من جعبة سعادة القاضي أبو زايد فارس فلاح

  استئناف الأراضي بسلة تين


 بقلم سعادة القاضي فارس فلاح
أتى إليّ أحدهم أثناء فترة المحاماة طالبا مساعدته في فحص قضية أرض له، أعلنت فيها دائرة لتسوية الأراضي عن وجوب الاعتراض عليها وطبعا عن بلوك معين في القرية، وهو سمع ذلك ولا يعرف ماذا يعمل. هل يعترض؟ كيف؟ ومتى، ولمن وطبعا هذا من شأن المحامي، فهو أتى للاستشارة ويجب أن يأخذ الجواب الشافي.
في حينه كانت دائرة التسوية في حيفا، وفيها محكمة الأراضي والاعتراضات هناك، فاستشرت السكرتير تلفونيا، وطلبت منه فحص القسيمة من هذا البلوك في البلد. أجابني أنه فعلا أعلن عن تسوية هذا البلوك وآخر يوم للاستئناف والاعتراض على هذه القسيمة هو اليوم.
شكرته وطلبت منه أن يأتي إليه هذا الشخص بعد الظهر، وربما بعد ساعات استقبال الجمهور، فوافق وأنا لتوي وبأقصى السرعة أخبرت الشخص، بذلك وجهّزت له الاستئناف، وأشرت عليه أن يذهب ليقدمه في حيفا حسب العنوان والشخص المشار إليه.
قلت له عن الرسوم وسألته إذا كان معه مصاري للدفع أو أعطيه. شكرني وقال معي. سألني كم تريد ؟ قلت له: أرجو أن يذهب بسرعة ويقدم الاستئناف في الوقت وهذا المهم وليس إلا وإن لم يقدّم الاستئناف اليوم خسر الأرض وأصبحت ملكا للدولة.
شكرني وذهب وعاد إلي للمكتب بعد الظهر، حتى يطمئنني أنه قدم الاعتراض ومعه نسخة مختومة من المحكمة. قلت له هذا المطلوب الله يسهل عليك. فسال عن الدفع. قلت له بعدين. شكر وذهب.
وفي صبيحة اليوم التالي أتى إلى المكتب ومعه سلة تين، قطفها من كرمه، وكان مكتبي بجانب الدار، فأخذت التين للدار وأحضرت القهوة، شربنا معا، وعندها قال لي إنه يجب أن يدفع أجرة الاستئناف وكم أريد منه. قلت له: إنني لا أريد أن آخذ أجرة. قال لي كيف ولماذا وهذا غير ممكن، فأنت محامي كأي محامي. قلت له: يا عمي أبو.... أنت رجل اختيار آدمي ومحترم، مبارح انتهى الموضوع وأنت تأتي اليوم لتدفع يكفي أنك تكبّدت مشاق التعب في الحضور السريع وجلب التين وحمله من القرية لهنا، هذا يكفي وأقدّره غاليا. وما ثمن الوفاء إلا الوفاء والكرم يقابل بالكرم. أسامحك ولن آخذ منك ولو أنك عندما ترجع للبلد سيقول بعض الناس: شو ها المحامي اللي عمل استئناف بسلة تين !! فهذا لا يهمني.
قال لا ولن أنساك وفعلا بقينا أصدقاء وبعد وفاته مع أبنائه وحتى اليوم.   