وفي رحابك يا سيدنا الخضر (ع) نعود لنلتقي

بقلم فضيلة الشيخ ابو حسن موفق طريف
الرئيس الروحي للطائفة الدرزية

مع اقتراب حلول الزيارة السنوية، لمقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، يسعدني أن أتوجّه لعموم أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، بالتحيات والتهاني والمباركات، راجيا من الله، سبحانه وتعالى، أن تكون هذه الزيارة، فاتحة خير وسلام وهدوء للجميع، وأن ينعم أبناء الطائفة، وكافة المواطنين في هذه الديار وخارجها، بالاستقرار والرخاء والسعادة والخير.
عندما نجتمع كلنا في أرجاء هذا المقام الشريف، ونؤدي الصلوات، بخشوع وتقوى إلى الله سبحانه وتعالى، نحمده ونشكره على كل ما منحنا إياه، ونتضرع إليه طالبين أن يحمي أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان وزمان، تواقين لاستمرار حفظ الهوية والشخصية التوحيدية قائمة ومعززة ومكرّمة أينما كان , وكلنا امل أن يتقبل , جل جلالهُ , فهو سميعٌ مُجيب.
ونحن عندما نتوجّه إليه، سبحانه وتعالى، طالبين رضاه وغفرانه، علينا , بداية، أن ننظر إلى أنفسنا، أولاً , وأن نراقب أعمالنا، وأن نحاسب ذاتنا، وأن نتساءل، هل قمنا بواجباتنا التي وجهنا إليها ديننا الحنيف تجاه مجتمعنا وذاتنا وخالق هذا الكون, عز وعلا, كموحدين مؤمنين، التزموا بمذهب التوحيد؟ هل نحن متقيّدون بالفرائض الدينيةِ والأصول؟
هل نحن ننفذ وصايا الأولياء والأنبياء والأجداد؟... لا شك أن طائفتنا اليوم، تمرّ بعواصف وأزمات، على أشكالٍ مختلفةٍ، وهذا يشكّل تهديدا خطيرا لكل قيمنا وعاداتنا، التي حَفِظَتنا خلال ألف سنة ونيِّف.
علينا جميعا، أن نصحو، وأن نتنبَّه، وأن نظل دائما في يقظة كاملة، لكل ما يحدث بداخلنا وحولنا، كي لا نفاجأ، ولكي لا يقع ما لا يمكن إصلاحه فيما بعد.  فلعل الأخطار التي تواجهنا توحّدنا، وتثير فينا الهِمم وتوقظ الطاقات الكامنة، لأن نجمع قوانا، ونرسّخ جذورنا، ونُشمِّر عن سواعدنا ونعمل جاهدين كي نستطيع أن نستمر في المحافظة على كياننا ووجودنا، بالشكل اللائق المحترم، الذي ميّزنا حتى الآن.
أخوتي الأعزاء , ما زال إخواننا في سوريا يواجهون خطرا جسيما على وجودهم، وعلى بقائهم، وعلى هويتهم التوحيدية. وكلنا ثقة، أن الله سبحانه وتعالى، سوف يبعث فيهم العزيمة والقوة والقدرة، للتغلب على هذه الأزمات. قلوبنا معهم , ولهم منا وعلينا الدعاء ومد يد العون لهم ما استطعنا إليهِ سبيلا, ولا شك أن إيماننا وإيمانهم العميق بمقدساتنا وبإمكانياتنا وبتاريخنا، سوف يكون فيه ما يدعم صمودهم وصمودنا وبقاءنا واستمرارنا، وعليه, علينا الوحدة، ولمّ الشمل، والابتهال إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يفرج الأمور، وأن تُحلّ الأزمات، وأن تستمرّ طائفتنا التوحيدية الدرزية في مسيرتها التاريخية الخيرية السلمية، كما كانت عليه.
وإذا كان هناك في سوريا خطر خارجي، يهدد الكيان ويزعزع الوجود، فربما هذا هو احد هذه الأخطار ولأنه واضح، ويمكن إيجاد الطرق لمواجهته والتغلب عليه. أما الأخطار المستترة الجسيمة التي تواجهنا فهي أقسى وأصعب وأشد، وهي تحوي الخطر الحقيقي على وجودنا، وتتفرّع إلى فرعيْن : الأول هو الحسد والضغينة والحقد، وكل الخصال السيئة، التي يغرينا بها الشيطان، ليؤلّب احدنا ضد أخيه، ويحرّضه على جاره، ويثيره على زميله، ويدفعه إلى التخريب عليه، والتعطيل في حقه، وعدم تقديم أي مساعدة له. لقد كُتب علينا  تنفيذ مبدأ "حفظ الإخوان"، وفُرض علينا، أن ندعم الواحد منا الآخر، وهذا , وللأسف , يحدث أحيانا قليلة فقط في الأزمات الشديدة، ولكن، وعندما ننعم بقليل من الرخاء، ونشعر ببعض الاستقرار، لا يهدأ للكثيرين بال، إلا إذا حطّم واحدهم الآخر، ناسين كل الفرائض، وكل الأصول، وكل التعاليم. لو توحدت القوى والطاقات في المجتمع الدرزي، وسخّر هذا المجتمع كل قدراته في اتجاه مشترك، لاستطاع أن يحقق الكثير من الإنجازات، للمجتمع ككل، ولكل واحد من أفراده دون استثناء. لكننا، وللأسف الشديد، لا ننتبه، ولا نرتدع، ولا نفكّر، في أن ندعم بعضنا بعضا، وأن نحيي كل من نجح، ونساعد كل من عثر، وندفع كل من يسير في طريق صحيح إلى الأمام. إذا لم يتغيّر هذا النهج، فإن الوضع يدعو إلى القلق ولا يدعو إلى الأمل أو التفاؤل.
أما الموضوع الثاني الذي نعاني منه، ويشكّل خطرا كبيرا علينا، دون أن نشعر، هو الانجراف الشديد، وراء نعومة الحياة ومباهجها وملذاتها، مستغلين بالشكل السي، التقنيات الحديثة، منجرفين في العبث واللهو والسهر والشرب والتدخين، تاركين كل الفضائل، وكل القيم وراءنا. المجتمع الدرزي هو مجتمع متطور نابض، يسير مع الحياة، ويواكب تقدم الإنسانية، ولكن كل شيء يجب أن يتخذ بعقلانية، وبقدر مناسب، وليس بالانجراف الكلي وراء كل المباهج والملذات.
هذه من أصعب وأشد المخاطر التي تواجهنا، والتي يجب في هذا اليوم المبارك، الذي تلتئم مجالسنا فيه بحضور شيوخ الطائفة، في باحة مقام سيدنا الخضر عليه السلام، أن نفكّر فيها، وأن نتداول في وجودها وكيفية تجنبها، وأن نعمل على أن نجد الطريق والوسائل، لكي نستطيع أن نتغلب عليها، إذا وجدت , حتى نكمل مشوارنا في هذه الدنيا، يحدونا الأمل، أن نصل إلى ما نصبو إليه ونحلم به، كطائفة توحيدية لها جذور، ولها ماض عريق، ولها مستقبل زاهر.
 تحياتي وتهانيّ  لكافة أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان، متمنياً على الله، سبحانه وتعالى، أن يوفق الجميع، ضارِعاً إلى سيدنا نبي الله الخضر عليه السلام، أن يقف إلى جانب هذه الطائفة في محنتها، وأن يلهمها القوة والشجاعة والبأس والإقدام، كما عهدناها سابقا، كي تتغلب على كافة الأخطار الظاهرة والمستترة التي تواجهها. علينا أن لا ننسى أن رُكن حفظ الإخوان هو مِن أهم أركان دين التوحيد , حفظكُم المولى, جل وعلى .  