فاتحة الزيارات
زيارة سيدنا الخضر (ع) في الخامس والعشرين من شهر كانون ثاني، هي فاتحة الزيارات السنوية للمقامات الشريفة في بلادنا. وقد تم انتهاج هذه الزيارة في الستينات من القرن العشرين، من قِبل فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف والرئاسة الروحية، وتقرر إجراءها في شهر كانون ثاني، لكي تكون قريبة من الأعياد للطوائف الأخرى، مثل عيد الميلاد المجيد، وعيد رأس السنة عند المسيحيين، وعيد الأنوار "حانوكا" عند اليهود، والأعياد الإسلامية، التي تتحرّك على مدار السنة، وكثيرا ما يصادف وجود أحدها قريبا من تاريخ الزيارة الرسمية للمقام، كل ذلك تمشيا مع المبدأ، أن المقام تابع للطائفة الدرزية، لكنه موجود في قرية تضم طوائف أخرى، وفي منطقة يعيش فيها كافة أبناء الأديان في البلاد. فقد كان الدروز دائما منفتحين للمشاركة والتعاون مع كافة الأديان والطوائف في كل شيء. وقد حدّد فضيلة سيدنا الشيخ في حينه نهجا مباركا، حيث يتم استقبال ممثلي كافة الطوائف في الزيارات والأعياد الرسمية لدى الطائفة الدرزية. وقد حظي فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف في حينه، كما يحظى اليوم فضيلة الشيخ موفق طريف، بمكانة كبيرة لدى رؤساء الأديان الأخرى، بسبب مكانتهما ودورهما الكبير بين القيادات الدينية في البلاد.
وقد أصبحت الزيارة الرسمية لمقام سيدنا الخضر (ع) ذات أهمية كبيرة مع الوقت، فتحوّلت إلى الزيارة الثانية من ناحية الكِبر، بعد زيارة مقام النبي شعيب (ع) في نيسان. وتاريخيا تُعتبر مع زيارة مقام سيدنا سبلان (ع) ومقام سيدنا اليعفوري(ع) من الزيارات الهامة والرئيسية في البلاد، حيث يشارك فيها جماهير غفيرة من أبناء الطائفة الدرزية، من المتدينين وغير المتدينين، وهذا يبعث على التقرب من الإيمان والتقاليد والعادات والفروض. وقد ظلت الزيارات الثلاث هذه، خلال عشرات السنوات، الزيارات الوحيدة في الطائفة الدرزية في البلاد، وبسبب الأهمية الكبرى التي لاحظها الجميع لهذه الزيارات، وبعد تأسيس المجلس الديني الدرزي الأعلى، ودعمه للمقامات ورعايته لها، وتخصيص الميزانيات لترميمها وتوسيعها، تحوّلت المقامات إلى أماكن تفسح المجال أمام الجماهير الدرزية أن تقوم بزيارات جماعية لها، وأصبحت مهيأة من ناحية قاعات للصلاة والاجتماعات، لاستيعاب أعداد كبيرة من المشاركين، وذلك إلى جانب رغبة القيّمين على المقامات، في أن يتباركوا بحضور المشايخ من كافة القرى الدرزية، إلى المقامات، فطالب القيمون من الرئاسة الروحية، تنظيم زيارات سنوية لمقامات جديدة، واستجابت الرئاسة الروحية لهذه الطلبات، وعَينت مواعيد وأوقات لإجراء الزيارات، وهي تجري سنويا بشكل منتظم وبترتيب، باشتراك المئات في كل زيارة، حيث تتحوّل هذه المناسبات إلى حدث ذي أهمية كبيرة في تاريخ القرية، التي يتواجد فيها المقام.
 لذلك نرى وجود زيارة لمقام سيدنا اليعفوري (ع) في مجدل شمس في هضبة الجولان، في الخامس والعشرين من شهر آب كل سنة، وذلك بعد أن قام فضيلة سيدنا المرحوم الشيخ أمين طريف، بزيارة المقام الشريف عام 1968، فتحوّلت هذه الزيارة إلى زيارة سنوية، ما زالت تجري حتى اليوم. وتم انتهاج الزيارة لمقام الست شعوانة (ر) في عين قنية في هضبة الجولان، في الثلاثين من شهر أيار كل سنة، ولمقامات سيدنا الخضر (ع) في بقعاثا في هضبة الجولان، في أواخر شهر حزيران كل سنة، وتقام في الكرمل في مقام سيدنا أبي عبد الله (ع) في قرية عسفيا، زيارة رسمية في الخامس عشر، من شهر تشرين ثاني، وتقام زيارة جامعة في مقام سيدنا أبي إبراهيم (ع) في الأسبوع الأول من شهر تموز من كل سنة، وتقام زيارة رسمية في مقام سيدنا بهاء الدين (ع) في قرية بيت جن في الخامس والعشرين من شهر تموز، كما وتقام زيارة تأبينية لضريح سيدنا، فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف في قرية جولس، في الثاني من شهر تشرين أول، يوم ذكرى وفاته، بحضور المشايخ، لإجراء الصلوات، وإحياء ذكرى فضيلته. هذا بالإضافة إلى زيارات غير ثابتة سنويا،يتم تنظيمها من حين لآخر، في القرى الدرزية، بحضور المشايخ من كافة القرى الدرزية.
لا شك ان هناك جدوى كبيرة في تنظيم هذه الزيارات، فهي ليست فرضا إلزاميا أو إجباريا، يثقل كاهل المشتركين، إنما هي فرصة لكل من يرغب بذلك، ويملك الوقت والإمكانيات، أن يجتمع بالإخوان، وأن يزور الأماكن المقدسة بشكل جماعي،لأداء فريضة الصلاة، بالمشاركة مع كبار مشايخ الطائفة والأتقياء فيها، حيث يشعر المرء في هذه الزيارات، بالقدرة المعنوية الروحانية الفائقة التي تتمتع بها الطائفة الدرزية وبالإيمان العميق الذي يسود شيوخها، والفخر والاعتزاز بالانتماء التوحيدي الشامخ.