عن السويداء في المشهد السوري
 بقلم الأستاذ أمير خنيفس – جامعة لندن
ترتفع في الآونة الأخيرة حدة النقاش حول الموقف المناسب الذي على أبناء الطائفة الدرزية خارج سوريا، وتحديداً في لبنان والأراضي المقدسة، أن يتبنوه اتجاه الصراع القائم على الأراضي السورية منذ  أكثر من سنتين، والذي ازداد شدة وحدة  مؤخرا ًإثر التقدم العسكري الذي حققه الجيش الحر وحلفاؤه في السنة الأخيرة، ونجاحهم في السيطرة على أجزاء كاملة في شمال وشرق الوطن،من جهة، وفي ظل اعتداءات متكررة لقوى مجندة (على ما يبدو ذات عقيدة سلفية) على مصالح مادية وأخرى من منطقة السويداء.
إن التناقض في وجهات النظر هو أمر طبيعي في مثل هذه الحالات المشحونة، لكن هذا لم يؤثر على موقف الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة المعروفية في الأراضي المقدسة، الذين تجندوا من مبدأ الواجب وحفظ الإخوان بكامل قواهم، من أجل تقديم الدعم المعنوي والمادي للأهل والأقارب في الجهة الثانية من الحدود.
لكن وجهات النظر المتناقضة أخذت مسارا آخر عند الأخوان من أبناء الطائفة المعروفية في لبنان، وبالأخص عند القوى السياسية بينهم، فأتساءل كالكثيرين من بينكم حول الدوافع الحقيقية لهذه المواقف، وهل هي تضع مصلحة السويداء وأهلها نصب أعينها؟ أم أن التطورات الأخيرة ليست بأكثر من فرصة جديدة لاستغلال الصراع السوري المستمر بشكل عام، وموقف السويداء الحساس في هذا الصراع، بشكل خاص، من أجل تعزيز مكانتها وأهدافها السياسية الخاصة بها.
فلا يمكن لأحد  تجاهل حقيقة تراجع مكانه القوى الجنبلاطية على الساحة السياسية اللبنانية، على أثر موقفها المتقلب اتجاه القوى السياسية  المتنازعة، وما تعرف ب 14 و 8  آذار منذ عام 2005 وبعد مقتل رئيس الحكومة السابق السيد رفيق الحريري، وإذا كان ما نشر من على صفحات جريدة الرياض الرسمية وما يشير إلى فشل زيارة السيد وليد جنبلاط  للسعودية  في فبراير الماضي صحيحاً، فليس غريباً بأن يضع كل ثقله في سلة ما يعرف بالجيش الحر وقوى التغيير المدعومة من قبل دول الخليج العربي، كمحاولة لاستعادة حلفه معهم بعد أن فقد حلفائه في الجبهة الداخلية.
من جهة أخرى، ليس بغريب وجود قوى سياسية داعمة لنظام الأسد ومتحمسة له مثل شخصية السيد وئام وهاب, خاصةً وأن  النظام هو حليفها المادي والسياسي الوحيد، ولحد معين يمكن القول إنه هو من ˈصنعهاˈ. فبعكس القوى الجنبلاطية والتي يمكنها البقاء على قيد الحياة لفترة زمنية بدون حليف خارجي،  في الأساس، نتيجة مميزات النظام اللبناني واعتماده على عائلات إقطاعية من الطوائف الدينية المختلفة، فهذه قوى ضعيفة ولا مستقبل لها دون حليف خارجي، الأمر الذي يبرر دعمها المتزمت لنظام الأسد.
 
الفرق الوحيد هو أنه في حين استطاعت الهيئات السياسية والدينية العاملة بين أبناء دروز الأراضي المقدسة التعالي عن الخلافات بينها وحول مواقفها اتجاه الصراع السوري، والعمل سويةً من اجل تأمين المساعدة المطلوبة للإخوة في سوريا، ليجعلوا كل فرد منا فخوراً بانتمائه، حولت القوى السياسية  في لبنان موضوع السويداء إلى برنامج إعلامي  متلفز، يصبو إلى تعزيز مواقعها على الحلبة السياسية المحلية متميزاً بغياب تام لأي دعم حقيقي.
من المهم توضيحه، بأن الهدوء الذي يميز عمل الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة المعروفية في هذا الموضوع، لا ينبثق من انعدام وجود رأي  اتجاه التطورات الأخيرة على الساحة السورية، وإنما العكس تماماً. فقد جاء كنتيجة لوعي كاف عند هذه الأغلبية لفهم المركبات المعقدة التي تميز الصراع السوري، وبالأخص دور الدول الغربية في هذا الصراع، واستمرار الحرب الباردة بين روسيا وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، من خلال شعوب المنطقة ودولها الفقيرة.
هذه ألأغلبية، ومن خلال تجربتها مع الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، واعية لدورها الحقيقي، كأقلية دينية في المنطقة وفي مثل هذه الصراعات، والتي يلعب المركب الديني، كما هو الحال مع الصراع السوري أيضاً، دورا هاما  بها.
أضف إلى هذا كله، حقيقة ما اكتسبوه من خلال تجربتهم مع واقع وتطور الصراع الإسرائيلي –العربي في السنوات الماضية، وبان الانجازات الحقيقة تقاس، في النهاية، على ارض الواقع وليس عبر شاشات الإعلام  والدعايات الرنانة، كما هو الحال عند معظم القوى السياسية العربية عامةً واللبنانية خاصةً.
وبناء على ما ذكر، فإن الموقف المناسب الذي يجب أن تتبناه الجاليات المعروفية في منطقتنا (الشرق الأوسط)وكذلك كما هو الحال بيننا في الجاليات المغتربة، يجب أن يتماشى مع مصلحة السويداء وأهلها، على أمل أن يتلاءم هذا الموقف مع مصلحة الوطن الأم أيضاً، سوريا. ولكن كل هذا ليس بحسب أهواء ومقاصد جهات سياسية مختلفة طالما ما تكون قراراتها متأثرة بعوامل أخرى، وليس شرطاً  مصلحة السويداء وأهلها.
 وبمناسبة حلول الزيارة السنوية لمقام سيدنا شعيب، أتوجه لجميع مشايخنا الكرام في البلاد بأن يصلّوا ويبتهلوا إلى الله، سبحانه وتعالى أن يحقق السلام والمحبة  بين أبناء الشعب السوري عامةُ، وبين الأهل في السويداء خاصةً، وأتوجه إلى حضراتكم بأن تتبنّوا موقف الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة المعروفية في الأراضي المقدسة، وتقديم الدعم الممكن للأهل في السويداء، دون شروط مسبقة وبدون أي علاقة لموقفكم السياسي اتجاه القوى المتنازعة. 
 المقالة مهداة لجميع أعضاء الجمعية الخيرية من أجل السويداء في بريطانيا.