المزار
قصة بقلم الكاتب سهيل الشعار – صلخد

حين بنى أجدادي هذا المزار فوق الجبل لم يكن أحد  منهم يعلم ماذا يخفي الجبل تحته، ولم يخطر على بال أحدهم قط أن يحصل ما حصل.
الناس، وغالبيتهم من المساكين، الفقراء، يأتون لزيارة المزار من أماكن بعيدة، نائية، حاملين الخراف والدجاج لذبحها عند قمة الجبل، للتبرك وطلب الدعاء.
يأتون إليه طوال أيام السنة، بمناسبة وغير مناسبة، إذا تزوّج أحدهم يأتي مع عروسه لزيارة قمة الجبل المرتفع، وإذا وُُلد صغير لأسرة محرومة من الأولاد، يأتي الأهل جميعا ومعهم خراف ودجاج، يذبحونها عند باب المزار، ويشكرون رب العالمين على رحمته الواسعة وفضله الكبير.
كانت المراعي كثيرة حول الجبل وعلى سفوحه.. وكان الجبل كالمارد جبّار، يقف شامخا، محدّقا بصمت مهيب في الجموع الزاحفة عليه.. حتى الغيم الأبيض، لم يكن ليفارق قمته، يبقى طوال العام محيطا بالجبل من كل ناحية، كأنه يحميه، ويقال إن الغيم لم يكن ليتجرّأ يوما يرتفع فوق القمّة، كان يبقى تحت المزار، وفوق السفوح والسهول القريبة، احتراما له، حتّى إذا امتلأ بالمطر، ارتفع ليهطل فوق الجبل ويغسله.
حتى جاء ذاك اليوم...
أحد الرعاة، مات كلبه، فبكى عليه كثيرا، حفر له حفرة عند أسفل الجبل ليدفنه، وبينما كان يحفر لمع شيء ما بين التراب، مدّ الراعي يده وامسك بقطعة ثقيلة من الذهب، ظنّ الراعي أنها غير حقيقية، لفّ جثة كلبه بكيس وحمله على ظهر الحمار، جمع قطيعه واتجه نحو البلدة..
وفي الطريق، رمى الكيس في حفرة وجدها محفورة إلى جانب الطريق، ثم هال بعض التراب عليه ومضى.
وفي اليوم التالي ذهب الراعي إلى المدينة، عرض ما بحوزته على بعض بائعي الذهب، طلب منه أحدهم أن ينتظر قليلا.
بعد عشر دقائق وصلوا..
أمسكوا بالراعي واقتادوه إلى مكان مجهول تحت الأرض، لم يعد منه حتى اليوم.
وما هي إلا أسابيع حتى أحيط الجبل العالي بأسلاك شائكة، مكهربة، ولافتة كُتب عليها:
منطقة عسكرية، يحذر الاقتراب والتصوير.
بدأت عمليات الحفر والتنقيب..
نُقل المزار إلى هضبة قريبة، وأُقيم مكانه مفرزة حراسة، وبات الجبل المهيب، المتوّج بالغيم الأبيض الجميل، هيكلا كبيرا، سقيما تنهش لحمه أسنان الجرافات ومعاول العمال.. حتى الغيوم غادرته هاربة من الغبار والضجيج.
ومع الأيام، قلّت زيارات الناس إلى المزار، وتحوّلوا إلى أسفل الجبل للعمل والتنقيب عن المعادن الثمينة فيه.
ونتيجة الحفر المضني، اكتشفوا سردابا قديما يصل الجبل بالهضبة القريبة.
ومرة أخرى، نُقل المزار إلى مكان آخر، واُحيطت الهضبة بأسلاك شائكة، مكهربة..
واستمرّت الأسنان الحديدية تنهش التراب، وتكسر الصخور، وبقي المزار وحيدا في السهل، مهجورا، كشجرة يابسة لم تعد وكرا للطيور، ومتفيّأ للمارّة. 



 سهيل الشعار:

كاتب قصة سوري ولد في لبنان عام 1972، وأمضى طفولته وشبابه حيث تلقى تعليمه في مدينة صلخد التابعة لمحافظة السويداء. عضو في اتحاد كتاب العرب، حائز جائزة BBC، وجائزة المزرعة لأكثر من مرة، وهو معد لبرنامج (حوار الأدباء)، في الإذاعة السورية. له سبع مجموعات قصصية هي: 
1- أعود بعد الموت- قصص 1996.
2- اعترافات متسكّع دمشقي – قصص، دار كنعان بيروت 1999.
3- حب وعصافير - قصص اتحاد الكتاب العرب 2001
4- ليل المدينة وقصص أخرى - قصص اتحاد الكتاب العرب 2006
5- الذئب الراكض في المدينة
6- غابة البلوط
7- العناكب 2009