مواقف مع فضيلة المرحوم الشيخ أمين
 بقلم د. سلمان حمود فلاح 
بعد مرور تسعة عشر عاما على رحيل طيب الذكر المرحوم الشيخ أمين طريف، ما زلت أشعر بوجوده وبشخصيته وبمواقفه وأحاديثه الجميلة، حيث كنتُ على اتصال وثيق به على مدى أربعين سنة من سنواته الأخيرة، وشاهدت بعيني أعماله الجميلة ومواقفه الرائعة ونشاطاته الجمة. وكلما مرّ وقت أكثر، نشعر أن الله سبحانه وتعالى، منحنا شخصية ولية هامة، لها قداسة عند الله سبحانه وتعالى، ولها ذكر طيب، ونحن نستعين بوجودها، ونعتمد على التراث الكبير الذي تركته لنا، ولا نزال نلهج بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى للمرحوم، فضيلة الشيخ أمين بالرحمة والرضوان. 
 
وكانت أول مرة التقي فيها بفضيلة المرحوم عام 1954، فقد كانت لحظة رائعة لا بل تاريخية أو قل رهيبة، أقف فيها ولأول مرة أمام شخصية طالما سمعت عنها الكثير، وطالما ردد ذكرها في بيتنا المرحوم والدي الشيخ حمود فلاح وبكل إجلال واحترام وتقديس، أقف بين الشيخ أمين طريف، لا أعرف إن كنت بحلم أو علم، واقتربت منه وطرحت السلام عليه، وبهرني نور محياه، ولأول مرة في حياتي شعرت برهبة القدسية والإيمان وبهيبة الشيخ الوقور والزعيم الروحي الكبير طيب الله ثراه.
 كان ذلك في الثاني من شهر شباط عام 1954 في مكتب رئيس الحكومة آنذاك السيد موشيه شريت في القدس. جاء شيخنا الجليل مع عدد من المشايخ إلى رئيس الحكومة بطلب مساعدته لكف يد الشيشكلي عن ضرب جبل الدروز. جئت إلى هناك بناءً على طلب من مكتب رئيس الحكومة لترجمة أقوال الشيخ أمين للرئيس شاريت، وكنت آنذاك طالبا في مدرسة الريئالي العبرية في حيفا. وقد تزامن وجودي في القدس، في اجتماع تمهيدي لإقامة منظمة الكشاف الدرزي التي بادرتُ إليها قبل بضعة أشهر. وكم يصعب عليّ وصف مشاعري في تلك اللحظة المهيبة فها أنا الشاب اليانع أقف بين يدي الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، رمز الدين والقدسية لأستمع إلى طلباته وأنقلها إلى السيد شريت لإقناعه بالتدخل..
كان هذا اللقاء الأول بفضيلته ومنذ اللحظة الأولى، انتباني شعور بالإجلال والتقدير لهذا الشيخ، الذي كان وما زال في نظري، وليا وقديسا ورمزا للخير والطهر والنقاء. وكم كنت مندهشا عندما بدأ الشيخ أمين يسألني عن تعليمي في مدرسة مشهورة، وكيف وصلت إليها، وكيف تعلمت اللغة العبرية، وكيف أصل إلى حيفا من كفر سميع التي كانت منعزلة وبدون شارع للسيارات تصلها. وعندما أخبرت المرحوم أنني أسعى لإقامة منظمة شبيبة درزية وأنني اخترت الحركة الكشفية وأننا أقمنا فروع لها في قرى درزية بارك الشيخ أمين خطانا وتمنى لنا النجاح.
وكان لقائي الثاني للشيخ أمين في ظروف مختلفة، وبعد بضعة أشهر في جولس وبناء على دعوته. وفي هذا اللقاء فوجئت بوجود مشايخ من بضع قرى يعرضون على الشيخ أمين أمر إقامة منظمة كشفية، ويقولون له إنهم سمعوا أن الكشاف هي حركة شبيبة تجمع البنين والبنات معا. وعندما سألني الشيخ هل تشترك البنات؟ أنكرت ذلك وبحق إذ لم نكن نثق في تلك المرحلة بانتظام الشباب في هذه الحركة فمن كان يفكر بضم البنات إليها. وانشرح صدر فضيلته وبارك الخطوة وذكر للحاضرين بأنه سمع مني عن إقامة هذه الحركة مع رئيس الحكومة شاريت.
وفي سنة 1956 بدأ نشاطا مكثفا يتعلق بأوضاع الدروز والاعتراف بهم كطائفة مستقلة وإقامة مؤسسات رسمية، والمطالبة بحقوق الدروز، وخاصة بعد تنفيذ قانون التجنيد الإجباري بالنسبة للشباب الدروز. وفي تلك السنة باشرت دراستي الجامعية في الجامعة العبرية وسكنتُ في القدس وبدأت مرحلة جديدة من اللقاءات المستمرة مع فضيلة الشيخ أمين إذ كان يحرص أن نلتقي. وزادت هذه اللقاءات عندما بدأت العمل صحفيا ومراسلا برلمانيا للإذاعة الإسرائيلية وجريدة اليوم آنذاك. وبعد أن افتتحنا زاوية خاصة للدروز في الجريدة أسميناها "منبر المواطنين الدروز" كنتُ أحضر بصورة رسمية جميع اللقاءات وأنشر تقاريري الصحفية عنها وهكذا أصبحت على اتصال دائم ومستمر مع فضيلته وسادت علاقاتنا الاحترام والتقدير والثقة الكاملة والمتبادلة.
 
واستمرت جهود فضيلته وأصدر وزير الأديان في 15 نيسان سنة 1957 تعليمات تقضي بالاعتراف بالدروز كطائفة مستقلة لها الحق بإقامة مؤسساتها الدينية والقضائية. وجاءت المرحلة الثانية بالاعتراف بالرئاسة الروحية مجلسا دينيا. واحتفل رئيس الدولة السيد إسحاق بن تسفي في 13 تشرين الثاني 1961 بتعيين المجلس الديني وحضر الاحتفال حوالي السبعين من مشايخ الدروز  رجالات الطائفة. وقد تم بعد ذلك إقامة المحاكم الدينية الدرزية وتعيين القضاة وهكذا نجح فضيلته بجميع مساعيه لتنظيم شؤون الدروز الدينية والقضائية. وأقيم المجلس الديني الأعلى برئاسته وأقيمت المحاكم (1963) وترأس محكمة الاستئناف العليا.
 
 وبعد بضعة أشهر حظيت بمنحة أمريكية للدراسة في جامعة برينستون في الولايات المتحدة وكان لي الشرف أن يترأس الشيخ أمين وزملاؤه المشايخ الأجلاء الوداع الذي أقيم لي في كفر سميع. لم أنسَ وصية فضيلته أن أفحص الادعاءات بأن هناك مخطوطات دينية في الجامعات الأجنبية ويقال إنها كتب دينية درزية. وعند عودتي كنت سعيدا لأبشر لفضيلته بأنني لم أجد المجموعة الكاملة للكتب الدينية، في أي جامعة أو مؤسسة في أمريكا.  وبعد عودتي إلى البلاد تجددت الاتصالات بيننا وتسلمت منصب مفتش المعارف العربية وكان مكتبي في الوزارة في القدس مفتوحا أمام فضيلته.
وفي بداية السبعينات بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدروز في هذه الديار وكانت مطالبة بتنظيم معالجة شؤون الدروز في الوزارات بصورة مباشرة  وعيّنت الحكومة لجنة مدراء عامين   في ديوان رئيس الوزراء لتنسيق معالجة الدوائر المختلفة للشؤون الدرزية وعُينت سكرتيرا لها. ثم أقيمت لجنة المعارف والثقافة للدروز سنة 1975 وكنت أنا آنذاك أشغل منصب رئيس المفتشين في المعارف العربية فطُلب إلي أن أرأس هذه اللجنة منذ إقامتها وبدأنا بإقامة جهاز التربية والتعليم الدرزي ووضع الكتب والمناهج وتعليم موضوع التراث الدرزي، رغم تخوف فضيلته من أمر تدريس التراث والمناهج في البداية لئلا يؤدي ذلك لكشف أسرار الدين . وبعدما أن أطلعنا فضيلته على المناهج والكتب الجديدة التي وضعناها أصبح فضيلته السند الأكبر لجهاز التعليم الدرزي وتدريس التراث الدرزي. وقد بدأنا بتنظيم أسبوع التراث الدرزي تحت رعايته.  جرى تنظيم هذا الأسبوع سنة بعد سنة وكانت ذروة الاحتفالات بأسابيع التراث الدرزي الاحتفال الكبير في بيت فضيلته العامر في جولس بمناسبة أسبوع التراث الدرزي التاسع عام 1988. واشترك في هذا الاحتفال رئيس الدولة السيد حاييم هرتسوغ ورئيس الحكومة السيد إسحاق شمير ووزير الدفاع موشيه أرينس ووزير الشرطة روني ميلو. وجرت هذه الاحتفالات كذلك بمناسبة تولي فضيلة الشيخ أمين الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية قبل ستين عاما (1928) وهكذا استمرت علاقاتنا ولم تنقطع وقمنا بزياراته المتتالية للاطمئنان على صحته إلى أن وافته المنية في الثاني من تشرين أول 1993 رحمة الله عليه. 