أثبتنا موقعنا العسكري، فلنثبت الآن موقعنا العلمي
بقلم عضو الكنيست السابق أمل نصر الدين ورئيس مؤسسة الشهيد الدرزي
لقد تمكنت الطائفة الدرزية خلال ألف سنة، أن تحافظ على كيانها ووجودها، بالرغم من كل الصعوبات التي واجهتها، وبالرغم من كل الأعداء الذين تربصوا لها، وبالرغم من كل المحن التي مرت بها. وذلك، أولا بعمق إيمانها،وبقوة وحكمة قادتها، وثانيا بشجاعة أبنائها وبسالة محاربيها، وكانت وما زالت، البسالة، والشجاعة، والإقدام، والتضحية، من الصفات التي تلازم أبناء الطائفة الدرزية، في كل تجمعاتهم. وفي كل دولة عاش ويعيش فيها الدروز، نرى أن مكانتهم، ومنزلتهم، وتأثيرهم، ومداخلاتهم، في شئون تلك الدولة، هي أكثر بكثير، من عدد سكانهم، أو نسبتهم في تعداد السكان، وذلك لأنهم أثبتوا في غالبية الأحيان، قدرات، وجدارات، وإمكانيات، أكثر من الآخرين، عوّضت عن نقصهم العددي. ولذلك، استطاعوا أن يشقوا طريقهم في أوساط القيادات في بلادهم، وأن يحافظوا على مصالحهم، وكيانهم، ووجودهم.
 ولا شك، أن عامل الشجاعة، كان له دور كبير في هذا الموضوع.  فطبيعة الجندي والمحارب الدرزي،أنه يقدّم كل ما لديه، وأنه يبذل كل طاقاته، عندما تضطره الظروف، أن يقاتل، وأن يحارب، وأن يشترك في أي معركة.  ويمكن أن ننسب ذلك أيضا، إلى أن الدروز، هم قوم مسالم. فعلى مرّ تاريخهم، لا تُذكر معركة، أو حرب، أو مناوشة، كانوا فيها المعتدين، وإنما غالبية حروبهم، هي حروب دفاع. وإذا وُجدت معركة ما، هاجموا فيها، فهي في نطاق حرب شاملة ولأغراض تكتيكية. فمنذ تأسيس الدعوة حتى اليوم، قبع المواطنون الدروز في رؤوس الجبال، لا يعتدون على أحد، لكنهم يتحوّلون إلى أسود، إذا هجم أحد عليهم. والدليل على إقدامهم وشجاعتهم، هو استشهاد الآلاف منهم، في المعارك المختلفة، التي مرّت بها في الطائفة مختلف العصور. ونحن هنا، في مؤسسة الشهيد الدرزي، نمثّل 400 شهيدا، قاموا بأداء واجباتهم اتجاه دولتهم وطائفتهم، وضحّوا بحياتهم. والكل يعرف أنه توجد من بينهم، عشرات من قصص البطولة، والشجاعة، والتضحية، والإقدام.
واليوم، ونحن في القرن الواحد والعشرين، وفي عصر الإنترنت، والفيسبوك، والتواصل الاجتماعي الآلي، فقد تحوّلت قواعد اللعبة قليلا، وأصبحت الشجاعة والبسالة عناصر هامة، لكنها لا تكفي. فالحرب اليوم، هي حرب أدمغة، وتخطيط، وبرمجة، وتوجيه من بعيد، وليست حرب هجوم، ومباغتة، وانقضاض على العدو. وهذا يتطلب منا، أن نركّز على تعليم أبنائنا، كل الأسس الحديثة، والقواعد الجديدة، والمبادئ المتطورة في كافة العلوم. ففي هذا الوقت، نلاحظ أن أعمالا قتالية تُنفّذ، بواسطة إشارات، وإرسالات إلكترونية، بدل إرسال محاربين إلى ذلك المكان. وهذا لا يأتي من عدم، ولا يمكن أن ينفذ، إلا إذا كان هناك مجموعة من المتعلمين، المتخصصين، المتركزين في هذا الموضوع، ولهذا، علينا اليوم أن نوجّه كل أنظارنا إلى التعليم أولا، لأن العصر هو عصر تعليم، ليس فقط في مجال الدفاع عن النفس، وإنما في كل المجالات الحياتية.
يكفينا أن نستورد أطباء، ومهندسين، ومعلمين، وصيدليين وغيرهم، من الخارج، وعلينا أن نزوّد مجتمعنا بكافة القوى، والعناصر العلمية المطلوبة، كي نستطيع أن نتمشى مع العصر، وأن تظل المبادرة في أيدينا، وأن لا نكون متعلقين أو معتمدين على الآخرين، الذي يرون في وجودهم معنا شغلا، ومصدر معيشة، لكنهم لا يشعرون بمشاكلنا، ولا يمكن أن يعرفوا ما هي متطلباتنا الحقيقية، لأنهم ليسوا منا.
 ولكي نحقق ذلك، يجب أن تقوم كل أسرة، بتوجيه أبنائها من الصغر إلى التعليم، وإلى التألق، وإلى التخصص، وإلى ارتياد الجامعات. وعلى مؤسساتنا أن تدعم هذه العملية، وأن تجعلها راسخة في مجتمعنا، وأن توجّه الشباب إلى تحقيق إنجازات علمية كبيرة، بواسطة تأمين موارد للتعليم، ومشجعات، ومحفزات لكل من يرغب أن يختار هذا الطريق. وعلينا ككل، أن نخلق جوا، نقدّر ونميّز فيه ذوي التعليم العالي، وأن نستقبلهم عند عودتهم من الجامعات، استقبال الأبطال، الذين صفّقنا لهم، ورفعناهم على الأكتاف، عندما عادوا من المعركة.
ونحن هنا في مؤسسة الشهيد الدرزي، نبذل قصارى جهدنا، في أن نؤمن التعليم الجامعي والعالي، لكل من يرغب من أبناء العائلات الثكلى، فقد قمنا بتوزيع خمسين منحة دراسية بمبلغ ثلاثين ألف شاقل لكل طالب على خمسين طالبا وطالبة جامعيين، من أبناء العائلات الثكلى. وسنستمر في هذا النهج في المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، قمنا بتأسيس الكلية قبل العسكرية، لكي تضمن لنا، تأهيل كادر متخصص من القادة والضباط، يسهل عليهم الوصول إلى الجامعات، بعد تخرّجهم، ليكونوا من قادة المجتمع. وسوف نعمل كل ما بوسعنا، في كل مجال، كي نوضّح لكافة أبناء الطائفة الدرزية، أن الطريق للمحافظة على الكيان، وعلى الوجود، وعلى الشخصية الدرزية، هي اليوم في التعليم، وفي التألق، في البحث، وفي الوصول إلى أرقى الجامعات. بالإضافة إلى الشجاعة وإلى البطولة التي تميّزنا فيها حتى الآن. وليس لدي أي شك، أنه، مثلما نجحنا في إثبات صفات القيادة والبطولة في حروبنا، وفي خدماتنا في السابق، فإننا سوف نثبت، أن لأبنائنا توجد كافة المؤهلات، والإمكانيات، لأن نصل إلى النبوغ، وإلى النجاح، وإلى الريادة في العهد العلمي، الذي وصلنا إليه.
ومن مخططاتنا المستقبلية، إقامة مؤسسة التراث الدرزي، لتكون قاعدة ننطلق بها للأفضل، في الأمور التاريخية والاجتماعية والثقافية، ونعمل أيضا مع المؤسسات الرسمية، لإقامة درب الأبناء لذكراهم. ونحن نعمل في كل طاقاتنا، من أجل رفع شأن الطائفة الدرزية، لتكون في طليعة الطوائف في دولة إسرائيل. وقد ووفق على طلبنا، لإعداد الميزانيات اللازمة، لإقامة ثلاثة مبان لمؤسسة الشهيد الدرزي في قرى عسفيا، يركا وبيت جن. وقد قمنا بالاتصال مع رؤساء المجالس المحلية في هذه القرى، من أجل البدء في العمل.
ومع حلول الزيارة السنوية، لمقام سيدنا الخضر (ع)  في كفر ياسيف، يسعدني أن أتقدم إلى العائلات الثكلى، وإلى كافة أبناء الطائفة الدرزية، بأحر التحيات والتمنيات، راجيا من الله، سبحانه وتعالى، أن يأخذ بأيدي أبناء الطائفة، أن يصلوا إلى تحقيق ما تبغيه، مصلحة الطائفة وفائدتها، ومصلحة الجميع وفائدتهم، وكل عام وأنتم بخير.  