الانتخابات من نِعَم الديمقراطية
بقلم القاضي فارس فلاح
رئيس لجنة الانتخابات في منطقة عكا سابقا

تعيش بلادنا في هذه الآونة، معركتي انتخابات حاميتي الوطيس، الأولى للكنيست، والثانية للمجالس المحلية. وقد تعوّدنا في السابق، أن تجري  الانتخابات للجهتين في يوم واحد، وأن تتزامن معركتا الانتخابات في نفس الوقت. وهذه السنة، سيكون فارق حوالي سنة بين المعركتين، مما يشير إلى أن المواطنين، سوف يظلون منشغلين، شاءوا أم أبوا، في معركة انتخابات طويلة حادة، تشغلهم كثيرا، وتأخذ حيزا من تفكيرهم . وفي انتخابات الكنيست، وخاصة الأخيرة، كثرت الأحزاب والقوائم المرشحة، واختلط الأمر على المواطنين، وحصلت تنقلات لمرشحين من هنا إلى هناك، مما جعل بعض الأوساط في مجتمعنا وفي الدولة، تسأم العملية الانتخابية، وتنظر إليها بعيون سلبية، وتقرر أحيانا عدم التصويت ومقاطعة هذه الانتخابات وعدم الاكتراث بها. ويحدث هذا أحيانا مع الانتخابات للسلطات المحلية في قرانا، حيث أننا نجد أن هذه الانتخابات تشغل المرشحين والمقربين منهم والمهتمين بالموضوع، لكنها لا تعني شيئا أو لا تعني الكثير بالنسبة لغالبية الجماهير. ونتيجة لهذا التصرف، نجد أنه في السنوات الأخيرة، تقل نسبة عدد المصوتين من انتخابات إلى أخرى، بسبب عدم الاكتراث واللامبالاة واليأس الذي يبديه المواطنون بقولهم أحيانا : هذا المرشح سوف يُنتخب مهما نفعل، لذلك لا توجد جدوى في ذهابنا للانتخابات.
 وفي الانتخابات للسلطات المحلية، نجد اشتراكا أكبر في عملية الانتخاب من قِبل المواطنين، لأن النطاق أضيق والاهتمام بنتائج الانتخابات أكبر، لكننا مع كل هذا، نجد أن أعدادا كبيرة من المواطنين تقاطع الانتخابات ولا تمارس حقها في التصويت، وذلك أيضا بسبب اليأس من إمكانية التأثير على نتائج الانتخابات أو على حسم الموضوع.
وفي الحالتين نجد هؤلاء المواطنين يقعون في خطر كبير، ونقول لهم : إنهم لا يمكن أن يتذمروا من تصرفات من فاز بالانتخابات غير المقبولة عليهم، لأنهم هم كانوا السبب في ذلك. فالانتخابات هي حق، وهي حظوة، وهي هدية، وهي ثروة كبيرة يملكها المواطن، ويستطيع بواسطتها أن يفرض النظام والجهاز الذي سيحكم في السنوات القادمة. وعلى كل مواطن حتى الفرد أن يعرف، أن صوته هو الذي سيقرر المصير، ويحسم الموقف. لذلك عليه أن يفكر جيدا في المرشح المناسب أو في الحزب المناسب، وعلى كل مواطن بالدرجة الأولى، أن يشارك في التصويت والاقتراع، لأنه يدخل في الإحصائية إذا شارك في الانتخابات. وإذا تردد واعتقد أنه لا يوجد بين المرشحين من يحظى بتأييده، ويمكن أن يمنحه صوته، عليه أن يفكر أن يمنح صوته إلى من يعتقد أنه الأقل سوءا من بين الموجودين. وإذا تصرف كل مواطن من هذا المنطق، سوف تكون النتائج مرضية ومقبولة ومناسبة أكثر، مما يقوله عادة الكثيرون أنه لا تأثير لأصواتهم، وأنهم سوف يقاطعون الانتخابات.
 وفي الآونة الأخيرة، نجد أن نسبة المنتخِبين هي حوالي 60% من أصحاب حق الاقتراع، يعني أن الحزب الفائز يمكن أن يحصل على 20% مثلا والباقي يتوزع على عدد كبير من القوائم. وإذا علمنا أن 40% لم ينتخبوا، فتصوّروا لو تجمع من بين هؤلاء، أي عدد وانتخب حسب ما قلناه، لكان قد غيّر وجه الانتخابات، لأنه كلما زاد عدد المنتخبين، كلما كانت الانتخابات حقيقية أكثر، وتعبّر بشكل صادق عن مشاعر الناس. ففي الانتخابات التي لا يشارك فيها عدد كبير، تنجح القوائم والأحزاب المنظمة، التي يدعمها أناس لهم أهداف واضحة، ويعرفون ما يريدون، فيقومون بتجنيد أنصارهم ويشاركون بالانتخابات بشكل مكثف، مؤثرين على نسبة النجاح، حيث أن وزنهم في العدد القليل من حاصل الناخبين أكبر بكثير من وزنهم في حالة اشترك عدد كبير من الناخبين، وهذه الأحزاب المنظمة تجند عادة كل أنصارها وهكذا تستطيع أن تنجح وتثبت وجودها.
من هنا نقول لجميع المواطنين: انتخبوا، اذهبوا إلى صناديق الاقتراع، ارفعوا نسبة الناخبين، ضعوا صوتكم لمن تعتقدون أنه الأكثر ملاءمة والأنجح، وإذا لم يكن هناك من تدعمونه بثقة كاملة، فصوتوا لمن ترونه شبيها أو قريبا مما تحلمون به. وإذا لم يكن فللأقل سوءا. هكذا لو فعل الجميع لوفروا عليهم فيما بعد التذمر والتشكي والنقد بأن الحزب الحاكم غير مناسب، ولا يقوم بواجبه ويجب تغييره. وتظل هذه الأسطوانة تعود مدة أربع سنوات والكل يقول سوف نغير الحزب أو الرئيس وعندما تقترب الانتخابات تتكرر نفس العملية ويشعر المواطن بالإحباط واليأس ويقاطع الانتخابات وتظل الأمور على حالها. 