هدنة في قرية الرامة

جرى ظهر يوم السبت، الموافق الثالث من شهر كانون الثاني 2015،  حدث  هام من أجل التوافق، والصلح ،والهدوء في قرية الرامة، وذلك لتوقيع هدنة بين الفرقاء المتخاصمين، تمهيدا لعقد الصلح في وقت لاحق. وقد بادر إلى هذا الاجتماع، فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، واللجنة المرافقة له، وتم دعوة شخصيات مرموقة من أبناء الطائفة الدرزية، وقرية الرامة، لحضور هذا الاجتماع، فتوافدت عشرات الشخصيات الدرزية، من كافة القرى، وخصوصا من مشايخ البلاد، والتقوا في مدخل قرية الرامة، للقيام بهذه المهمة الضرورية الحساسة، بالغة الأهمية. وكان في مقدمة الحضور، إلى جانب فضيلة الشيخ موفق طريف ، قضاة المحكمة الدينية الدرزية: القاضي الشيخ نعيم هنو، القاضي عماد أبو ريش، القاضي عنتير معدي، القاضي فارس فلاح والقاضي  يوسف إسماعيل، عضو الكنيست حمد عمار، أعضاء الكنيست السابقون: الشيخ زيدان عطشة، السيد مجلي وهبة، السيد أيوب قرا، السيد سعيد نفاع، السيد شكيب شنان، الشيخ يعقوب سلامه مدير الطوائف الغير يهودية في وزارة الداخلية، المحامي كميل ملا مدير المحاكم الدينية، الشيخ سلمان بدر مدير المحاكم الدينية سابقا، رؤساء المجالس المحلية ،السيد جبر حمود، رئيس منتدى السلطات المحلية الدرزية والشركسية ورئيس مجلس محلي ساجور، السيد رفيق حلبي، رئيس مجلس دالية الكرمل المحلي، السيد زياد دغش، رئيس مجلس المغار المحلي،السيد سلمان عامر، رئيس مجلس محلي جولس، السيد وهيب حبيش، رئيس مجلس يركا المحلي، الشيخ نهاد مشلب، رئيس مجلس أبو سنان المحلي، السيد بيان قبلان، رئيس مجلس بيت جن المحلي، السيد  وجيه كيوف، رئيس مجلس عسفيا المحلي، والسيد مجيد عامر، رئيس مجلس حرفيش المحلي. والسيد فرج خنيفس، نائب رئيس بلدية شفا عمرو سابقا، والسيد مفيد مرعي، القائم بأعمال رئيس مجلس محلي حرفيش، والسيد وهبة وهبة، القائم بأعمال رئيس مجلس محلي دالية الكرمل، والشيخ رشراش عامر، من كبار موظفي وزارة المواصلات، والسيد  هاشم حسين، من كبار موظفي مكتب رئيس الحكومة، والدكتور نايف أبو سمرا، والدكتور نبيه القاسم، والدكتور نجيب صعب، وعدد كبير من المشايخ الأفاضل والوجهاء والمثقفين والمسئولين .
تقدم الوفد إلى قاعة سلطان في قرية الرامة، وكان في استقبالهم هناك، وجهاء عائلة غزاوي، ومندوبون عن العائلات معهم، فاستقبلوا الجمهور الكبير، ورحّبوا به، وأعلنوا عن نيتهم الخالصة، السعي إلى الصلح والتوقيع على الهدنة أمام الجماهير. وقد تحدث فضيلة الشيخ موفق طريف، ذاكرا أنه تم، بعونه تعالى، التوصل إلى اتفاق بين الطرفين، على التوقيع على هدنة، والالتزام بها، تمهيدا لإحلال الصلح بين الجهتين. وقرأ أمام جمهور الحاضرين بنود الهدنة، التي سيتم التوقيع عليها.
وقام وجهاء عائلة غزواي، بالتوقيع على وثيقة الهدنة، متعهدين بالالتزام بها. ومن هناك، انتقل عدد من أعضاء الوفد، إلى بيت عائلة فرهود، التي فقدت ضحيتين من أبنائها، في خلال هذا الصراع، للحصول على موافقتهم. وكان في استقبالهم هناك الشيخ ابو بلال سليمان فرهود واخوانه وأقربائه وعدد من وجهاء العائلة، وتم استقبال الوفد بالترحيب والتأهيل، قاموا بعدها بقبول توجه الجاهة ووقعوا على نسخة من وثيقة  الهدنة . وانتقل الجمع بعدها إلى بيت الشعب في قرية الرامة، ليجتمعوا هناك ببقية أعضاء الوفد الكريم، الذين انتقلوا من قاعة سلطان، إلى بيت الشعب. وكان في استقبالهم جميعا، وجهاء عائلة ابو لطيف، ووجهاء العائلات المرافقة، وفي مقدمتهم، السيد شوقي أبو لطيف، رئيس المجلس المحلي، الذي رحب بالضيوف والوجهاء والحضور، وألقى الكلمة التالية:
 ،،،أيها الحشد الكريم، أهلا وسهلا بجميع الضيوف
أقول:الحمد والنعمة لك يا إلهي، يا رب العالمين، الذي ألهمتَ، وروّضت العقول، وأثلجت الصدور، وجعلت النفوس تهدأ، والأفكار تلين وتتغير، وأوصلتنا إلى هذا اليوم التاريخي المبارك المقدس.
 
كانت هذه البلدة الحبيبة في الماضي غير البعيد،مركزا ثقافيا، علميا، وتجاريا، لجميع القرى والمنطقة المجاورة، ولكل قاص ودان، لا أدري ما الذي جرى، بين أمسية وضحاها، لتلك القرية الوادعة والهادئة، التي باتت عروس الجليل، وأصبحت مقرونة بالمشاكل والمصائب والويلات.
أسال نفسي لماذا؟ما الذي حصل؟ هل نعق البوم المشؤوم، أم نحب الغراب الملعون علينا؟
لقد دخل النحس والشؤم إلى هذه القرية المباركة، منذ سنوات عدّة، وتشبّث بنا، ولم يتركنا، وعدانا بالعدوى اللئيمة الخبيثة السامّة، هذا النحس الملعون، دخل إلى الضواحي والحارات، وطلب أن يشرب من ينابيعنا العذبة، وأن يغتسل بتلك المياه النقية النظيفة، وطلب أيضا، أن يتطهّر ويتقدّس بزيت زيتوننا المبارك المعصور بمعاصر قريتنا الحبيبة. وطلب النحس والحظ التعيس، أن يأكل لأنه جائع، فقمنا بإعداد الطعام الفاخر له، من قِرى الضيوف والولائم، واحتفلنا وأهّلنا وسهّلنا به، كأنه أخ حبيب، أو صديق عزيز، طال الزمان على لقياه من بعد فراق طويل،دخل هذا النحس والتهم كل ما نملك، من طعام وشراب، ولم يُبقِ  لنا ما نطعم أولادنا أكبادنا وبقينا في بيوتنا جياع.
لم يكتفِ بذلك هذا النحس اللعين، إذ فرض علينا الإقامة الجبرية في بيوتنا،لا ندخل، ولا نخرج، إلاّ بإذن منه. وقمنا نحن بملاطفته وتدليله ومواساته... فتملكنا وسيطر علينا، حتى بتنا لعبة يلعب ويعبث بنا، متى شاء حسب تحديده وإرادته الوحيدة.
إخواني وأحبائي من جميع العائلات المتخاصمة، قال الشاعر زهير بن أبي سلمى:
وما الحرب ألاّ ما علمتم وذُقتم   وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها، تبعثوها ذميمةً   وتضر إذا ضريتموها فتضرم
فتعركم عرك الرّحى بثقالها   وتلقح كِشافا ثم تنتج فتتئم
نعم أيها الإخوة لقد ذقنا لوعة الحرب، ولذعتنا بلهيبها وحرقتها، فطحنتنا، ومزّقتنا، وقطّعتنا إربا إربا.
هل نسينا المبادئ الأساسية في المذهب التوحيدي : صدق اللسان، وحفظ الإخوان، نحن مع من نتصارع؟ مع إخواننا وأحبائنا..
ولهذا اقول: أقذفوا الحقد والكراهية من داخلكم! أطردوا ذلك النحس المشئوم من قلوبكم، أبعدوا وارفضوا وانزعوا كل الأفكار السلبية من نفوسكم، انسوا وتجاهلوا كل الماضي الأليم التعيس، قِفوا وقفة رجال بواسل، أبطال أحرار، وقفة المرحوم البطل عطوفة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة العربية الكبرى، ووقفة المرحوم كمال جنبلاط، قائد الحزب التقدمي الاشتراكي. عِدونا وعود الرجال الصادقين الأمينين، أنه لا حرب بعد اليوم، لا حرب بعد اليوم، ولا سفك دماء بعد اليوم، كفى للمآسي، كفى للويلات، كفى للآلام، كفى للبكاء.
فحتى يعيش الإنسان هادئ البال، براحة نفسية وصفاء قلب، ينبغي عليه أن يُصدر كل ليلة عفوا عاما، قبل النوم، عن كل من أساء إليه خلال النهار، فاغسل قلبك سبع مرات بالعفو والصفح، وعفّره الثامنة بالغفران، فتعلم يا أخي الإنسان، أن لا توقد في صدرك فرنا لعدوّك فتُحرَق فيه أنت، ما أطيب القلب الأبيض الزلال، وما اسعد صاحبه، وما ابسط عيشه، وما أهنأ نومه، وما أطهر ضميره، قم بتسديد جميع ديونك، يا ابن آدم من الذين يعادونك، والذين أساءوا لك بالماضي، بالتسامح والمغفرة والمحبة والوئام.
نحن من بعد هذا اليوم المبارك، سوف نتكلم فقط بلغة السلام، والتسامح، والإخاء، فمن هنا، فأنا أعلن باسم هذا الفريق من عائلة أبي لطيف، وفراج، وفارس، وأبو يمن، أنهم ألقوا سلاحهم... وطبعوا سيوفهم سككا، ورماحهم مناجل، حتى يحرثوا يسككهم كروم الزيتون الخضراء في رامتنا الحبيبة، الكروم التي ترعرعنا على محبتها، وباتت هي تبكي، لما آل إليه وضعنا من دمار وخراب.
وأخيرا أشكر باسمي، وباسم جميع العائلات المتخاصمة، جميع المشايخ الأفاضل، وأخص بالذكر، الشيخ ابو حسن موفق طريف، الذي بادر، وباشر، ودعا، كعهده في كل مناسبة، لزرع السلام والمحبة في قرية الرامة. ولا أنسى أن اشكر، حضرة القاضي المتقاعد، أبو زايد فارس فلاح ، والأخ ابو سليم جبر حمود، والأخ أبو فراس فرج خنيفس.
 وأخص بالشكر أيضا، أعضاء اللجنة، الأبطال الشجعان، الذي لبّوا دعوتي لهم، بأن يجتمعوا بالأطراف المتنازعة، حتى يصلحوا ذات البين، ومنهم الأخ رزق عباس،أسعد زيدان، يزيد فراج، نزار شحادة، وجواد أبو طفلا...
أنا أناشد الوفد الموقر الشريف، أن يستمر بمساعيه المباركة، حتى نصل إلى الصلح المنشود، ليعمّ السلام والوئام في قريتنا الحبيبة الرامة.
شكرا وأهلا وسهلا بالجميع. "
وتم في هذا الاجتماع، التوقيع أمام الجماهير، على وثيقة الهدنة، التي وقع عليها الطرف الثاني. وشكر فضيلة الشيخ موفق طريف الحاضرين، على مسعاهم الطيب هذا، وعلى تجشمهم مشقة السفر، للمشاركة في هذا الحدث التاريخي، وأعلن أن وفدا مصغرا، سيقوم حالا بالتوجه إلى قرية عين الأسد، للحصول على موافقة وتوقيع وجهاء عائلة أبو صلاح، التي فقدت ضحايا من أبنائها، في خضم هذا الصراع، فتوجه وفد كريم إلى قرية عين الأسد، واستقبلهم هناك وجهاء عائلة ابو صلاح، كما كان قد أرسل قبل ذلك، وفد مصغر لمقابلة قسم من الذين يقبعون في السجون، للحصول على موافقتهم وتوقيعهم على الهدنة.
وانفض المجتمعون، مبتهلين إلى الله سبحانه وتعالى، أن يحل الصلح والتوفيق بين الطرفين في قرية الرامة، وأن يحل فيها الهدوء والتفاهم والسلام، بعد أن نُكبت القرية بخصام أليم شديد، أودى بحياة عدد كبير من الضحايا من الطرفين، ومن سكان القرية، وخلق جوا من التوتر في البلدة.
وعقب فضيلة الشيخ موفق طريف على هذا الحدث بقوله :
بسم الله الرحمن الرحيم
بِحُكمٍ مِن القَدَرِ, والرغبة الصادقةِ لدى أهل الخير والصلاح والإصلاح, وبمبادرةٍ ومساعٍ كريمةٍ مِن جاهة الصلح، من شيوخ الطائفة والطوائف الأخرى, والقضاة وأعضاء الكنيست ورؤساء المجالس، ووجهاء من القرية وخارجها، شاءت الظروف, ان نلتقي في أعقاب الحوادث المؤسفة، التي عصفت بِأم القرى الجليلية, قرية الرامه الحبيبة, لدعوةِ الأخوةِ الفُرقاءِ فيها, العَوْدُ إلى سابق العهد, الى التسامُحِ، والعفو، والتقارب، والسلام المنشود لأهلها, من جديد.
والحمد لله لا زالت الدنيا بخيرٍ, وما زال أصحاب الهمم العالية, وأصحاب النوايا الحسنة، حريصون على إحقاق الحق, والحفاظ على وحدة الصف، واللُحمة بين الأهل, وعلى إقرار الهدوء والسلم بين ظهراني مجتمعنا عامةً , وها نحن نلتقي اليوم لنفتح معاً صفحةً جديدةً, صفحة عنوانها التآخي والوفاق والسلم والسلام, نُعلن مِن خلالها عن هدنه, مدتها ستة أشهرٍ , يعقبها صلحٌ دائمٌ , بإذن الله وتوفيقه, لتعود رامتنا العزيزة إلى عهد الأمن والأمان والطُمأنينةِ والاطمئنان , ولتبقى البلد الواحد الموحد للجميع, والقدوة والمثال الأفضل للتعايش السلمي الأخوي، بين جميع ساكنيها, على اختلاف طوائفهم .
أتوجه الى اهلنا في الرامة, مُذَكِّراً, أن رامة الجليل، كانت ولا بد أن تبقى، مِنبراً للعلمِ، والأدب، والشعر، والحضارة، والتقدُم، والعطاء, وأطالبهم المُحافظة على استمرارية الحفاظ على صبغتها هذه, والعمل على مكافحة جميع ظواهِر العنف، الذي نرفضهُ بشدةٍ ونُدينه, ونرفض كلَ ما هو مُنافٍ لمجتمعنا ولتقاليده وعاداته الشريفة .
وأتوجه إلى ابناء مجتمعنا التوحيدي بشكلٍ خاص, والعربي بشكلٍ عام, الى الذين ضلوا طريق النور والحق, أتوجهُ إليهم مُطالباً إياهم أن يتعظوا، ويتعلموا من المآسي والحوادث المؤلمة، التي جرت وتجري على ساحاتنا, والتي تعصِفُ بعائلاتٍ بأكملها، فَتُشَتتها وتُمزقها, وان يعودوا إلى رُشدهم، والى الطريق القويم, ففي ذلك السلامةُ والفائدةُ لهم ,ولمجتمعهم الخير العميم .
وأتقدم بشكري الجزيل إلى كل من سعى، ودعا، وعمل، وآزر، في الوصول إلى هذا الموقف المُشرف الكريم, من رجالِ دينٍ وقادةٍ لهذا المجتمع, ولأهلنا من كل الطوائف, في قرية الرامه, على حرصهم الشديد لسلامة هذا البلد الواحد الموحد, وتهدئة الأوضاع فيهِ. 