخصيات السياسية والدينية  والطائفية والدبلوماسية من البلاد وخارجها، كما انتهج خلال سنوات   في الربيع، وقريبا من عيد النبي شعيب (ع) وعيد الاستقلال، دعوة وجهاء من جميع الطوائف إلى جانب شخصيات حكومية ودبلوماسية وسفراء وأصحاب مراكز عالية، إلى لقاء في بيته  في جولس، تميز دائما بالود والصداقة والسخاء والكرم وحسن استقبال الضيوف. وكان المرحوم أبو حسن شيخا متكلما، جهوري الصوت، صاحب حضور، ذا لباقة وذكاء وانتباه لكل شيء، فكان كل من يشارك في هذه اللقاءات يخرج حاملا ذكريات طيبة عن الطائفة الدرزية ورجالاتها. وقد ربط المرحوم علاقات طيبة مع سفراء الدول والقناصل وفي مقدمتهم سفراء المملكة الأردنية الهاشمية، وجمهورية مصر العربية، وقادة السلطة الفلسطينية وغيرهم. وقد أجاد عدة لغات، فكان خير متحدث باسم الطائفة الدرزية، وقد دعي لزيارات في الدول المختلفة في العالم، فظهر بالزي الدرزي، وشرح مواقف الطائفة على أحسن وجه. وقد ظل حتى أيامه الأخيرة، مواظبا على التواصل مع أصدقائه ومعارفه من كافة الطوائف والدول. وكان داعما لسيدنا فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، ولفضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف فيما بعد، وللوزير السابق صالح طريف، وظل بيته مفتوحا للقاصي والداني حتى أيامه الأخيرة.
وعندما انتقل إلى رحمته تعالى، تقاطرت الوفود إلى قرية جولس للمشاركة بالعزاء وتشييع الجثمان، وجرت له جنازة كبيرة بحضور مشايخ البلاد من هضبة الجولان والكرمل والجليل وممثلي الطوائف وجمهور غفير. وألقيت في تأبينه كلمة الوزير السابق صالح طريف  والكلمة التالية لفضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية:
 "بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
 كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ، فسبحان الدائم الباقي الحي الذي لا يموت، والحمد لله الواحد الاحد القادر، والشكر والثناء للفرد الصمد القاهر. هو البادئُ والمعيد، والمُنجِزُ لما يريد، الذي تسامى في عُليائه، وتعاظم في مجده وكبريائه. سبحان من خلق البرايا ودبرها، ورفع الافلاك وسيرها، وَبَرَأ الخلائقَ وأحياها، ثم ادار عليها كاسُ المنون فأفناها، الذي تفرد بسلطان الوحدانية، وتنزه عن صفات البشرية، جل جلاله، وسما عظيمُ مقالَهُ.
شيوخنا الأجلاء, السادةُ الحضور، أيها الحشدُ الحافلُ, أيها المشيعون الاكارم:          
لقد شاء القدر, بحكم القضاء المحتوم, أن نقف اليوم في هذا الموقف المَهيب خاشعين خاضعين امام حُكم القادر, ورهبة الموت الذي لا مهرب منه ولا فوت، لنُشيِّع جثمان فقيدنا وعميدنا الراحل, عمنا العزيز الكريم, الشيخ ابي الحسن كامل سلمان طريف, ونودعه الوداع الاخير, تغمده الله برحمته، واسكنه فسيح جنته. 
جميعُنا يعلم, ان المرحوم, فقيدنا الراحل, العم الشيخ ابا الحسن, كان عَلَماً مِن أعلامِ طائفتنا المعروفية, وانه تربى تربيةً صالحة ً, في بيتٍ صالِحٍ, ونشأَ على محبة الخير واهله, وترعرع في بيت المرحوم والده الشيخ ابي كامل سلمان طريف, الذي عُرف عنه أنه كان خطيبا فصيحا، ومحَدِّثا بليغاً. من الشيوخ اللذين ندر وجودهم في مجتمعنا التوحيدي, في تلك الحقبة من الزمن. رَجُل عِلمٍ واجتماعٍ وثقافةٍ وأدبٍ وأخلاق, رائدا من رواد المعرفة والإطلاع، ومِن أصحاب المواقف المشرفة التي تشهد له بالفضل والعزة والفخار. صاحب البيت الواسع والأيادي البيضاء الممدودة للعطاء, والعمل المبرور. 
لقد كان فقيدنا الراحل, العم الشيخ ابو الحسن, معروفا عبر سني حياته التي قضاها. لقد كان انسانا مؤمنا، وعاقلا مدركا. كان عصاميا خلوقا، مطلعا، محدثا، كان شهما غيورا وعنصرا فعالاً، له في الاوساط والمجتمعات مواقف مشرفه وبصمات تاريخية, تشهد له بها مواجهاته الشخصية وأعمالهُ الخيرية, مُنذ قيام هذه الدولة وحتى أيامه الأخيرة.
كان الصديق الوفي لمن صادقه، والمخلص الحميم لمن رافقه. كان ناصرا ونصيرا للحق والدين ولأهل الدين، وكان السندَ والمعين واليد اليمنى للمرحوم جدي الشيخ ابي يوسف امين طريف, الرئيس الروحي للطائفة, في المهمات الصعبة الشائكة, والتي تَصُبُ في مصلحة وكرامة الطائفة, فكان الامين المخلص الوفي، صاحِب  الآراء السديدة والخِصال الحميدة, والسيرة الحسنة المستقيمة, وفي هذا وعليه, يشهدُ كُلُ مَن عَرَفهُ في تلكَ الحقبة مِن الزمن. لقد كان راحلنا, العم الشيخ, علما من أعلام الطائفة, وركنا من أركانها, وزعيما قائدا مِقداماً, وقف في طليعة قادة هذه الطائفة في فترة من أصعب الفترات من كينونتها, في مرحلةٍ حرجةٍ من مراحل مسيرتها التاريخية, فتميز بحكمته إخلاصه لطائفته ومجتمعه, واستطاع بمساعدة مجموعة من اعيان هذه البلاد, أن يُجَنِّبوا الطائفة كثيراً مِن المآسي, والكوارث, والمحن, وان يقودوها  إلى بر الأمان.
ولا يمكن أن ننسى الكرم والسخاء الحاتمي, والبيت المفتوح, الذي كان مقصدا ومحجةً لكافة الضيوف والنزلاء, أبناء جميع الطوائف والاديان, حيث كان هذا المنزل مضافةُ الطائفة, وكل من دخلهُ يشعُر وكأنهُ صاحب البيت, وينالُ كلَ ما يُمليهِ واجبُ الضيافةُ والكرم, بنفسٍ طيبةٍ وبروحٍ عاليةٍ وبإرحاب كبير .
المشيعون الكرام, لقد كانت لِراحِلنا المرحوم علاقاتٌ خاصة ومميزة تربطهُ برؤساء وسفراء العديد مِن الدول, في بلادنا وخارجها, كان قد أقامها من اجل خدمة المجتمع والجمهور, العربي والإسرائيلي, في هذه الديار.
لقد قام العم الراحل بتأدية دوره في الواجبات والمشاركة بالمناسبات العامة لدى الجميع، فهو رجل المجتمع والمناسبات, وقد خَلَّفَ, رحمه الله, انجالا واحفادا كراما محترمين, نستعيض بهم بِفَقْدِهِ, يسيرون على خطى ودرب المرحومين, والدهم وجدهم, ونحن على ثقةٍ مِن أنهم, وبتوفيقٍ مِن الله سبحانهُ, سيكونون  خيرُ خلفٍ لخيرِ سلف.
واخيرا عزاؤنا بكريماته المصونات وأنجاله الكرام حسن وسلمان الذين نقدرهم ونعتز ونفتخر بهم لنا العوض بسلامتهم حيث رباهم المرحوم احسن تربية ولهم مكانتهم ومركزهم في المجتمع، للراحل الرحمة ولكم من بعده طول البقاء. وانا لله وانا اليه راجعون. ". 