الدروز أول من حرَّم التدخين
يُعتبر رجل الدين الدرزي أكثر رجال الدين تقى ونقاوة وذا مسلك قويم شريف. فكل من أخذ على عاتقه انتهاج الحياة الدينية وارتداء الزي الديني المحترم يفرض على نفسه قيودا ويحرم نفسه من أمور كثيرة، يعتبرها الآخرون من الملذات وتمارسها كافة الطوائف، حتى رجال الدين منهم مثل التدخين، وشرب الخمر والرقص  وأشياء أخرى مماثلة. وكل رجل دين درزي يُقبل على الدين وهو يعرف جيدا ما يمكن أن يربحه أو يخسره عندما يقرر الوصول إلى هذا الهدف. وهو راض بذلك قنوع به ويشعر بغبطة وسعادة عندما يقوم بكل واجباته ويتجنب كافة الأمور التي نهت عنها تقاليده وتعاليم دينه. وأول هذه الأمور هو موضوع التدخين، ومع أن التدخين كهذا ظهر إلى العالم كما يقال بعد اكتشاف كولومبوس للقارة الأمريكية  عام 1492 واحتلال الجنود الأسبان للقاريتين حيث وجدوا الشعوب المحلية تمتّع نفسها بما يشبه الدخان، فقام هؤلاء الجنود باستعمال تجريبي له، ومع الوقت تعوّدوا عليه، ومن هناك جاء الدخان إلى أوروبا عن طريق الجنود العائدين، وانتشر في القارة الأوروبية بشكل كبير. وعندما بدأ الاستعمار الأوروبي لآسيا وأفريقيا وأستراليا انتقل مع الجنود إلى شعوب هذه القارات.
والتدخين بشكله هذا لم يرد له ذكر في النصوص التوحيدية الأصيلة، لكنه اعتُبر في نظر رجال الدين عاملا مضرا يسيء إلى مَن يقوم به من ناحية عقلية ومن ناحية تصرف ويسبب خسارة مادية كبيرة، ونُظر إليه كأنه الخمر له عدة مضار ولا فائدة تُرجى، منه فحُرِّم من باب التقشف والتواضع وعدم هدر الأموال سدى وتنقية الجو والبيئة ونقاء المعاملة بين الناس. وقد تجنّب رجال الدين وغالبية السكان التدخين وتمّ تحريمه كليا على كل المتدينين والمقرّبين من الدين. وكان المدخنون أنفسهم وهم طبعا من غير المتدينين، يحترمون قرار المشايخ فإذا لم يستطيعوا الإقلاع عن التدخين وتركه، حاولوا بقدر الإمكان أن يتجنبوا التدخين أمام رجال الدين أو في الأماكن العامة احتراما لهم. وبالرغم من أن الحياة التي كانت سائدة قبل عشرات السنين من اختلاط طوائف ومشاركة بين الدروز وغيرهم وعدم وجود رقابة مستمرة، إلا أن القرى الدرزية كانت معروفة بأنها لم تكن ولا في يوم من الأيام قلعة من قلاع الدخان من حيث الاستعمال، وأن المدخنين الذين تواجدوا فيها كانوا أقلية وتقريبا انعدم التدخين بين النساء متدينات وغير متدينات، كل ذلك بالرغم من أن القرى الدرزية، كانت مثل باقي القرى العربية، تزرع نبات الدخان وتقوم بقطفه وتجفيفه وبيعه للشركات، وذلك كضرورة اقتصادية بسبب قلة الأعمال وعدم وجود مصادر رزق. وليس معنى هذا أنه أصبح محللا. فكان رجل الدين وكل أبناء العائلة يشتركون في عمليات القطف والشك والتجفيف ونشر قطوف الدخان في سقف البيت، لكن ذلك كان عملا تجاريا فقط واستطاع المتدينون والأسر المحافظة عدم الانجراف وراء استعمال الدخان شخصيا وسارعوا إلى بيعه للشركات المتخصصة.
وقد حرّم الدروز الدخان والتدخين فيما بعد بشكل واضح ومباشر في كافة التنبيهات والتعليمات واعتبروا فيه مضرة وخرقا للعادات الجميلة المستقيمة الموجودة في الطائفة، وذلك لأسباب دينية وأسرية أحيانا ولأسباب اقتصادية وفي الآونة الأخيرة من أجل نقاوة الجو وجودة البيئة وتحسين الظروف المعيشية، هذه الأمور التي كان يتمتع بها المواطن الدرزي في قريته الرابضة على سفوح الجبال طوال ألف سنة.وقد انتقل هذا العزوف عن الدخان من القرى الدرزية ليعمّ العالم بأسره، حيث انتبهت الوزارات المتخصصة والمؤسسات إلى المضار الناتجة عن التدخين وأخذت تقوم بمحاربته. وفي حين كنتَ تسافر في باص أو تاكسي أو طائرة، وهناك تجد أن غالبية المسافرين الكبار يدخنون بغزارة وكثافة وهم فرحون وجذلون بهذا الجو. أما اليوم فقد منعت السلطات بقوانين صارمة التدخين في الأماكن العامة وضيّق ذلك على المدخنين الذين أصبحوا مع الوقت أقلية بينما كانوا في السابق أغلبية كبيرة.
هكذا نرى أن العالم أخذ عن الدروز أمرا هاما انفرد به الدروز خلال مئات السنين وبعد أن شاهده الغرباء واكتشفوا جدواه ونقاه بدأوا يقلدون الدروز ونجحوا إلى حد كبير. وبالإضافة للدخان هناك أمور أخرى قام بها الدروز في بيئتهم المنغلقة وانكشفوا أمام الأجانب الذين استحسنوا ما يعمله الدروز وقاموا بتقليده.  