المشهد النيجيري وعملنا الجماهيري
بقلم الأستاذ أمير خنيفس -جامعة لندن
من الصعب على الفرد أن لا يتفاعل مع فرحة السكان المحليين في بلدة بورت كارتوه الواقعة في ولاية ريفر النيجيرية، وذلك خلال تدشين مشروع ربط أحد أحيائهم السكنية، الذي يقطنه ما يقارب الثمانين ألف نسمة، بشبكة مياه صالحة للشرب، في الأسبوع الماضي.
هذا المشروع والذي كنت قد دُعيت لتغطية مراسيم تدشينه، هو واحد من عدة مشاريع شعبية، قام الحاكم المحلي روتامي اميشي بتدشينها في السنوات الماضية، والتي تهدف إلى رفع مستوى البنية التحتية والخدمات الاجتماعية في ولايته الواقعة على الساحل الجنوبي لنيجيريا.
مشروع ربط حي سكني بشبكة مياه، أو افتتاح مدرسة ابتدائية، قد يبدو مشروعًا عاديًّا للكثير من دول العالم المتطور، وهو لا يستحق تغطية إعلامية دولية، ولكن الحقيقة أن مثل هذا المشروع هو عبارة عن حدث مهم في أجزاء عديدة من دول العالم الثالث، التي تعاني من انعدام البنية التحتية، ومن ضعف البنية البشرية، ناهيك عن نسبة الفقر العالية والأمراض المُعدية المتفشية.
إن افتتاح مثل هذا المشروع، يأخذ طابعًا خاصًّا ومهمًا في ظل الظروف السياسية القاسية التي تعاني منها ولاية ريفر، وذلك على أثر علاقة حاكمها المحلي المتوترة مع الرئيس الحالي لنيجيريا، الدكتور جونثان غودلاك، وتقصير الأخير وحكومته المركزية في تقديم الإمدادات والمعونات المالية الحكومية المنصفة لولاية ريفر بشكل دائم ومنتظم.
إنّ هذا يشبه، نوعًا ما، التعامل المزري من قِبل حكومات اليمين المتتالية في العقديْن الأخيريْن تجاه قضايانا الملحّة، بما في ذلك شحّ الميزانيات المقدمة لمجالسنا المحلية، وسياسة مصادرة الأراضي العنصرية، وانعكاس كل هذا على تطورنا الاقتصادي والاجتماعي بشكل سليم كأقلية طائفية في البلاد تريد أن تحافظ على كيانها الثقافي.
ولكن على عكس نمط العديد من شخصيات مجتمعنا العاملة على قضايانا الشعبية، والمتميزة بعملها الانفرادي في التعامل مع المؤسسات الحكومية، فقد لجأ السيد اميشي إلى الأسلوب الجماعي من أجل تحقيق أهدافه، فشارك السكان المحليين والأحزاب المعارضة في ولايته والجمعيات الشعبية والمؤسسات الخيرية "كاليونيسيف" والشركات التجارية العاملة في ولايته، كشركة البترول البريطانية "شايل" بهدف تحقيق وتحصيل الدعم المطلوب من الحكومة المركزية وتنفيذ مشاريعه على ارض الواقع.
السيد اميشي يعرف جيداً أن خيمة اعتصام فردي أمام مكتب رئيس الحكومة، على نهج جزء من رؤساء مجالسنا المحليين، قد تصلح لصورة مثيرة على صفحات الفيسبوك، ولكنها بعيدة كل البعد عن تحقيق هدف ربط حارات ولايته بشبكة الكهرباء. في حين قامت الأحزاب المعارضة في ولايته بالالتفاف حول مطالبه من الحكومة المركزية، بدلاً من أن تستغل تقصير الأخيرة للطعن في قيادته، كما هو الحال عند أحزابنا المعارضة.وإذا أردنا الدقّة فعلى الأغلب نحن بصدد عائلات معارضة.
السيد اميشي يعلم جيّداً بأن النهج الذي اتبعه بعض من شخصياتنا السياسية، خلال زيارة سيدنا بهاء الدين الأخيرة في كل ما يتعلق بموضوع الأراضي والخطابات الرنانة عن بطولاتهم، هي مجرّد استعراضات فارغة لن تفيد في حل المشكلة، وطبعاً لن تستردّ ولا مترًا واحدًا. ليس فقط لأن مكاتب سلطة أراضي نيجيريا على الأغلب - كما هو الحال مع سلطة أراضي إسرائيل والمسؤولة عن جزء كبير من الأراضي المصادرة - غير موجودة في حرمات المقامات الدينية، وإنّما أيضًا وبالأساس لأن نجاح مثل هذا النضال، يحتم تحويله إلى نضال شعبي، وعدم حصره على مجموعة صغيرة من الأفراد. 
قضايانا الجماهيرية المُلحّة معروفة للجميع ولا حاجة لسردها مرة أخرى، ولكن من اجل التقدم بها فنحن بحاجة إلى قيادات شعبية واثقة لا تخاف من إشراك اكبر عدد من المواطنين في نضالها. الأسلوب الانفرادي الذي ميّز تعامل قيادة الطائفة الدينية والسياسية مع الحكومات الإسرائيلية في العقود الأولى، بعد تأسيس الدولة ناسب نوعية الحكم المركزي (Centralist State)  الذي طبقته حكومات حزب "مباي"، الذي سيطر سيطرة تامة على منشآت الدولة الاقتصادية من خلال الهستدروت ومواردها الطبيعية، مما مكنّهم من حسم مواضيع جماهيرية تخص قرانا بناء على علاقات خاصة مع قياداتنا الدينية والسياسية.
ولكن نهج الحكم المركزي قد ولّى تدريجيا منذ أوائل الثمانينات، في ظل حكومات اليمين الائتلافية، وتبنيها  سياسة الاقتصاد الليبرالي (Liberal Economy)   على نهج الدول الغربية، الأمر الذي يحتّم علينا التنازل عن العمل الانفرادي من اجل تحقيق مطالبنا الجماهيرية، والعمل بشكل جماعي ومحترف أمام المؤسسات الحكومية المختلفة، خاصة وأن لدينا اليوم نخبة ناجحة من رجال المجتمع الذين قد ترعرعوا في المؤسسات الإسرائيلية وتشرّبوا من أساليبها الإدارية الحديثة.
لكن في المقابل، علينا وضع صراعاتنا الداخلية والعشائرية جانبًا، وتوحيد الصفوف من أجل نيل مطالبنا العادلة من الحكومة المركزية وعلى جميع المستويات. فلربما كان البعد الجغرافي بين قرانا في الكرمل والجليل وولاية ريفر في نيجيريا كبيرًا، ولكن أسلوب العمل الجماعي الذي اتبعه السيد اميشي هو الصحيح إذا أردنا تحقيق مشاريع شعبية جديدة في قرانا على أرض الواقع على غرار تلك التي حققها الأخير في الفترة الأخيرة. 