العيد وذكرى الأبناء
بقلم عضو الكنيست السابق أمل نصر الدين
رئيس مركز الشهيد الدرزي
يهلّ عيد الأضحى المبارك كل سنة، وتجري الاحتفالات بالعيد على مختلف أنواعها، ويقوم المتدينون بزيارة الخلوات، أثناء ليالي العشر، ويشتري الأولاد الثياب الجميلة ويفرحون بالعيد، وتزدهر البيوت بالوجبات الدسمة، وتمتلئ الموائد بأنواع الحلويات، ويتم التزاور والتنقل بين الأقارب والأهل والأصدقاء والجيران، ويخيّم في القرى جو احتفالي شعبي مميّز، مليء بالبهجة والفرحة والحبور. وفي هذه الأجواء، وفي هذه الأوضاع، هنالك عائلات تشارك في العيد، وترافق الاحتفالات، لكن في قلبها غصّة، وفي نفسها حسرة، وفي عمقها لوعة، حيث تشعر بأن عزيزا عليها غير موجود معها في هذه الاحتفالات، لأن الابن استشهد أو توفي، وكان من المعتاد أن يشارك الأسرة في كافة الأحداث. ولا يهم، إن كانت قد فقدت الأسرة هذا العزيز،  قبل سنة أو عشر سنوات، أو عشرين سنة، فالأم والأخت والابن والابنة، يتذكّرون دائما أعزاءهم، خاصة في المناسبات الاحتفالية. وهذا الأمر صحيح بالنسبة لكافة الراحلين من أفراد المجتمع، لكن هنالك معزّة خاصة، وحسرة أكبر، لأولئك الذين لم ينتقلوا إلى رحمته تعالى إثر مرض أو في حادث، وإنما قاموا بواجبهم  الأمني، وضحّوا بحياتهم من أجل طائفتهم ودولتهم ومجتمعهم وأهلهم، فقد قدّمت الطائفة الدرزية حتى اليوم، مئات الشهداء من أجل الوطن، ومن أجل الحفاظ على كرامة الطائفة، وعلى عزتها وسؤددها، حيث اتخذ زعماء الطائفة الدرزية في حينه، قرارا حكيما، وخطوة سديدة، بأن قرروا البقاء في أرضهم وفي بيوتهم، والانخراط في الدولة الجديدة، واعتبار أنفسهم جزءا من هذا الوطن، حتى ولو كلفهم ذلك غاليا.
لم يكن هذا القرار ذا فائدة على السكان الدروز المحليين فحسب، وإنما بلغت فائدته، من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، إخواننا في هضبة الجولان، وفي لبنان وفي سوريا وفي الأردن، فوجود مجتمع درزي قوي في هذه البلاد، يقوي من عزيمة إخوتنا عبر الحدود. وكانت الأوضاع في السابق، مبنية على أساس، أن كل تجمّع درزي يدعم التجمعات الأخرى، بالرغم من أن هذه التجمعات متواجدة في دول متباينة، وليست على وفاق فيما بينها. وقد قدّم إخواننا الدروز في سوريا ولبنان، المساعدة في عدة مجالات، لدروز البلاد في أوقات عصيبة. كما قدّم دروز هذه البلاد، الدعم للإخوة هناك، في ظروف مماثلة. ويظل المواطن الدرزي، أينما كان، يشعر بأن له إخوة في التوحيد، حيثما كانوا، وأينما وُجدوا. وهذه العاطفة العارمة، تبعث العزم والقوة في النفوس، وتشجّع الإخوة الذين يمرّون في أزمة وتجعلهم يطمئنون، أن هنالك من يسهر على راحتهم، ويعمل لتأمين سلامتهم، ويراقب الأمور عن كثب، لئلا يمسهم أي خطر.
لقد قمنا قبل سنوات، بالمبادرة والعمل على إقامة "درب الأبناء" في الكرمل، في ذكرى الشهداء الأبرار. وقد جرى قبل أسبوع حدث كبير في نطاق مشروع "درب الأبناء"، بحضور قيادة الدولة، وفي مقدمتهم رئيس الدولة، وزير الدفاع، رئيس أركان الجيش، المفتش العام للشرطة وعشرات كبار الضباط من مختلف قوى الأمن. وقد شارك في هذا الحدث أكثر من عشرين ألف من المواطنين الدروز واليهود، من أصدقاء الطائفة. وإن دلّ ذلك على شيء، فإنه يدل على دعم الدولة والحكومة لأبناء الطائفة الدرزية، وتقديرهم لها. فقد أثبت الدروز في هذه البلاد، أنهم جزء لا يتجزأ من هذه الدولة، وأن سلامة الطائفة من سلامة الدولة، وذلك بفضل خدمة أبناء الطائفة الدرزية في قوات الأمن المختلفة، منذ عشرات السنين، وقيامهم بواجبهم على أحسن وجه. وبالرغم من وجود بعض التذمر والاحتجاج في أوساط الطائفة الدرزية، بسبب تقصير السلطات، إثر القرارات التي اتخذتها عندما كنت عضو كنيست، في تزويد أبناء الطائفة بالحقوق التي يجب أن يحصلوا عليها، إلا أن القاعدة الأساسية للعلاقة بين الطائفة الدرزية والدولة، هي متينة وصحيحة وسوف تستمر إلى أمد طويل.
والمشروع الآخر الذي لا يقل أهمية عن مشروع درب الأبناء، هو الاعتراف بمؤسسة الشهيد الدرزي، كمركز تراث لذكرى الشهداء الدروز، والبدء بالعمل لتحقيقه. والمشروع الثالث الموجود قيد التنفيذ، هو حملة منح الطلاب والطالبات الدروز، من أبناء العائلات الثكلى، منحة للدراسة الجامعية، بقيمة عشرة آلاف شاقل لكل سنة، لمدة ثلاث سنوات. والمشروع الرابع، هو إصدار كتاب عن شهداء كل قرية وقرية، نقوم بتوزيعه على العائلات الثكلى والمؤسسات في القرية والدولة.
ويسعدني أن أتوجه إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك بأحر التهاني والمباركات وخاصة إلى أبناء العائلات الثكلى مبتهلا إلى الله أن يعيده على الجميع بالخير والسعادة والصحة والسلام.  