آداب وفضائل التوحيد
بقلم د. سامي نسيب مكارم
على الموحد، كما يقول الشيخ الفاضل (ر) أن يتميز بآداب وفضائل لا يصح التوحيد إلا بها وهي :
أولا: التقوى: تقوى الله سرا وعلانية. فالتقي، كما يقول، من إذا قال لله وإذا عمل لله. ويقصد بتقوى الله في السر أعمال القلب وسلامته وصفاء السريرة. أما تقوى الله في العلانية فهي ما يظهر من أفعال من الجوارح. والتقوى، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)،هي الإخلاص للهفي السر والإعلان. المساواة بين الظاهر والباطن، ومراقبة الله في اللحظ واللفظ والسمع والفكر والأكل والشرب واليقظة والنوم. فإذا قال المرء فلله وإذا عمل فلله، وإذا نوى فلله.
ثانيا: الاجتهاد في العلم والعمل.لأن العلم، كما يقول، ثمرة الروح وبه حياتها وهو غذاؤها وبه بقاؤها ونماؤها ونجاتها. على أن يكون العلم مقرونا بالعمل به، وأن يكون العلم والعمل خالصين لوجه الله. والعلم إثمه كبير إذا لم يقرن بالعمل ويخلص فيه لله تعالى.فمن العمل بالعلم أن يشترك الموحد به مع إخوانه على قدر استعدادهم، فيهديهم بعلمه إن كان عالما، ويرشد جهله بعلمهم إن كان جاهلا. وهكذا نرى ما للعلم والعمل من شأن في عقيدة التوحيد.
ثالثا: القيام بالفرائض الإلهية والمواجب الدينية. فمن لا يُقم الأصول، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)،لا يعرف الفروع. والفرائض الإلهية أصل الدين وملاكه ونظامه. الموحد الحق إذن هو الذي لا يتوانى من القيام بدعائم الدين من صلاة وزكاة وصوم وحج إلى بيت الله الحرام، بمعناها الحقيقي ومعناها الشرعي معا.
رابعا: حسن المعاملة في البيع والشراء والأخذ والعطاء والقرض والوفاء.إذ يستدل على صحة دين المرء بحسن معاملته. فمن لا يدقق على نفسه، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)، في القطعة والدرهم فلا يكون متقيا الله على الحقيقة، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره ) وقد قال رسول الله " الدين المعاملة" .
خامسا: حُسن الأخلاق ولين الجانب ونفي الطيش والشراسة والنزاقة والغضب والصبر والاحتمال. وهي من فضائل الأعمال ومحاسن الأخلاق إذا اقترنت، كما يقول بالإيمان والعلم الصحيح وإذا انتقلت لدى الموحد من ان تكون صفات طارئة إلى أن تكون خصالا طبيعية هي ثمرة توازن الطبائع العقلية في الموحد. أما إذا بقيت صفات لا يستعملها المرء إلا إذا خدمت مصالحه الدنيوية الآنية فلا تعد سجايا أصيلة فيه يتخلق بها وخصالا بها "تتخضل"طباعه وتنطبع فيه في السر والإعلان وفي السراء والضراء. فبالهمم العالية، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)، تتيسّر الغاية ويظهر السرّ المحجوب.  
سادسا: ترك الدعاء بالسوء بالكليّة، سواء على إنسان أو حيوان أو غير ذلك. فالدعاء بالسوء كما يقول، يشير إلى نية سيئة وخُلق دنيء وينمّ عن إرادة لو قدر المرء على تنفيذها لفعل. وهذا هو اعتراض على الله الخيّر المطلق، كما يدل على سوء هذا الداعي وعلى ما هو عليه من شرّ.
سابعا: ترك المباهاة والزهو والخيلاء والرياء والزينة، لأنها سبب لطلب الجاه. وحب الجاه، كما يقول منازعة الله تعالى في مجد ربوبيته وسلطان وحدانيته. والمباهاة والزهو والخيلاء والرياء نتيجة "الأنا" المُبعدة الموحد بثنائيتها عن حقيقة الوحدة الحق. والزينة هنا مقصود بها الزخرف في الظاهر والباطن معا. وهي سبب لانبعاث الشهوة والكِبر والعجب والفخر وهذه كلها معاصٍ ومهاوٍ ومهلكات. وأما الزينة الباطنة فهي أعمال الرياء. ثم يقول إنها أعظم ما يبتلي به العلماء والزهاد. فإنهم لما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وحملوها على أصناف العبادات عجزت أنفسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح وطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم فنازعت في إظهار الطاعة وتوصلت إلى إطلاع الخلق ولم تقتنع باطّلاع الخالق ففرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الهع وحده جل جلاله. وهذا غاية الطغيان.
ثامنا: تَرك الكِبر والعُجْب، أما الكبر فخلق باطن ظاهره التكبر، كما يقول الشيخ الفاضل (ع). والكِبر، يردف قائلا، هو استعظام النفس لرؤية قدرها فوق قدر الآخرين. فإذا نظر المرء إلى نفسه وعلمه وعمله استعظم نفسه وتكبر. أما العجب فيقول الشيخ الفاضل، إنه على نوعين، نوع لازم ونوع متعدٍّ. فأما اللازم فهو أن يعجب المرء بنفسه وعلمه وعمله ورأيه، فيرى نفسه ذا قدر وقيمة، ويرى علمه واسعا وعمله حسنا ورأيه صوابا. وأما المتعدي فهو أن يرى نفسه أفضل من غيره، وعمله أوسع من علم غيره، وعمله أحسن من عمل غيره، ورأيه أصوب من رأي غيره. وهذا يدعو إلى الضلال وينافي التوحيد. أما الحقد فإنه يحمل على التكبر من غير عُجب كالذي يتكبر على من يرى أنه مثله أو فوقه، ولكنه قد غضب عليه لسبب يشق منه فأورثه الغضب حقدا فهو لذلك لا تطاوعه نفسه أن يتواضع.
تاسعاً: ترك الحسد، والحسد، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)، يدعو إلى جحد الحق، فيعرض الحاسد عن المحسود ويتكبر عليه. والحاسد، يواصل الشيخ الفاضل، ظالم في صورة مظلوم: حزن لازم، وغش دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي، ومغتاظ على من لا ذنب له، وبخيل بما لا يملكه. والحسد فإنه يوجب البغض للمحسود وإن لم يكن من جهته إيذاء وسبب يقتضي الغضب والحقد. ويدعو الحسد أيضا إلى جحد الحق، فهو يعرض عنه ويتكبر عليه. وللحسد، كما يقول أسباب سبعة هي: العداوة، والتعزز، والتكبر، والعجب، والخوف من فوات المقاصد المحبوبة، وحب الرئاسة، وحب النفس وبخلها. فكم على الموحد أن يحفظ نفسه ليحفظ إخوانه، وكم عليه أن يؤدّب نفسه بآداب التوحيد، وكم عليه أن يكشف عيوب نفسه كي لا يكشف عيوبه الناس، وأن يكون صادقا مع نفسه ليكون صادقا مع الآخرين. فمن صالح نفسه على الخير صالحه الناس وبادلوه صدقا بصدق وكشف الله خيره وستره عن الأشرار.
عاشرا: صون النفس من حب المجد والجاه وطلب الرئاسة. ذلك أن من غلب عليه حب الجاه، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)،صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم ومرآتهم. وما زال في أقواله وأحواله وأفعاله ملتفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم. وذلك بذر النفاق واصل الفساد. ويجر ذلك إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب. ثم يقول إن كل من طلب المنزلة في قلوب الناس، يضطر إلى النفاق عليهم والتظاهر بخصال حميدة وهو خال منها. والمراءاة تدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى أن الرجل يناظر من يعلم أنه أفضل منه ولا يتواضع له في الاستفادة خيفة من أن يقول الناس إنه أفضل منه.  فيكون باعثه على التكبر. وكم من الناس يقعون في هذه الأسباب الأربعة، أي العجب والحقد والحسد والرياء. تغلب عليهم "الأنا" فتجرهم إلى هذه الأسباب دون أن يعرفوا، ويكتفون بالعبادة الظاهرة دون أن يتعمّقوا، ويقومون بواجباتهم الدينية على ظاهرها دون أن يحاسبوا أنفسهم مطمئنين على حمد الناس لهم .
الحادي عشر: ترك الغيبة. لأن الغيبة، كما يقول، من علامات عدم الأمانة، وعدم الأمانة كذب وبهتان ومدعاة إلى الشرّ والظلم. وهي فوق ذلك تعدٍّ على الآخر وجبن واتهام دون أن يُعطى الآخر حقه في الدفاع عن نفسه. وهي، كما يقول، الصاعقة المهلكة للطاعات.
الثانية عشر: ترك النميمة لأن من ثمرة النميمة، كما يقول إيغار الصدور، وفتح الشرور، وإضرام العداوة والكراهية والبغضاء. والنمّام، إن لم يتُب، ملعون عن لسان الله، كما يقول رضي الله عنه بعيد من آيات الله، محروم من رضا الله، ممقوت عند الله، بعيد عن محبة الله. فالنميمة تضرم العداوة والكراهية والبغضاء بين الناس.  وهي عائق أكبر للمحبة والوفاق ووحدة الكلمة والتعاون على البر والتقوى.
الثالث عشر: مداومة الصلاة. لأن الصلاة هي صلة القلوب للواحد الأحد، وهي مُجلبة للقرب من الله وتذكرة بحقيقة الإنسان. فالصلاة تحيل الموحد، إن ينطق لسانه بها، كلمة تضرع ومحبة لله وافتقار  إلى رحمانيته تعالى...
رابع عشر: الاحتشام في الملبس والمظهر. فالاحتشام، كما يقول الشيخ الفاضل (ع)، سُترة عظيمة ودرع مانع، وحصن حصين، ووقاية للجسد، وجمال ظاهر، وكمال في المروءة، وشدة في الحياء. وهو، إلى ذلك، قدسية لمقام الإنسان وغايته في الوجود. والاحتشام مساهمة في ممارسة الفضيلة. ذلك أن عدم الاحتشام قد يثير في الآخر شهوة ضارة، فيكون غير المحتشم مسببا للرذيلة حتى ولو لم يكن ممارسا لها. ومُسبب الرذيلة كفاعلها. والاحتشام فوق ذلك، استشعار لحضور الحق. ذلك لأن الإنسان هو صفوة صورة التجلي الوجودي. فعلى الإنسان إذاً ألاّ يدنّس ب"أناه" وشهوة"أناه" هذا التجلي القدسي. والاحتشام، إلى ذلك، احترام لقيمة الإنسان. فالإنسان، رجلا كان أم أنثى حرمة عليه ألاّ ينتهكها بأن يتدنّى إلى أن يكون وسيلة لإثارة الشهوة البهيمية في سبيل إظهار "أناه" التي تبعده من الحق وترميه في الضلال. 
خامس عشر: الحرص على الطهارة. والطهارة هي نوعان متكاملان متلازمان: طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فطهارة الظاهر حفظ للجسد وصحته وكرامته وجماله، حفظ للمجتمع وسلامته وكرامته وجماله. أما طهارة الباطن فهي طهارة النفس من "الأنا" وتحققها بالله وانجذابها إلى الواحد الأحد. وهذا هو الحب الحق. والموحد، بحبه هذا، إنما يتحقق إنسانا، ويحقق فضيلته في هذا الوجود، ويحقق توحيده بالواحد الأحد. وحب الله تعالى هو الطهارة الحق كما يقول مسلك التوحيد. والطهارة الباطنة توجب الطهارة الظاهرة. ففي الأشياء ما لا يجب ترك ظاهره ولو علم تأويله على جميع الوجوه.
عن كتابه" العرفان في مسلك التوحيد" 2006  