مكانة المرأة عند الدروز
بقلم الكولونيل تشارلس تشرشل

إن المكانة التي يمنحها الدروز للمرأة هي من خصائص هذا الشعب وحده. وقد يكون بالإمكان أن نضيف بأنها خصائص لا مثيل لها لغير الدرزيات في المشرق بكامله. لأن المعروف جيدا أن المحمديين (المسلمين) يعتبرون أن المرأة ليست أرفع من العبد إلا قليلا، وبعضهم طالما سأل علماء الشريعة عمّا إذا كان للمرأة روح. أما المسيحيون فرغم أنهم يجعلون لهن نصيبا في الاعتبارات الدينية فإنهم مع ذلك مثل المحمديين يعتبرونهن أحط منهم مكانة. ولدى هذين الدينيْن لم تكن مهمات النساء تتجاوز ما عليهن من واجبات في مخادعهن كزوجات، وأكثر ما كان يتاح لهن فأمر العناية بالمنزل ، بينما الدروز هم على عكس ذلك لأنهم تقيّدوا بتقاليدهم الدينية، يرحّبون بأن يكون لنسائهن نفوذ وسيادة. وفي خلوات الدروز يجتمع العقال من إناث وذكور يفصل بينهم حاجز لتلقي المعرفة والإصغاء إلى قراءات مما في كتبهم المقدسة دون تفريق بين الجنسيْن... وعندما تجري مقابلة بين عقد اجتماع للعقال عند الدروز واجتماع لمجلس نواب أو مجلس شيوخ، فعلينا أن نتذكر أن نصف عدد هؤلاء هو من النساء. هذا لا يعني أن جميع هؤلاء النساء والرجال يشتركون في المناقشات المختلفة والمواضيع ذات الشأن، ولكن في الأساس لا تقف النساء على الحياد. وزيادة على هذا الحد فقد كان هنالك من الموحدات الإناث، نظرا لرفعة مقامهن أو لسعة معارفهن حيث كان يُسمح لهن بإبداء آرائهن فيما يتعلق بمصالح المذهب بكل جرأة وحرية ووضوح رأي وأحيانا بنفوذ لا يًُردّ.
ومن المؤكد أن بعض النساء الدرزيات في الوقت الحاضر في جبل لبنان من لهن من الحكمة والذكاء والحصافة ما رفع من مقامهن لدى أقاربهن المشايخ، وهن أيضا عند القادة أصحاب النفوذ من الدروز، مرجوع إلى رأيهن وفي كثير من الأحيان لا يُقطع في أمر ولا يؤخذ قرار إلا بعد عرضه عليهن وموافقتهن.
والنساء الدرزيان يتمتعن بتكوين جسماني قوي وشجاعة أدبية عالية، كانت تدفعهن في بعض الحالات لأن يعيبوا على أزواجهن أي تلكؤ بالإقدام والجرأة عندما تتأزم الأمور، وكن يتبعنهم إلى ساحات القتال بجرأة وحزم. ففي الحرب الأهلية الأخيرة سنة 1845 عندما كانت قرية بتاتر مهددة بعدد كبير من المسيحيين بحث الدروز بإخلاء المكان حتى أن أحد المشايخ الرئيسيين اقترح إعطاء الإشارة بالتراجع، فانتفضت غضبا زوجة الشيخ قاسم عبد الملك قائلة:" إذا كنتم لا تعتبرون أنفسكم رجالا اعطوني طربوشا وسيفا وسأتولى بنفسي قيادة المعركة. " هذا الصوت الجريء البطولي حرّك الدماء في قلوب الرجال فاندفعوا إلى المعركة وكان النصر حليفهم. من هذا النوع من النساء الموحدات كانت الست حبوس زوجة الأمير عباس أرسلان العائلة التي كانت تبسط عليها نفوذها بعقل رصين تتألق منه وقفات القوة والإدراك. لقد كان تفوقها الفكري معترف به دوليا مما خوّلها بعد تعرّضها لمواقف متأزمة أن تتسلم زمام الأحكام ومع وجود أمراء عديدين في عائلتها مؤهلين بالنسبة لمولدهم وأيضا لقدراتهم لتولي المركز الذي كانت تشغله في مقاطعة الغرب الأدنى بأسرها وحتى سهل بيروت نفسه كان يعترف بزعامتها.
كان مقرها في الشويفات ملتقى زعماء الجبل ذوي المقام العالي يجتمعون ويناقشون الأمور بحضورها ويستعينوا بصدق آرائها بكل ما يتعلق بشؤون الجبل اليومية سيان الأمور المدنية أو الجرائم والمخالفات التي كان لقرارها فيها شأن. لذلك كان المتظلمون يأتون إليها للحصول على مقابلة بقدر ما تسمح به التقاليد الدرزية. كانت الأحزاب كلها تجتمع في الديوان الكبير ويبسط كل منهم شكواه أمام عدد من الموظفين الذين يقومون بتسجيل الوقائع وهم من يتألف منهم مركز القضاء. كان بإمكان المراقب أن يرى عيون المتكلمين شاخصة نحو ستارة بجانب من الغرفة ينطلق من ورائها بين الحين والآخر صوت رخيم يعترض أو يقترح أو يكافئ نسبة لما هو معروض أمامه، ولكن بلهجة صاحب السلطان له القدرة على فرض الطاعة وحفظ النظام. 