الدروز كأقلية محاربة
بقلم القاضي عباس الحلبي - لبنان
يظهر الموحدون الدروز، خلال تاريخهم، في صورة العنصر القوي والحيوي، على المستوى المحلي، كونهم مؤسسين للتاريخ اللبناني، كما على المستوى الإقليمي، بحيث أنهم أيضا، عنصر قوة في الشرق الأوسط. ولا يعود فضل استمرارية الموحدين الدروز، ديموغرافيا، ودينيا، واجتماعيا، وثقافيا، وسياسيا، بل حتى عسكريا، في بعض المراحل، إلى تفوّقهم العددي، وإنما إلى موقعهم الجغرافي، وتصميمهم، وصلابتهم، من ناحية، وإلى وجود أرستقراطية محاربة، أثبتت عبر الأزمنة، كفاءتها العالية، على مستوى القيادة والسياسة. وعوّض الموحدون الدروز بذلك، عن وضعهم كأقلية، فأوجدوا لأنفسهم موقعا، ضمن النسيج الإثني، والسياسي، والديني، للشرق الأوسط. وإذا ما راجعنا التاريخ، نجدهم لم يرضخوا، أو يستسلموا أبدا، دون مقاومة، ولا انغلقوا، ضمن أسوار، أي شعور بالدونية، أو انعزلوا دينيا أو اجتماعيا. ما أنتج في الوقت الراهن، وعيا فرديا، لتراثهم الثقافي، والديني، والسياسي.
ولكون الموحدين الدروز، أمة فخورة، عزيزة النفس والجانب، تأبى الذل والخضوع، شديدة التنظيم والحيوية، ترى توصيف "الأقلية المحاربة"، الشديدة المراس، ينطبق عليها بالتمام، بحسب تعابير كمال جنبلاط. فلقد واجه الموحدون الدروز، وتصدّوا دوما، بطريقة متماسكة وموحَّدة، لكل الأخطار التي تهددت بلادهم وجماعتهم، على حد سواء، وعلى الرغم من كل خلافاتهم وانقساماتهم الداخلية. ويؤشّر هذا التضامن، إلى لحمة اجتماعية، قوامها وعي وسلوك جماعيان، وينفي كل تفسير، يحصره بالتراصّ المذهبي الطائفي. وهم قانعون، بأن أي ضعف في حلقة ما، من السلسلة التي تجمعهم، يضعف السلسلة جمعاء. وتضاعف عقيدة التقمّص، التي يولد بموجبها الموحّد الدرزي مجددا، ضمن جماعة الموحدين الدروز، من هذا الشعور الأقلوي اللاحم للجماعة، ما يؤمّن اعتناءً باستمرار الجماعة، وحماية تاريخها، وحاضرها، ومستقبلها على مرّ العصور.
وتشتدّ غريزة الدفاع الذاتي عند الموحدين الدروز، وتدفعهم إلى الرد السريع على الإضطهادات المتكررة، التي عانوا منها، خلال التاريخ، فيتجلّون موحدين عقائديا في المواجهات، أكثر مما يسمح به، أي كيان سياسي، أو كتلة ديمغرافية.  فعلى سبيل المقارنة، يستطيع المسيحيون الاتكال على دعم الفاتيكان والغرب ومساندتهما، كما في استطاعة السُّنة، الاتكال على العالم الإسلامي، بملياره من السنة، أو على الأقل، على دعم مصر والسعودية، كما يعوّل الشيعة على إيران. أما الموحدون الدروز، فليس لهم سوى أنفسهم، وجماعتهم، وصلابتهم، وتصميمهم، وذكائهم، في المناورة السياسية المحلية، والإقليمية، بهدف الحفاظ على وجودهم. وبالإضافة إلى روحهم القتالية، وحكمتهم العسكرية، يتمتع الموحدون الدروز أيضا، بحنكة سياسية، وبُعد نظر، وتمرّس في جبه الصعاب.  وهم اعتادوا في تاريخهم الطويل، كأقلية تحارب من أجل البقاء والاستمرار، على أن يحذروا من محيطهم السياسي، بشكل عام، ومما يجري من حولهم، متكيّفين مع البيئة التي هم فيها، وعلى أن يتنبّهوا، لدقة خياراتهم، ومرمى كلامهم، وأعمالهم، وعلاقاتهم الدبلوماسية. في هذا المقام، يجدر أن نستذكر، أن وهج الموحدين الدروز التاريخي، وصدقيتهم، ما استتبا إلا بعد دفع ثمن باهظ من الدماء. وسبّبت سمعة الموحدين الدروز، كأقلية محاربة، الكثير من المعارك والشهداء، أسيادا، ومشايخ، وفقراء، وبسطاء، سقطوا كلهم معا، دفاعا عن هويتهم، ومنازلهم، ومناطقهم، ولم يترددوا لحظة واحدة، في القتال دفاعا عن هذه الأهداف. ويردد الشيخ أبو حسن عارف حلاوي دائما، أن الموحدين الدروز، لاقوا على الدوام، الدعم والحماية الربانية، فهم دافعوا عن أنفسهم، وما اعتدوا يوما على أحد. أمّنت هذه الميزات للموحدين الدروز، حضورا سياسيا، ومعنويا، منذ نشوء الطائفة، إلى احتلالهم موقعا مميزا، ومهما، في تاريخ لبنان والشرق الأوسط.   