رحيل مؤسس منظمة السلام العالمية، صديق الطائفة الدرزية، الأب سان ميانغ مون
 بقلم الأستاذ علي بيراني
 رئيس فرع منظمة السلام العالمية في إسرائيل

توفي في كوريا الجنوبية في الثاني من شهر أيلول 2012 الأب سان ميانغ مون، مؤسس منظمة السلام العالمية، التي تضم عشرات ملايين الأعضاء في كل دول العالم، عن عمر يناهز 92 عاما، وتم تشييع جثمانه في مدينة سيئول  في كوريا الجنوبية، في الخامس عشر من شهر، أيلول بحضور آلاف المشيعين من جميع أنحاء العلم وفي مقدمتهم رؤساء الدول والأديان والمنظمات والمؤسسات الدولية، ومثل الطائفة الدرزية في هذا الاحتفال الشيخ سميح ناطور.
وكان سان مون قد ولد في قرية صغيرة في كوريا الشمالية عام 1920 حينما كانت بلاده تحت الحكم الياباني، وكان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى وأهوالها الشديدة، ولم تكن الحياة سهلة في تلك الأيام، وكان الشعب الكوري بشكل عام يعاني من الفقر والمرض وأمور كثيرة أخرى. واستطاع الصبي سان أن يشق طريقه في الحياة معتمدا على نفسه وبقواه الذاتية، بالرغم من أنه لاقى الرعاية والحماية من والديه. 
لقد بذل السيد مون جهودا كبيرة من أجل السلام، وقد أحاط العالم عدة مرات وقضى كل حياته في سفرات طويلة إلى الأماكن النائية والبعيدة هن كل مركز حضاري، فالتقى في أفريقيا بأمهات كان كل ما استطعن أن يفعلنه هو النظر بدون مقدرة على عمل شيء بأولادهن يموتون جوعا، والتقى بآباء في أمريكا الجنوبية يعيشون بجانب أنهار مليئة بالأسماك، لكنهم لا يستطيعون إعالة عائلاتهم من صيد السمك. كان كل ما قدر أن يعمله هو في البداية، أن يتقاسم الخبز مع الآخرين، الذين كان ردهم للجميل منحه الحب. وكان هذا الحب دافعا قويا جعله يذهب إلى زراعة الغابات وصيد الأسماك ليوفر الغذاء للأولاد الجائعين. واستطاع أن يقدم مساعدات كثيرة لعدد كبير من الأولاد في كوريا وفي أماكن أخرى من العالم. وفي وقت متقدم عمل بشكل مكثف من أجل السلام وقام بعد أن أسس منظمة السلام العالمية بمقابلة غورباتشوف، رئيس الاتحاد السوفييتي ومقابلة  رئيس جمهورية كوريا الشمالية كيم إل سونغ ووصل إلى الولايات المتحدة، وحاول أن يوثق بين الأطراف المتنازعة، وكثيرا ما تكللت جهوده بالنجاح، لكن الحروب ما زالت مستمرة. وقد رافق عمله الاجتماعي ودعوته للسلام بعمل اقتصادي، فارتبط مع شركات ومؤسسات في اليابان، وأسس معها شركات اقتصادية كبرت ونجحت وتطورت، ومن هذا المنطلق استطاع أن يؤسس شركات في أماكن أخرى من العالم، فازدهرت أوضاعه الاقتصادية، وقام بدعم مشاريعه الإنسانية من خلال مشاريعه الاقتصادية، ففتح فروعا لمنظمة السلام العالمية، وأسس منظمات أخرى للنساء وللرياضة وللشبيبة ولجماهير أخرى. وقد اشتهر الأب مون بمشروعه الفريد من نوعه، وهو تنظيم حفلات عرس جماعية. فقد آمن بالعائلة والأسرة وأن أحسن غطاء للمعيشة بين الجنسين هو جو العائلة فبذل كل جهد في التوفيق بين رجال ونساء وتسهيل أمر زواجهما، فبدأ منذ عام 1962 بتنظيم حفلات عرس جماعية تضم أحيانا آلاف الأزواج، حيث تكون مباركة جماعية واعتراف جماعي بالزواج بدون تحمل التكاليف، وبشهادة علنية واضحة وتم بهذه الطريقة تزويج عشرات الآلاف من جميع أنحاء العالم.  

وقام بنشر مبادئه وتعاليمه وأهدافه عن طريق تأسيس كنيسة خاصة، تضم كافة الديانات الموجودة في العالم، حيث يمكن أن يشترك في نشاطها كل إنسان مؤمن بالله، بحيث يؤمن بما هو عليه ويتقبل مبادئ الأخوة بين الشعوب والسلام العالمي وطهارة العائلة وكل الأمور التي دعا إلى تحقيقها الأب مون. وقد كثر أتباعه في العالم، ووصل عددهم إلى ملايين في كوريا واليابان والولايات المتحدة وأوروبا وأماكن أخرى.كما كان لمنظمة السلام العالمية فروع في جميع دول العالم.وكان البارزون في المجتمع في كل دولة يمنحون شهادة سفير سلام وبهذا يصبح حامل هذه الشهادة عضوا في الجمعية يدعى لحضور مؤتمراتها في البلاد وخارجها.
وقد كان لي الشرف أن أتعرف على بعض رؤساء الجمعية قبل حوالي عشر سنوات في مؤتمر لهم عقد في مدينة هرتسليا ثم دعيت لمؤتمر في مدينة نيويورك وبعدها في مدينة إسطنبول، وشاركتُ بعد ذلك في كافة النشاطات والمؤتمرات التي جرت في البلاد، فقد كان لي الشرف أن أكون رئيسا للفرع في إسرائيل، أتعاون مع مندوب المنظمة السيد هود بن تسفي. وفي لقاءاتي في الخارج قابلت الأب مون وتعرفت عليه وسمعت إلى حديثه، وهناك وجدت أن أمورا كثيرة مشتركة بين الطائفة الدرزية ومبادئ الأب مون وخاصة فيما يتعلق باحترام المرأة وطهارة العائلة والتسامح والسلام.  وانضمّ إلى المنظمة بعد ذلك الشيخ سميح ناطور وحصل على شهادة سفير سلام في مؤتمر في تل أبيب، ودُعي إلى مؤتمرات في مدينة واشنطن وفي مدينة نيويورك وبعد ذلك في كوريا الجنوبية وفي قبرص وفي غيرها، كما شارك كعضو فعال في كافة المؤتمرات في البلاد، وألقى عدة محاضرات أمام أعضاء المنظمة الذين قدموا إلى البلاد وقاموا بزيارة مقام النبي شعيب عليه السلام أو بزيارة دالية الكرمل وقرى أخرى. وكان للمنظمة الشرف أن انضم إليها فضيلة الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل، فدُعي إلى مؤتمر سلام في كوريا وإلى مؤتمر سلام في نيويورك، كما قام نجل السيد مون الأكبر بزيارته في بيته، وقام نجل آخر بزيارة مرة أخرى في بيته مع رؤساء الجمعية وسمعوا منه الكثير عن الطائفة الدرزية. وحصل كذلك على شهادة سفير سلام عضو الكنيست السابق السيد أمل نصر الدين في مؤتمر حاشد عُقد في مدينة القدس، وكذلك القاضي فارس فلاح في مؤتمر حاشد في مدينة تل أبيب والشيخ يعقوب سلامة والقاضي يوسف اسماعيل ود. جمال حسون والشيخ جبر منصور، كما قامت الجمعية بتنظيم مؤتمر خاص لأبناء الطوائف في البلاد برعاية الطائفة الدرزية في مدينة طبريا استمر ثلاثة أيام حصل فيه حوالي مائة مشترك على شهادة سفير سلام.  
وعندما توفي الأب مون، قامت المنظمة بدعوة فضيلة الشيخ موفق طريف للسفر إلى مدينة سيئول لحضور الجنازة هناك ودعت كذلك الشيخ سميح ناطور، فاعتذر فضيلة الشيخ عن السفر بسبب التزامات مسبقة، وقام الشيخ سميح ناطور بتمثيل الطائفة الدرزية في مراسيم الجنازة الكبيرة التي جرت في القرية التي بناها الأب مون بجانب مدينة سيئول، والتي تضم مدرجا كبيرا يتسع لخمسين ألف مشترك، وفيه تجري أعراس جماعية ومناسبات ثقافية وجماهيرية، وتضم كذلك مؤسسات تعليمية وثقافية ومنازل الأب مون وأبنائه ومعاهد ومؤسسات أخرى.

وقد جرت الجنازة يوم السبت في الخامس عشر من شهر أيلول، واشترك فيها أكثر من 55 ألف مشيّع، وحضر إليها رؤساء دول وحكومات حاليون وسابقون وأعضاء برلمان ورؤساء طوائف وأساتذة جامعات وشخصيات من جميع أنحاء العالم، من الذين تعرفوا على الدكتور مون واستمعوا إليه وتبادلوا الحديث معه. وكانت جنازة فخمة فيها كل علامات الوقار والتبجيل وضمت مسيرة جنائزية للنعش مرافقة من قِبل جنود سلام وألقيت بعض الكلمات وكانت محفوفة بالأزهار والأعلام. وشكر الابن الوريث الجماهير التي حضرت وأعلن استمراره في طريق والده محاولا نشر السلام في العالم.   
 
 وقد أرسل فضيلة الشيخ موفق طريف البرقية التالية إثر تبليغه بالوفاة:
"إلى السيدة مون زوجة المفكر الدكتور سان مون
إلى الأولاد والأحفاد والعائلة
سمعنا بأسف وأسى عن وفاة رجل الإيمان والعلم والأدب المفكر الدكتور سان مون الذي قدّم جهودا عظيمة للإنسانية والذي قارب بين القلوب ووحّد بين المؤمنين فقد أدى إلى تنظيم علاقات زواج بين رجال ونساء من جميع أنحاء العالم وعمل على أن يجتمع رجال دين من كل الطوائف حول مائدة واحدة لينشروا التسامح بين الشعوب. لقد كان لي الشرف أن أمثل الطائفة الدرزية في مؤتمري سلام في كوريا وفي نيويورك وقابلته شخصيا وأصغيت إلى محاضراته ونظرياته المليئة بالإيمان والسلام والتعايش المشترك.
إن وفاة د. سان مون هي خسارة للإنسانية فصفاته الخاصة المميزة ونظرياته ومبادئه ستبقى شمعة في طريق الملايين من أتباعه والمؤمنين به.
إني واثق أن أبناءه الذين أتمنى لهم حياة مديدة سوف يستمرون في طريق والدهم. وهذا أقوله من معرفة شخصية. باسمي وباسم الطائفة الدرزية أبعث بالتعازي الحارة لوفاة د. سان مون الإنسان العزيز وأصلي أن يتغمده الله برضوانه.
 
آسف لعدم استطاعتي حضور الجنازة بسبب التزامات لطائفتي."
كما أرسل السيد أمل نصر الدين البرقية التالية إلى رئيس منظمة السلام العالمية:
"لحضرة دكتور والش رئيس منظمة السلام العالمية
كسفير سلام درزي أشارككم الحزن والأسى بموت زعيم السلام د. مون الذي قضى حياته يعمل من أجل السلام في عالمنا. آسف لأنني لم تكن لي فرصة أن ألتقي به وأن أتحدث معه لكني سمعت أن الناس تذكره باحترام وتقدير. ندعو له بالرحمة وآمل أن تستمروا بالعمل من أجل السلام وأتمنى النجاح لجميع أعضاء المنظمة.
وأرسل القاضي فارس فلاح البرقية التالية لرئيس الجمعية
" لحضرة د. والش سمعت بأسف شديد عن موت الأب المحترم مون. كان زعيما عظيما وساعد عددا كبيرا من الناس وقام بجهود كبيرة لصنع السلام ووفق بين الأديان والشعوب والمجموعات بواسطة الحب والتفاهم. كنت سعيدا أن أكون سفير سلام. كقاضٍ سابق ما زلت أوفق بين الناس حسب ما أورثه لنا الأب مون. أتمنى لكم حياة مديدة.
وأرسل الشيخ سميح ناطور باسمه وباسمي الرسالة التالية حال وصول نبأ الوفاة إلينا :
"إلى السيدة مون والأولاد ورؤساء جمعية السلام العالمية
 لقد كان خبرا مؤسفا أن نسمع بوفاة دكتور مون، فقد كان حظنا جميلا أننا التقينا به وتعرّفنا على نشاطه وأعماله الخارقة وجهوده لتحسين العالم.  سمعنا قبل ذلك بعض التفاصيل عنه وعن شخصيته، وعندما التقينا به، وجدنا كم هو عظيم وكم هو يختلف عن الآخرين. وجدنا إنسانا مليئا بالإنسانية وحب الآخرين ويحاول مساعدة الناس ودفعها للأمام بدون تمييز وبدون أي تفرقة ويعامل الجميع بالتساوي كبشر. شعرنا بحبه للناس خلال خطاباته الممتعة ومشاريعه ومنظماته. سمعنا نظرياته خلال ساعات واكتشفنا أنه يمكن أن يكون مبعوثا يوجه الناس إلى عالم صاف نقي نظيف.
كنا فخورين أن نكتشف أن هناك أمورا مشتركة مع الدروز، وجعلنا هذا نشعر أننا من جذور واحدة ومن عائلة واحدة. فالدروز ضحّوا خلال مئات السنين للمحافظة على المرأة وكرامتها واكتشفنا أن نظريات الأب مون في هذا المجال هي نظرياتنا من ناحية معاملة المرأة والأولاد.
ونظرنا بتقدير للأعراس الجماعية التي نظمها الأب مون لتشجيع العلاقة الشرعية بين الأزواج بدون خطيئة واكتشفنا أن آباءنا الفاطميين نظموا نفس الاحتفالات قبل ألف سنة لنفس الهدف.
نحن متأكدون انه بالرغم من أن الأب مون غاب عنا إلا أن روحه وتعاليمه ستظل تنير الطريق. ونحن نشعر أننا فقدنا إنسانا عظيما وزعيما نادرا وأبا عطوفا.
نشارككم المصاب 