كلمة العدد: وهم يعرفون كيف تُعَمر المعابد والبيوت
عزمت إحدى القرى على بناء معبد جديد، فتبرع عدد من الرجال الأشداء، لجلب حجارة أساس المعبد، من أعلى الجبل. صعد الرجال الجبل، ونزل كل منهم يحمل حجرا كبيرا صالحا للبناء على كتفه، وحين رآهم أحد الرجال النابهين في القرية قال لهم: يا لكم من أغبياء! كان من الأسهل عليكم، أن تدحرجوا الحجارة من أعلى الجبل، حتى تصل إلى الأسفل، دون أن تحملوها على أكتافكم. أُعجب الرجال بالفكرة، فصعدوا الجبل مرة أخرى وهم يحملون الحجارة التي جلبوها على ظهورهم، وحين وصلوا قمة الجبل، أنزلوها من على ظهورهم، وتركوها تتدحرج حتى وصلت إلى القرية، ونزلوا هم بدورهم فرحين مهللين!!
وليس من المستبعد وقوع حدث كهذا في أوساط طائفتنا المبجّلة، فأحيانا نشهد في ربوعنا تصرفات غريبة، وأعمالا مستهجنة، تصدر عن بعض الأوساط فينا، ممن يعتبرون أنفسهم من الناطقين باسمنا أو من زعمائنا وقادتنا، فنحن أحيانا يكفينا شبر واحد من الماء نطفو عليه، ونعتقد أننا نطفو في محيط عميق. وبسبب عدم ثقتنا بأنفسنا، نتأثر بأي رأي، وأي خاطرة، وأي أمر يلوح لنا في الأفق، ولا نعطي الأمور حقها من التفكير، ولا نتعمّق، ولا ندرس، ولا نبحث، ولا نحلّل، ولا نتطلع إلى  أبعاد الموقف، وإنما يغلي الدم في رؤوسنا فجأة، ونقوم بتصريحات، ونتخذ قرارات متسرعة غير مدروسة، ونتحوّل إلى فرسان يحاربون ويقاتلون من أجل الدفاع عن أمور خاطئة، وعن قرارات غير حكيمة، وليست لدينا الشجاعة إلى التراجع، أو الاعتراف بالخطأ، حتى ولو أثبت لنا من هم أمامنا، أن كل الحق والرأي والصواب معهم.
 ونحن هنا طبعا، لا نقصد كافة الزعماء والقادة والمسئولين لدينا، إنما نقصد البعض منا، وخاصة في الآونة الأخيرة، حيث كثر المسئولون، والزعماء، والأعيان، والمفكرون، والصحفيون، والناطقون، والقيّمون، في هذه الطائفة المسكينة، وتضاربت الآراء، وأخذ كل واحد منهم يصرّح ويعلن بما يوافق هواه ومصالحه وأهواءه، وليس ما يوافق مصالح الطائفة المعروفية. ونحن دائما نؤيّد الديمقراطية، وندعو إلى إبداء الرأي، وإلى ممارسة الحريات في التعبير والإفصاح، وفي النقد وفي توجيه النصيحة. وكل هذا صحيح في أوقات عادية، بحيث يكون النقاش موضوعيا، ويتم إجراء الحوار بدون المسّ والتشهير والقذف وما شابه.
لكننا نعيش اليوم في ظروف استثنائية، وفي أوضاع حرجة، وفي مواقف مصيرية، فيها حياة وموت، وفيها أخطار جسيمة، ولكل تصريح، ولكل كلمة صدى ووزن أكبر من صاحبه ومن قائله، لأن هناك جهات ومصادر من أعداء الطائفة، تنتهز هذه الفرص، لتستغل أي تصريح وأي إعلان لا يعجبها، في المسّ بكرامة الطائفة، وبإلصاق التهم بزعمائها وقادتها، وبشنّ حملات هجومية على الطائفة ككل لمجرد أن أحدهم تفوّه، أو قال شيئا على عاتقه، معلنة وكأن هذا القول يمثل كافة أبناء الطائفة الدرزية، ويلزم جميع قادتها والمسئولين فيها. وقد زاد من البلية وتفاقمها، سهولة التصريح والإعلان في المواقع الإلكترونية، وفي الصحافة المحلية، فأصبح المجال مفتوحا، أمام كل إنسان، أن يصرّح ويعلن ويقول دون أن ينتدبه أحد، ودون أن يوكّله أي مسئول، وإنما لمجرد القول والظهور، أو حتى ولو كان هدفه الغيرة على مصلحة الطائفة، فليس بهذه الطريقة، وليس بهذا الأسلوب.
 ومن هذا المنطلق، نعود ونقول، إن الأوضاع الحالية السائدة، تضرّ في مصالح الطائفة، وتسبب لها الإحراج والضيق والكراهية، في حين أن مواقف الطائفة، هي عادة شريفة وعادلة ومنطقية وواقعية، لكن المشكلة تكمن في التعبير عن هذه المواقف، وفي الإفصاح عنها، حيث يتطلب منا أن نختصر في الظروف الحالية أي تصريح أو إعلان، وأن نترك هذه الأمور للمرجعيات وللأوساط المسئولة في أوساطنا، التي تُعتبر استمرارية لما كان خلال ألف سنة، حيث استطاعت الطائفة الدرزية، أن تحافظ على كيانها ووجودها خلال كل تلك الفترة، بالرغم من أنها واجهت أوضاعا ومشاكل أصعب بكثير، ممن نواجهه اليوم.
وفي هذه الأجواء، يعيش إخواننا في سوريا أزمة حادّة، ومحنة كبيرة، مثلهم مثل كل أبناء الوطن السوري الكبير. ومن واجبنا هنا، وفي كل مكان، ألا نتدخل وألا نبدي لهم النصائح، وألا نشجع فئة على فئة، وألا ندعوهم لعمل هذا أو ذاك، إنما يمكننا فقط، أن نعلن عن دعمنا لهم، واستعدادنا لتقديم كل مساعدة، مهما قرروا، وكيفما تصرفوا، فهم المتواجدون في الجبهة، وهم الذين يعرفون بالضبط ما هي مصالحهم، وهم الذين يقررون كيف يتصرفون، وماذا يفعلون. وعلينا أن نترك لهم حرية القرار، والعمل بما يتطلب من واقعهم ووجودهم، بدون أي تدخل. فكل تدخل منا، كما قلنا، قد يُستعمل ضدهم، أو ضد أي فئة منهم، وعلينا أن نتبنى موقف فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، حيث صرح قائلا: "  نحن  هنا في هذه الديار, لا نتدخل بأوضاع إخوتنا في سوريا ولبنان، لأننا على ثقة، أن الله سبحانه وتعالى  حباهُم  بقيادة دينية حكيمة مِن المشايخ  الأجلاء، وأخرى زمنية دنيوية بالغة الحنكة والحكمة والدراية على حدٍ سواء،  بإمكانها أن تقود سفينتهم إلى بر الأمان ". وهذا هو الطريق الصحيح، لأن أهل سوريا معروفون بمواقفهم التاريخية، وببسالتهم وبصمودهم منذ عدة قرون، وهم الوحيدون الذين يملكون حق القرار في البت بمصيرهم وطريقهم وسلوكهم، وأي تدخل من الخارج، حتى ولو كان مصحوبا بنوايا طيبة، يمكن أن يضر، وأن يسيء إلى أوضاعهم الحرجة، وعلينا فقط أن نتعاطف معهم، وأن نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يحميهم، وأن نجمع التبرعات من أجلهم، وأن نكون على أهبة الاستعداد، إن هم طلبوا منا شيئا، أن نسارع بتنفيذه.
ونحن حين نزور مقام سيدنا شعيب (ع) في حطين، أثناء الزيارة المباركة، أو في أي زيارة أخرى، نقف أمام الضريح المبجّل خاشعين، ونتوجّه إليه بالدعوات والصلوات، ونرجو منه ما نرجوه، نفعل ذلك تماما كما فعله أجدادنا ومشايخنا على مر العصور منذ مئات السنين، وقد مروا هم كذلك في ضيق، وفي محن، واستطاعوا، بعونه تعالى، وبوحدتهم وتكاتفهم ومساندتهم الواحد للآخر، وباعتمادهم على المشايخ والعقلاء والقادة والمفكرين بينهم، وبوحي من ضمائرهم وتعاليمهم ومبادئهم، أن يتغلبوا على كافة العقبات، وأن يستمروا في طريقهم، وأن يصمدوا أمام الصعاب، بفضل إيمانهم ومحافظتهم على القيم والفضائل والخصال المعروفية. وليس لدينا أي شك، أن إخوتنا في سوريا، سوف يتغلبون، بعونه تعالى، على الأزمة التي تواجههم، وسوف يعودون إلى تبوأ مركز القيادة كما عهدناهم في السابق، فهم ينحدرون من سكان الجبل الأشاوس الذين تغلبوا على أصعب واشد وأقسى المحن والصعوبات، بقوة إيمانهم، ووحدتهم، وصمودهم، وتمسكهم بعقيدتهم وتراثهم وفضائلهم، التي أصبحت مثلا وقدوة ومنارا للآخرين، وهم الذين ظلوا على مدى قرون يقدمون دروسا في البطولة، والشجاعة، والشهامة والانتصار. خاصة وقد عُرف عن الدروز، أنهم جبليون، اعتصموا في أعلى القمم، وعمروا رؤوس الجبال، وحوّلوا سفوحها إلى جنات غنّاء، وما زال والحمد لله فيهم الذين، بالطبع، يعرفون كيف تنقل الحجارة، وكيف تعمر المعابد والبيوت.. 

وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
نيسان 2013