دور المرأة الدرزية في المحنة
 بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)

عانت الطائفة الدرزية منذ تأسيسها حتى اليوم، من محن وشدائد متعددة، واستطاعت ، بعونه تعالى، أن تتغلب عليها، وتتجاوزها، وتحافظ على كيانها ووجودها، بالرغم من  تحمّلها ومعاناتها وفقدانها الكثير. وقد استطاعت أن تحقق ذلك، وأن تتجاوز كل هذه المحن، وأن تستمر في الحياة وفي المسيرة، بفضل إيمانها، والتزامها بمبادئها وأصولها، وبفضل شجاعتها وقوة تحمّلها، وبفضل صمودها وتمسّكها بالأسس التي بُنيت عليها، وبفضل العناصر الأساسية التي تركّب المجتمع الدرزي، والمكوَّنة من رجال الدين الأتقياء، ومن المحاربين البواسل  الشجعان، وأهم من كل ذلك، من النساء الفاضلات، اللاتي وقفن سدا منيعا وراء رجالهن، واللاتي دعمن وزوّدن المحاربين والمقاتلين، بكافة العناصر المطلوبة، ليحققوا النصر، وعلى الأقل الصمود والثبات وعدم التراجع.
 لقد كان وما زال للمرأة الدرزية، دور كبير في كافة نواحي الحياة، وفي كافة أوجه وحالات هذا المجتمع. ففي الرخاء، هي سيدة البيت، تشرف على مسيرته المنتظمة، وتقوم بتزويده بالمأكل، والمشرب، والحب، والرحمة، والمواساة، والتخفيف. وفي حالات الحروب والمشاكل والبؤس، هي التي تقف وراء كل محارب، وتستمر في الحياة بعد كل شهيد، وتقوم برعاية الأولاد، وتبني البيت والقرية، في غياب الرجال المحاربين. وقد كان لها في المحن والشدائد، دور عظيم، فعندما يُعلن النفير، تقوم المرأة بإعداد وسائل الحرب لزوجها، أو ابنها، أو أخيها، وتهيؤه بكل ما يطلبه من لوازم. والأهم من كل ذلك، تزرع به الثقة والإيمان والقدرة، وتشجعه على الصمود والمقاومة والإقدام. وما أشهر ما كان يتغنى به المحاربون الدروز، عندما كانوا يغيرون على الأعداء قائلين: " أنا أخوك يا فلانة".
 وفي الثورة السورية الكبرى، كان غالبية الرجال غائبين في المعركة، بعيدين عن البيوت لمدة طويلة. وكانت المرأة في البيت باقية مع أولادها، تشرف عليهم، وتسهر على راحتهم، وتحصّل القوت والزاد من الأرض، وتؤمّن لهم المأكل والمشرب، وتواسيهم وتشجعهم، وتتحدث معهم عن بطولات آبائهم وإخوانهم، وتزرع فيهم المعنوية والأمل، وتقوم كذلك بالدفاع عن البيت، وعن القرية، حينما كان الأعداء يستغلون عدم وجود الرجال في البيت، ليعبثوا ببيوت القرية ويهاجموا النساء فيها. وكانت النساء، كالأسد الهصور، تقف شامخة، تدافع وتستميت عن كرامتها وبيتها وكيانها. والأهم من كل ذلك، أن المرأة الدرزية، هي عادة أكثر إيمانا وتقوى وتدينا من زوجها، وليس عجبا، ان نجد في القرى الدرزية غالبية النساء متدينات، وغالبية الرجال غير متدينين. فالمرأة الدرزية في طبيعتها، قريبة من الميول التوحيدية، وهي سعيدة بتطبيقها وتنفيذها، فهي دائما، اشد إيمانا، وأكثر تقوى من الرجال. وعلى المستوى الجماعي، تشكّل القدرات النسائية الكامنة في كل قرية، وفي كل مجتمع درزي، قوة هائلة، تمتاز أيام السلم برقتها ونعومتها ولطافتها، وتتحوّل أيام الشدة، إلى طود شامخ، وبرج عال، من المناعة والشجاعة والجرأة، حيث تستميت المرأة في الدفاع عن شرفها وعفتها وكرامتها، ولا تخشى، ولا تخاف، ولا تحسب حسابا، وهي تعلم أن الله معها، وأنها تقوم بواجب وطني ذي أهمية عظمى في الدفاع عن أولادها وبيتها وكرامتها.
وهكذا استطاعت المرأة الدرزية أثناء الثورة السورية الكبرى أن تخفف على أسرتها وأن تحافظ على بيتها وأن تهيئ الأجواء لعودة زوجها من المنفى بعد حوالي عشر سنوات كما أن النساء الأرامل والثكلى استطعن أن يتغلبن على محنتهن وأن يتدبرن شؤونهن وأن يقمن بتربية الأولاد وبتنشئة جيل صالح جديد في أصعب الظروف. هذا بالإضافة إلى الدور الكبير الذي قمن به في دعم المحاربين وتشجيعهم وحثهم على الصمود وعلى الدفاع وعلى القتال المستميت. ويمكن أن تلقن الطائفة الدرزية دروسا في إخلاص المرأة الدرزية ووفائها ودعمها وتجندها ووقوفها وراء الرجل في صراعهما من أجل البقاء.
وللمرأة دور كبير في أوقات المحن والشدائد الصعبة التي تستمر سنوات والتي كان الهدف منها القضاء كليا على أبناء الطائفة الدرزية. وقد شهد الدروز أثناء تاريخهم محنا كهذه استعمل فيها الأعداء كل وسائل الإبادة والقتل والتهجير والملاحقة والمطاردة. وتحمّل الرجل كما تحمّلت المرأة واستُشهد من استُشهد وكانوا بغالبيتهم من الرجال والشباب وظلت المرأة هي خط الدفاع الأخير تستنفذ كل قواها وكل إمكانياتها أولا لتحافظ على حياتها وحياة أولادها وثانيا لتحافظ على كرامتها وشرفها وشرف أبنائها وبناتها وكان هذا يتطلب من المرأة أن تكون الأب والأم والحارس والمعيل والمربي وقامت بهذا الدور على أروع ما يكون حيث صدف أن قضى الأعداء في بعض الحالات على الزعامة الدينية والزمنية بأكملها غدرا وباستعمال قوى خارقة لكن سرعان ما استطاعت الأمهات أن تنشئن قيادة جديدة شابة حكيمة استطاعت أن تواجه الأحداث وأن تتغلب على الأزمات وذلك بفضل نضوج ووعي وحكمة السيدات اللاتي تولّين الأمور بعد غياب الرجال.
ولا شك أن المحنة التي تواجه إخواننا اليوم من دروز سوريا هي محنة قاسية وأزمة شديدة وعاصفة هوجاء لا يعرف إلا الله ماذا ستكون نتائجها بالنسبة للجميع لكننا واثقون أنه مهما كانت النتائج ومهما كانت التطورات فإن المرأة الدرزية العريقة الأصيلة المتدينة المؤمنة العفيفة سوف تظل إلى جانب من يظل من أبناء الطائفة الدرزية تكسبه الوجه التوحيدي والزخم المعروفي والأصول العرفانية التي توارثتها المرأة الدرزية أبا عن جد والتي بدأت في أيام تأسيس الدعوة حيث لمّح لنا الأنبياء والأولياء والأقطاب أن المرأة الدرزية هي عنصر أساسي مهم في حياة الطائفة الدرزية وفي مجتمع أبناء التوحيد فقام مولانا بهاء الدين عليه السلام بإرسال ابنة أخيه الست سارة رضي الله عنها في مهمات يعجز عنها الرجال أحيانا ليلمّح لأبناء الطائفة الدرزية على مرّ العصور أن الطائفة الدرزية، والحمد لله، زاخرة بشخصيات قيادية نسائية لا تقلّ قدرة عن الرجال وهي تحاول بكل قدراتها أن تقوم بواجبها البطولي اتجاه طائفتها وأبناء جلدتها وفي نفس الوقت تستمر شامخة الرأس منصوبة القامة حيث تحافظ على شرفها وطهارتها أمام أبشع الجيوش وأشنع الأعداء وأقبح الخصوم الذين لا يهمهم شرف أو عرض أو دين. وقد قامت المرأة الدرزية حتى الآن بتعليم هؤلاء دروسا في الكرامة والصيانة والاحترام. 