من نافذة الفاتيكان
بقلم فضيلة الشيخ أبو حسن موفق طريف
 الرئيس الروحي للطائفة الدرزية
 كان لي الفخر أن امثل الطائفة الدرزية واشترك في لقاء الأديان الذي دعا إليه قداسة البابا فرنسيس الأول، للصلاة من أجل إحلال السلام، بحضور رئيس دولة إسرائيل، ورئيس السلطة الفلسطينية. وقد ضمّ الوفد كذلك، عددا من رجال الدين من البلاد من مختلف الطوائف. وجرى في الفاتيكان اجتماع هامّ جدا، وتليت الصلوات من قِبل المشاركين، وكلها تدعو إلى التفاهم والتعاون بين جميع أبناء الديانات المختلفة في العالم، من أجل إحلال السلام والود بين الشعوب. ولم يكن ذلك غريبا أن يدعو قداسة البابا لإجراء هذا اللقاء، فطبيعة رجال الدين عادة، من كل الأديان والطوائف، من المفروض أن تشجعهم على الدعوة للخير والمحبة، وإلى نبذ الضغائن، وإلى كبت الأحقاد، وإلى إظهار التسامح، وإلى التعامل مع جميع بني البشر، بكونهم مخلوقات أوجدها الله سبحانه وتعالى، لكي تقوم بدور ما في هذا العالم. وعندما يجتمع في مكان معروف ومشهور وبارز مثل الفاتيكان، رجال دين من كافة الأديان، وتصدح من هناك الصلوات والنداءات، لله العلي القدير، أن يحلّ السلام، فلا بد أن يكون لذلك تأثير كبير على المؤمنين، وأفراد الديانات في كل مكان.
ونحن كأبناء الطائفة الدرزية، يحق لنا أن نرفع رؤوسنا، وأن نشمخ أمام العالم بأسره، بعاداتنا وفضائلنا وتقاليدنا، والمبادئ التي نؤمن بها، ونسير على هديها، منذ مئات السنين. فإذا نظرنا إلى الأديان والمذاهب الأخرى، نجد أننا موجودون في طليعة محبي السلام، وفي مقدمة الداعين إلى التفاهم، وإلى التعاون، والحياة المشتركة، بين جميع أبناء البشر. فالتعاليم التي نؤمن بها، تحثنا على السبق إلى عمل الخير، وإلى التسامح والتصافي، وإلى مدّ يد العون للآخرين، وإلى الترفع والتجاوز عن الإساءة، وإلى تربية الأبناء على محبة الآخرين والتفاهم معهم. وكل ذلك، في ظروف تاريخية صعبة، مرّت بها الطائفة الدرزية، في أماكن تواجدها، وعانت الكثير الكثير من ظلم وقسوة الآخرين.
لقد أثبت أبناء الطائفة الدرزية، أنهم إذا كانوا يمتلكون القوة والحكم، فإنهم لا يستغلّونها في مطاردة وقهر الآخرين، وإنما يبذلون كل جهد في حمايتهم، وفي إيوائهم، ومد يد المساعدة لهم. هكذا كان منذ حكم الخلفاء الفاطميين في أرض مصر،الذين كانوا منفتحين على العالم، وعيّنوا أبناء الطوائف المختلفة، في أرقى الرتب والمراكز، مانحين إياهم الثقة الكاملة، والدعم المطلوب، طالما هم يخدمون الدولة التي يعيشون فيها. واستمرّ ذلك في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي منح حماية للمطاردين من أبناء الطائفة المسيحية، الذين وصلوا إلى لبنان من تركيا وجنوبي روسيا، بعد أن لوحقوا من قبل حكام تلك البلاد المسيحيين، فبنى لهم الكنائس والأديرة، ومنحهم الأراضي، وأعطاهم الحماية الكافية، لأن يعيشوا باطمئنان وحنان، في ظل ولايته التي امتدت من العريش في الجنوب إلى شمالي لبنان. وقد كان جبل الدروز، خلال عشرات السنين، ملجأ ومأوى لكل شريد وطريد من كل الطوائف في المنطقة، يجد فيه العون والحماية والعيش الكريم، وخاصة ما يذكره المؤرخون، حينما وقعت مجاعة في سوريا ولبنان، في الحرب العالمية الأولى، وقام جبل الدروز الذي توفرت فيه الأرزاق، باستيعاب عشرات الآلاف من النازحين من أماكن الجدب والقحل والمصائب. وها هو جبل الدروز اليوم، الذي يمرّ بأزمة حادّة، بسبب الحرب الأهلية في سوريا، لكنه يضم ويستوعب الآلاف من المشرّدين والنازحين، من أبناء الطوائف الأخرى. وفي بلادنا، قام سكان القرى الدرزية عام 1948 باستيعاب عشرات الآلاف من النازحين، من القرى العربية، وتقاسموا معهم البيت والمأكل والمشرب لعدة أشهر. 
الطائفة الدرزية تثبت نظريا وعمليا، أنها تؤمن بالرسالة القدسية الإلهية، التي تدعو إلى السلام والمحبة والخير، وهي لا تعتدي، ولا تشن حربا، ولا تقوم بأي عمل استفزازي. إنما هدفها دائما، المحافظة على كيانها ووجودها وسلامتها، فإذا اضطُرت إلى الحرب، يتحوّل أبناؤها إلى أشبال وأسود، ويدافعون عن كيانها بكرامة وعزة، محافظين على الشرف والعرض وكل ما أوصت به الأديان.
لذلك أدعو جميع أبناء الطائفة الدرزية، التمسّك بمبادئنا وتقاليدنا وعاداتنا العريقة، التي افتخرنا ونفتخر بها، والتي بفضلها، نستطيع دائما، أن نشعر أننا متساوون مع شعوب وطوائف أكبر منا بكثير، وأننا قدّمنا ونقدّم خدمات جلّى للمجتمع وللإنسانية حينما يتطلب منا ذلك. 