الشيخ مهنا طريف "السِيَّد" - الرئيس الروحي الرابع للطائفة الدرزية
بقلم الشيخ وسيم طريف


ولد المرحوم الشيخ مهنا طريف عام 1849م لوالدين ورعين تقيين في قرية جولس وتربى منذ بدايته التربية الصالحة الحسنة الدينية المقترنة بالآداب التوحيدية. نشأ وشب على تحصيل العلم الشريف والدرس والحفظ ملتحفاً بتقوى الله متسماً بحسن الخلق والحلم والتواضع.
تربى مع أخويه المرحومين الشيخ طريف محمد طريف والد المرحوم سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف (ر) والشيخ احمد محمد طريف والد المرحوم الشيخ علي حمادة طريف على هذه الفضائل التوحيدية السامية وتمسكوا كلهم بهذه الصفات الحميدة الباقية.
كان كبير إخوته وعندما بلغ سن الخامسة عشر من عمره توفي والده المرحوم الشيخ محمد طريف وعند تشييع الجنازة وبعد الصلاة عليها تم تعيين الشيخ مهنا طريف من قبل مشايخ الدين رئيسا" روحياً خلفاً لوالده لما لقوه واستحسنوه من ديانته وتقواه وسمته القويم ولهذا لقب بالسِيَّد.
في ذلك الوقت وبعد مرور السنين لوحظ أن مقام سيدنا النبي شعيب (ع) صغير وضيق ولم يكن به مأوى للزائرين ومع تزايد الإقبال عليه دعت الحاجة الملحة إلى تعمير وتوسيع البناء فما كان من المرحوم الشيخ مهنا طريف إلا أن جمع مشايخ الدين ومن بينهم المرحوم سيدنا الشيخ خليل طافش من كفر سميع والمرحوم الشيخ أبو قاسم محمد فرهود من الرامة والمرحوم الشيخ سليمان حمود من يركا وشاورهم بالأمر فأجمع الرأي على أن ذلك المشروع الضخم في مفاهيم ذلك الزمان ولا يستطيع أبناء الطائفة الدرزية في بلادنا لوحدهم تحمل أعبائه فالأمر يوجب جمع التبرعات والدعم المعنوي من الطائفة في لبنان وسوريا أيضاً, ولهذا أُرسل المشايخ المذكورين مع كتاب توصية من قِبَل الشيخ مهنا وكانت بداية رحلتهم من الجنوب اللبناني من ثم إلى الشوف وبعدها إلى جبل الدروز في سوريا حيث تم جمع التبرعات الكافية للبدء بهذا المشروع المقدس. في هذا المشروع الضخم عمل العشرات بل المئات, لقد تم إحضار بنّائين على مستوى رفيع يساعدهم العمال من اأبناء الطائفة في بلادنا.
ومما يروى من الخلف عن السلف انه في بداية العمل كان لا بد من حفر الأساسات للبناء وللعقود التي ستضاف للعقدين الذين أُقيما في زمن صلاح الدين الأيوبي, في إحدى هذه الحفر وصل العمال إلى عمق ما يقارب الخمسة عشر مترا ً مما سبب لهم الخوف والقلق من الاستمرار بالعمل, كان ذلك بحضور الشيخ مهنا طريف الذي ما كان منه بعد التوكل على الله وتسليم أموره إلى مولاه إلا أن شمر عن ساعديه وربط خصره بالحبل وأمر العمّال بإنزاله للحفرة العميقة فاستكمل العمل لوحده إلى أن وصل إلى القاعدة الصخرية مما شجع العمال وشد عزيمتهم وقوى معنوياتهم, هذا ولم يمر إلا أيام قلائل على تأهيله فلا عجب فالسيد الجليل (ص) تبذل الروح في سبيله.
ومما يذكر أن فوق الضريح تأتي دعامة العقد وقد فكر كبير البنائين آنذاك ويقال له البقعوني في هذه الفكرة فقال له الشيخ مهنا كل عملنا وشغلنا من اجل هذا الضريح المبارك الشريف فأبني فوقه قنطرة تكون داعمة للعقد وهكذا أصبحت الحجرة جميلة بهذا المنظر اللطيف.
إن تخطيط إقامة العقود كان تخطيطا ً سليما ً تعلوهم قبة كبيرة مباركة، لقد دام العمل في تعمير المقام الشريف العشر سنوات قضى الشيخ مهنا معظمها هناك إلى أن أصبح المقام آيةً للناظرين.
ومما يذكر انه عند العمل بجانب الضريح المقدس الزاهر الذي يحتوي بداخله جثمانه الزكي الطاهر وكان لا بد من إزالة بعض الحجارة هناك لتهيئة ذلك للبناء المرتب وأثناء العمل سقط حجر صغير فانبثق النور من داخل الضريح الشريف كالنور الوضاح لشعاع الشمس اللطيف فصلى الله على من لا نبي بعدهُ فهو حتماً آتٍ وعدهُ لا يحيف.
عندما اشرف البناء على الانتهاء في نهاية عام 1884م اجتمع أعيان البلاد للتشاور حول موعد التدشين فأستقر الرأي على أن يكون في تاريخ 25 نيسان 1885م وهكذا تم في التاريخ المذكور تدشين البناء بحضور عدد كبير من أبناء الطائفة الدرزية من سوريا ولبنان وبلادنا وهناك عُيِّن الخامس والعشرين من نيسان في كل عام زيارة رسمية للمقام الشريف(ص) يجتمع فيها مشايخ الدين من أبناء التوحيد لرؤية بعضهم بعض ولتلاوة الصلوات المقدسة والأشعار الروحانية والمواعظ الجوهرية. 
وفي كل سنة كان الشيخ مهنا طريف يصحب معه بعض المشايخ ويتوجه في الوقت المعين لاستقبال الزائرين بالتأهيل والترحاب غارساً في قلوبهم شجر التقوى باثاً فيهم روح الارتياح لعمل الخير, ولم يقف عند هذا الحد فقط بل شرع مؤخراً بإنشاء رسالة لأبناء طائفته بجمع مبلغ من المال لعمار مقام سيدنا الخضر (ع) إلا انه لم يُفسح في اجله فبعد أربع سنوات في عام 1889م قضت الحكمة الربانية على وفاة المرحوم الشيخ مهنا طريف مُخلفاً ورائه ولدان وهما سليمان وعمرهُ خمس سنوات وسعيد وهو في مهد الرضاعة, وقتئذٍ تخرمته المنية غض الشباب غير متجاوز سن الأربعين , فهرع الناس على اختلاف الطوائف لحضور مأتمه العظيم فأجتمع ما ينوف عن ألفين وخمسمائة نسمة  وكان لاجتماع ذلك الحشد منظر يذيب الأكباد ويحرك الجماد, فأنتقل إلى جوار باريه قريراً مطمئناً برضى ربه ورضى أهل التوحيد ودفن في قبة سيدنا الشيخ علي فارس (ر) بجانب ضريحه الشريف.والحق يُقال انه عاش ومات على طريق الخير والطاعة تغمده الله برحمته وافرغ عليه سجال نعمته وإحسانه رحمه الله. وهذه من بعض مراثيه:
 من مرثية الشيخ صالح الخطيب من آل طربيه :
الحمد لله الحاكم العدل الورى      
بفادحةٍ قد أخمدت نار القِرا
بزوال ذا الندب الفريد بعصره      
عالي المقام بعلمه أسد الشِرا
يُكنا مهنا قد تهنَّا فوزُهُ            
بحر العلوم سامي المقام معطرا
شيخ الشيوخ ابن الكرام ممجدٌ  
بدرٌ أضاء فوق الأنام مُنوِّرا
فيا لها من نكبةٍ حلت بنا      
بأفول ذا الشخص الفريد الأطهر
بشرا للحد قد اظم لهيكل ٍ      
بيت الشجون لقد تنضَّد جوهرا
بزائر ٍ قد زاره ثاو ٍ به     
سِفر العلوم بصدره قد سُطِّرا
طوبا له بشرا له يا سعده     
قد حل في غُرَف الجِنان مُقررا
فوزاً له شاد الكمال بهمة ٍ      
قصراً مشيداً مانعاً قد عمرا
قد خاننا الدهر الخؤون بفيلق ٍ    
حبرٌ فهيمٌ فائقٌ متمهِّرا
كهفٌ حريزٌ مانعٌ متدرعٌ   
بملابس التقوى وصدق العنصرَ
شيخٌ تقيٌ زاهدٌ متورعٌ      
فَطِنٌ نبيهٌ زكيٌ متنورا
عَلَمٌ عليمٌ سادقاً في حدسه     
بحرٌ عميمٌ موجهُ قد هدّرا
سيفٌ رهيفٌ ماضيٌ في حدهِ     
نِعمَ الحسام وللحقائق أشهرا
طودٌ وطيدٌ راسياً في أرضه     
رهطٌ جليلٌ نورهُ قد أزهرا
ندبٌ همامٌ ماجدٌ ومكر مٌصدر  
المحافل كالليوث مزمجرا
قُطبٌ اصيلٌ باذخٌ في مجدهِ    
سامي سنياً قد يفوق القيصر
بدرٌ تجلى في الحنادس ظلمة 
زاح الضلال بوعظه قد كفّرا
قَنِتٌ لبيبٌ كاهنٌ في علمهِ أرِبٌ 
فخيمٌ جلَّ من قد صوّرا
بِرٌ نصيحٌ فاتياً في فهمهِ        
وبأمر الله مهللاً ومكبرا
قد حلَّ بالفردوس في دار الهنا 
بمثلها في الكون قل ما قد يُرى
قصراً مشيداً لبنهِ من عسجدٍ   
أيضاً لُجين ٍ من معادن جوهرا
حُلّةٍ شريفةٍ حازها من سُندسٍ   
مشحونةٍ بروائحٍ ٍ من عنبرا
تاجاً شريفاً قد تكلل رأسهُ    
ابيض سطيعاً مثلهُ لم يُنظرا
عمراً محكم دائماً في مائةٍ    
أيضاً وعشرون حقيقاً لامرا
مع خلقةٍ قد صاغها جلّ الذي  
أبدع وعزَّ من قد صورا
حُسناً كيوسفٍ لا سبيل لوصفه
صوتاً داوودياً جميلاً افخرا
فانه يردف روحه برحمةٍ     
نال الكرامة من إمامٍ اكبرا
ويرحم ناظمٍ مع كاتب ٍ أو سامع ٍ  
ويُنيلنا ما ناله في المحشرا

 من مرثية الشيخ سلمان بدر:
فهذه على سبيل البعد والفراق بارزة عن قلبٍ شجيٍّ ذات لوعةٍ واشتياق بها رثا المرحوم المغفور له الشيخ مهنا طريف المنتقل بالوفاة إلى رحمة الملك اللطيف, الذي فقده أعظم مصاب الذي طيَّش العقول والألباب وبكت عليه دموعاً الشيوخ والشباب حيث قال:
أبكي على أمرٍ مهول لقد جرى
منه النوح والبكا والله تولدا
بفقد شيخٍ ذي وقار وهيبةٍ      
أديبٌ نجيبٌ كريم الأخلاق امجدا
تلك الديار جمعاً والأصقاع بلقعت  
وأضحى غراب البين بصوته ينشدا
ألا يا لحد أتاك الحبيب زائراً       
راغب يقطن بك على طول المدى
طوباك يا قبر ولك البشرى والهنا    
فأنت يا قبر سعيد لا شك تُحسدا
فرضاً لازماً نزورك كل جمعةٍ      
ونلثمك يا ضريح كل وقتٍ تعمُّدا
لأنك ثويت شيخ البلاد ورئيسها    
عريق الأصل عالي الفروع موطداً
فوا لهفاه على شيخ ٍ فريد عصره 
ابكي علية بحرقة ٍ ولوعة ٍ وتنهدا
أنبي كلَّ غرٍّ جهولٍ عن اسمه
مهنا يدعى بين الورى سيدا
بكت عليك الإخوان يا شيخ ادمعاً   
شبه دياميماً هاطلة وأزودا
سارت ضعون أحبتي لدار البقا     
وبرحمة الإله الكريم تغمدا
فاضت ادمعي على الخدين سواكباً   
كما الامطار في كانون الأجردا
ألا يا اشِقَّاه الباكيان عليه حرقة ً        
تُدعيان بالأسماء يا شيوخا ً طريفا ً وأحمدا
اضرع للإله تورثان عمره               
ويطرف عنكما أعين الحسَّدا
وتنهلوا كؤوس البقا من بعده             
وترزقوا الحياة وكذا أنجاله السعدا
مقام نبيٍّ شعيب ٍ أتقنه بهندسة ٍ         
وجعله فائق بالبنا عالي مُشيَّدا
وصار هذا المقام للخلق محجة ً         
وتأتيه الورى جمعا ً وتقصدا
وتطيب نفوس الزائرين بما يروا         
من إتقان البنا المهندس مُؤصدا
والخلق تزره رغبة ً بكل موسم ٍ      
وبغير تكلُف ٍ تصدر وتوردا 