تألق القرى الدرزية في نتائج البجروت

مرة أخرى تهب علينا نسائم منعشة من شمالي البلاد، وتنبئنا بصعود قرى درزية إلى رأس قائمة الناجحين في امتحانات البجروت في البلاد. ومرة أخرى نرفع رؤوسنا بقرية بيت جن الشامخة بنتائجها العالية، وبإنجازاتها الكبيرة في هذا المضمار الهام. وقرية بيت جن، التي فاجأتنا في هذا الإنجاز الكبير قبل سنوات، وكانت مصدر فخر واعتزاز لنا، ما زالت مستمرة في تحقيق هذا العمل الكبير، حيث تألقت هذه المرة إلى رأس القائمة، وسبقت مدنا وقرى اشتهرت بالتقدم العلمي، وبالمستوى المعيشي وبالإنجاز الثقافي. وقبل سنوات حاولنا أن نبحث في جذور هذه الظاهرة في بيت جن، واجتمعنا بمدير المدرسة الثانوية، الأستاذ علي صلالحة،  وبمدراء المدارس وكبار المعلمين، ووصلنا إلى معرفة حقيقة هذا الإنجاز، الذي لم يكن صدفة، وإنما جاء نتيجة لخطة مدروسة محكمة، وبسبب تجند كافة الأوساط في قرية بيت جن، من قيادة وإدارة تربوية، ولجان أهالي وسكان وطلاب، حتى أن كافة الأوساط الشعبية والأهلية، رأت بهذه المهمة هدفا غاليا، وغاية نبيلة، يجب الوصول إليها بكل ثمن، تمشيا مع ما نعلمه عن قرية بيت جن، التي اشتهرت في التاريخ، أنها إذا صممت على تنفيذ شيء، فلا قوة تقف أمام ذلك، وأنها بعزائم أبنائها، وبقدراتها، وبعونه تعالى، استطاعت أن تجند كل الإمكانيات والقدرات، لتحقيق هذا الهدف السامي النبيل. وقد لمسنا في ذلك الوقت، أن هذا الإنجاز، لم يكن لمرة واحدة، ولم يكن مبنيا على أساس تحقيق هدف والاكتفاء بذلك، وإنما رأينا أن هاجس التعليم دخل في عقلية كل مواطن في بيت جن، ودفعه لأن يعمل ما باستطاعته من أجل تحقيق ذلك. كما فهمنا أن البجروت، في بيت جن، هو واسطة، وليس غاية، واستقصينا عما وراء ذلك، فوجدنا أن المئات والآلاف من أبناء قرية بيت جن، أصبحوا جامعيين، يرتادون كافة المعاهد العلمية الأكاديمية في البلاد، ويحملون الشهادات العالية، ويحصلون على الوظائف والمراتب اللائقة في الدولة، ويدفعون المجتمع إلى الأمام. وقد كان هذا حلما يراودنا طول حياتنا، أن نرى مجتمعنا التوحيدي، يهتم بالتعليم، ويضع كل قدراته فيه، ويحاول ان يصل إلى أعلى الدرجات في تحقيق ما يستطيع. وجاءت النتائج اليوم لتظهر لنا، أن قرية بيت جن، تسير على الطريق الصحيح، وفي النهج القويم، وأنها لا بد أن تصل بعقول أبنائها وبثقافاتهم، إلى قيادة الحركات العلمية والصناعية والتكنولوجية في البلاد.
وبجانب فرحنا وافتخارنا بقرية بيت جن، يجب أن لا ننسى، أن هذا الهاجس، دب كذلك في قرى درزية أخرى مجاورة، فجاءت النتائج، وأثبتت لنا أن قرية المغار هي الأخرى، قد حصلت على نتائج كبيرة في هذا المضمار، ووصلت إلى مرتبة عالية، وهي في طريقها في التقدم للوصول كذلك إلى رأس القائمة. وحسب النتائج المنشورة، يحق لنا أن نعتز ونفتخر كذلك، بقريتي حرفيش والبقيعة اللتين، كما فهمنا، وصلتا إلى نتائج أفضل من نتائج بيت جن، لكن القائمة التي نشرتها وزارة المعارف، اقتصرت على القرى التي يزيد عدد سكانها عن عشرة آلاف نسمة. وهذا لا يقلل من أهمية وضخامة الإنجاز الكبير الذي حققتاه حرفيش والبقيعة، ونصرح هنا، أننا فخورون بهذه القرى كذلك، وبأهاليهم، ونحن سعداء أن نشاهد النهضة العلمية الكبيرة المتوهجة في دروز الجليل الأعلى، مبتهلين إلى الله، سبحانه وتعالى، أن تصل شظايا هذا التوهج إلى باقي قرانا في البلاد، حتى نستطيع أن نثبت وجودنا وقدراتنا وإمكانياتنا في المجالات التي يتطلبها العصر، والتي لا يمكن اليوم العيش بدونها،  وذلك بعد أن أثبتنا اننا، تألقنا في الشجاعة، وفي الكرم، وبالمحافظة على الدين والعرض، وفي التسامح وفي فضائل كثيرة أخرى.
وأعود وأكرر القول، إن الطائفة الدرزية، قليلة العدد، لكن مفعولها كبير، وقدراتها هائلة، وهي الطائفة الوحيدة التي صمدت مذهبيا، أمام عواصف عاتية من التطرف الديني والتخلف والجهل، وهي التي استطاعت بشجاعتها وحنكتها أن تحافظ على أقدس مقدساتها، في بحر خضم هائج من العنف والحروب والقلق، وهي التي تتمسك برموزها وأعلامها وأسرارها في وجه الطغيان والقتل والتشريد، هي كذلك، تستطيع أن تصمد أمام الموجة التكنولوجية الكبيرة، وليس فقط هذا، وإنما إنها، بقدرتها، أن تدرس طبيعة هذه الموجة، وأن تتحكم فيها وأن تقودها...  