المرحوم الشّيخ أبو علي حسين رمّال
بقلم الأستاذ الشبخ يوسف سعيد أبو يوسف - يركا

وفي اللّيلة الظّلماء يُفتقدُ البدرُ
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم والحمد لله ربِّ العالمين، ولا حولَ ولا طَوْلَ الا بالله العليّ العظيم، والصّلاةُ والسّلامُ على سيّد المُرسلين وخاتَم النبيّين وصحبهِ الميامين أجمعين.
أمَّا بعد،
استكتبتُ يَراعي فتمنَّعَ ولكزتُ قريحتي فتبلَّدت، وكيفَ يستجيبانِ لإرادتي والرّاحلُ الكبيرُ أكبرُ من كلِّ كلامٍ يمكنُ أن يُقالَ فيه؟ وهل تحيطُ بمناقبهِ عباراتٌ، أو يُلمُّ بسجاياهُ وشمائله لسانٌ مهما بلغ من البلاغةِ العربيّة وتفنّن بأفانين البيان؟ ومع ذلك سأحاولُ قدر المستطاع إيفاء الرَّاحل العظيم بعضَ حقِّهِ.
كم صدقَ الشّاعرُ حين قال: "وليس على الله
بمستنكَر ٍ    أن يجمعَ العَالَم في واحدِ"
فلا أُبالغُ اذا قلتُ أنَّ فقيدنا الغالي كان عالماً قائماً بذاتهِ، عالماً في دينهِ وتديُّنهِ الخالصين لوجه الله تعالى، كيف لا وهو سليلُ أسرةٍ شريفةٍ ومن بيتٍ يركاويٍّ عريقٍ وأثيلٍ في الدّين، بيت المرحوم الشّيخ الطّاهر طيّبِ الذِّكر أبي حسين علي رمّال نفّعنا الله ببركاتهِ، ففي جوٍّ دينيّ توحيديّ محض، نشأ وترعرع فقيدنا الّذي انصرف ومنذ نعومة أظفاره إلى درسِ وفهم آيات الحكمةِ الشّريفة، وسائر الكتب السّماويّة التّوحيديّة، فتحقق لهُ ما أرادَ وبعونه تعالى، من دراسةٍ وتمحيصٍ وسبْر أغوار المعرفة التّوحيديّة والثّقافة الدّينيّة الشّاملة، وقد حباه العليّ القدير حِدّة الذّكاء مع قوّة الحافظة، وهو في رحلته تلك كان دائماً متعبّداً في محراب الحقيقة، باحثاً عن جوهر كينونة الإنسان، أرقى المخلوقاتِ على وجه البسيطةِ، ومتّخذاً من فلسفةِ التّوحيدِ وما تتضمّنُهُ من قيمٍ إنسانيّة سامية وخالدة دستوراً في حياته الشخصيّة، حتّى غدا في سلوكه القويم ونهجه السّليم مثالاً يُحتذى به، لا بل نبراساً ينيرُ سبُلَ المهتدين، فذاع صيته في يركا وخارجها وسطع نجمه ولم يبلغ الكهولةَ بعد، لِما تحلّى به من سامي الخِلال وحميدِ السّجايا، ولِما أُثرَ عنهُ من أريَحيّةٍ أصيلةٍ ونُبلِ أخلاقٍ تجلّلت بالشّرف الرّفيع، بالصّدقِ في الأقوال والأفعال، بالتّقوى والورعِ، بالأمانة المتناهيةِ، بالكرمِ الحاتميّ، بالإيثارِ ومحبّة الآخر لكونهِ إنساناً من خلق الله عزَّ وجلَّ، بالتّواضع المقرون بالقناعة الذّاتيّة، بعفّةِ النّفس وطهارتها، بحُسن الطّويّة وصفاء السّريرة، وبالأنَفةِ والإباء ومع كل ذلك بالجُرأة الأدبيّة والصّراحة وبشجاعةِ أشجع الشّجعان، والديّانُ الحقيقيّ شجاعٌ غير جبان. وكقول الشاعر الّذي قالَ: "لا دارَ للمرءِ بعد الموتِ يسكنها     إلا الّتي كان قبل الموتِ يبنيها"
فنِعْمَ الدّار الّتي بناها هذا الرّاحلُ الكبيرُ، الكبير حقّاً في كل شيء.
أمّا أنّه كان عالماً في دنياه، فلأنّهُ عاش الحياةَ بطولها وعرضها، فقد بلغ من العمرِ ما ينيفُ عن السّابعةِ والتّسعينَ حَولاً، وهو يُعتبرُ من المُعمَّرين، وبذلك يمكن اعتبارُ سيرة حياتهِ "تاريخاً كاملاً" في رجلٍ واحد، تاريخاً حافلاً بالإنجازات العظيمة على الصّعيدين المحليّ والقطريّ، إنجازات جُلّى لا يمكن حصرها في هذه السّطور، هذه الإنجازات والنّشاطات الجمّة التي قامَ بها المرحوم اتّسمت جميعها بطابع الخدمة الإنسانيّة لكافّة أبناء المجتمع، وهي ومع ما ذُكر عن الجانب الدّينيّ في شخصيّتهِ، قد خلّدت اسمه في سجلّ الخالدين، وحفرته في ذاكرةِ كُلّ مَن عرفه وعمل معه. ألمْ يقلِ الرّسول العربيّ الكريم ﴿صلعم﴾: "خيركم من طال عمرهُ وحَسُنَ عملهُ"؟ حقّاً إنّما المرءُ حديثٌ بعدهُ. وهو –رحمه الله- ورغم عزوفه عن كلّ مباهج هذه الدّنيا الفانية وزخارفها، واحتقاره لها في قرارة نفسه لشدّة إيمانه بالدّار الآخرة، ولتمسّكهِ بحبل الله تعالى وعمله غير المنقطع ليلاً ونهاراً للفوز برضوانه جلَّ وعلا، شاركَ كُلّ النّاس ومن كلّ الطّوائف أفراحهم وأتراحهم، لإيمانهِ العميق بضرورة التّواصل الإنسانيّ، فكنتَ تراهُ في كلِّ مناسبةٍ أو محفلٍ بقامته المنتصبة السّامقة، وبوجهه المنبعث منه نور الإنسانيّة، بدماثة أخلاقهِ، بلطافة حركاته وحلو حديثه، وبحضوره المميّز وغيرته على أبناء بلده ومجتمعه الّذين أحبّهم بكلّ جوارحه، وتفانَى في خدمتهم وفي العمل على تحسين أوضاعِ قريته. كلُّ ذلك عملاً بما ورد في الآية القرآنيّة الكريمة (الآية 92 من سورة آل عمران): "لن تنالوا البِرَّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون" صدق الله العظيم. ولا تتّسعُ هذه الصّفحات لتعداد ما أنفقهُ هذا الرّاحلُ البارّ، ومِمَّ لم يُنفق؟ ألَمْ يُنفق من وقته وماله وأملاكه وأرضه وحياته الشّخصيّة في سبيل الآخرين؟ ألَمْ ينذر نفسهُ لخدمة الله تعالى ولخدمة أبناء مجتمعه قاطبةً؟
لقد رفع المرحوم شعار العلم والمعرفة على أنّهما أساس الخير جميعه، فنادى بالتعلّم الهادف البنّاء وبالتزوّد من مناهل الثّقافة الصّحيحة، ونادى بأخوّة بني البشر وبالتّعايش المُشترك، وبنبذ التّعصّب الدّينيّ عملاً بقول السيّد المسيح عليه السّلام : "ربّي علّمني أنّ التّسامح أعلى مراتب القوّة". ولقد كان على قدْرٍ كبيرٍ من الثّقافة الأدبيّة والإنسانيّة والدّينيّة، وكان مطالعاً فطِناً ومتذوّقاً لشتّى أنواع المطالعة ومصادر المعرفة، فما زلتُ أحفظ وأُردّد أشعاراً وحِكَماً لم أسمعها من غيره، ناهيكَ عن الطُّرف النّادرة والقِصَص المثيرة المدهشة والأحاديث العذبة المشوّقة، ويا لهُ من محدّثٍ لَبِقٍ فَكِهٍ يأسرُ مشاعركِ حين تسمعهُ! آهٍ... ما كان أجمل تلك اللّقاءات! وما كان أطيب تلك السّهرات! فيا لَفداحةِ خسارتنا برحيله عنّا! ويا لَلحسرةِ واللّوعةِ من بعده! ليت شعري هل تعود تلك الأُويقات الجميلة ؟
أجل هوذا أنت يا معلِّم الخير، يا مؤازر الضّعيف ومغيث الملهوف، يا من قضيتَ عمرك مجاهداً لرفع لواء الحقّ، ويا مَن خلبْتَ ألبابنا واستحوذْتَ على كلّ مشاعرنا لوقارك وجَلال هيبتك، إنّك التّقيُّ النّقيُّ الحليمُ العَلمُ الديّان العارف المقرّ بعجزه الشّيخ الورع المفضال أبو علي حسين رمّال، فهل يمكن نعتك بأكثر من الشيخ "أبي علي حسين رمّال" ؟ لا أظُنّ...
لَكمْ أتشرّفُ بأنّكَ كُنتَ خال والدتي المرحومة، والخِلَّ الوفيَّ لوالدي المرحوم الشّيخ أبي محمّد سعيد صالح أبو يوسف، فقد جمعتكما سبعةُ عقودٍ من الصّداقةِ الحميمة والقرابةِ الأكيدة، وقد سمعتهُ ذات يومٍ يقولُ فيك وبكلِّ تأثّر وانفعال: "إنّك حقّاً كثيرُ المتابعة قليل المراجعة" وها أنا أقول عنك اليوم، وبعد معرفتي لك لسنين طويلة وبكلِّ فخرٍ واعتزاز: "أنتَ أنتَ المثالُ الأعلى والقدوة الحسَنة لكلّ مَن ابتغى سَلْك مسلكَ التّوحيد الحقيقيّ"
سوف نتوق لرؤية طلعتك البهيّة ما غرّد طيرٌ في الشّجر، وسوف تهفو نفوسنا للقائك وسماع همساتك الدّافئة ما تألّق بدرٌ في السّحَر. ولكن...
"إنْ لم تكنْ نُصْبَ عيني كان شخصك في   قلبي وذكرك يحُلي خاطري وفمي"
طوبى لك على ما حظيتَ به من وفاةٍ للصّالحين الطيّبين، خصّك بها العليّ القدير صبيحة نهار الجمعة الموافق 26.6.2015 (وللأرقام هنا دلالاتٌ ودلالات) جمُعة الأولياء والصّدّيقين البَرَرة، ومن حُسْن مآلٍ تمثّل في إجلالٍ وإكبارٍ واستشعارٍ واتّعاظ يومَ شُيِّع جثمانك الطّاهر إلى مثواهُ الأخير. فأنت حقّاً "مِنَ الّذين لا خوفَ عليهم ولا هُم يحزنون".
طيّب الله تعالى ثراك، وإلى جنّات الخُلد أيّها الرّاحلُ الباقي في قلوبنا ما أشرقتْ شمسٌ صباحَ كلِّ نهار.
إنّا لله وإنّا إليه لراجعون. 