كلمة العدد: حسرة الأبناء ما بين تقوى الشيخ وغم الأمير


كان الأمير مصطفى أرسلان من كبار رجالات العائلة الأرسلانية, والشخصيات اللبنانية والعربية. ويقال إنه عندما ذهب لمقابلة السلطان عبد الحميد,وقف السلطان إجلالا وإكراما له, والمعروف عنه أنه لا يقف لأحد.
وصله نبأ وفاة ابنه الأمير محمد, عضو مجلس المبعوثان في اسطنبول, فاغتمّ وحزن حزنا شديدا, ورفض قبول أي مواساة. ثم أغلق الباب عليه, واسترسل في شجونه, حتى أنه لم يجرؤ أحد على مقابلته..
علم أحد الشيوخ الثقاة آنذاك, ويقال إنه الشيخ أبو علي يوسف مكارم, فذهب إلى داره وألح على مقابلته. وعندما قابله خاطبه بحزم قائلاً:" أيها الأمير الكريم، جئت أحذرك من خطأ أخشى أن تقع فيه، فأنت من حقك أن تحزن على ابنك، ولكن حتى حدود عقلك. لأن عقلك ليس ملكا لك، بل للطائفة التي اختارتك العناية الإلهية لتكون مسئولا عن تدبير أمورها. فإذا سمحت لحزنك أن يضعف عقلك خسرت تقواك وكرامتك."
  ويروى عن الشيخ أبو محمد حسين عبد الصمد، أحد مشايخ العقل في لبنان، في القرن التاسع عشر، أن ابنه قتل شهيدا في حوادث الستين في معركة بعيدا عن بيته، فأتى الشيخ أبو محمد، وحمل جثته على دابته ملفوفة بملاءة، كي يدفنها في القرية.وكان أثناء مروره بين البيوت، رابط الجأش صابرا، فكان إذا سأله أحدهم، ماذا يحمل على دابته، يجيب بهدوء واتزان فقط: حمل غال.
ونحن في الطائفة المعروفية العريقة المؤمنة، نقف أحيانا مشدوهين، ينهشنا الحزن والأسى والألم على فقدان شاب في مقتبل العمر، زهقت روحه فجأة، نتيجة حركة طائشة، أو عمل متسرع، أو تصرف غير متزن.ومع أننا نؤمن بالقضاء والقدر، وبالساعة المحدودة، وبالمصير المحتوم، وبالقدر المكتوب، إلا أننا نظل نتوقع من كل فرد منا، أن يتصرف باتزان، وأن يتحكم بعقله، وأن يعمل كما هو مطلوب من كل واحد منا، بلياقة وأدب واحتشام وهدوء، وأن يسير ويتجه، ويتكل على الله، سبحانه وتعالى، فإن أصابه مكروه لا يكون هو سببا في حدوثه، وإنما يأتي نتيجة اقتراب ساعته ووصول موعد رحيله.
ونحن نكتب هذه الكلمات، في ظل المأساة الكبيرة، والفاجعة العظيمة، بفقدان ثلاثة شباب من قرية كسرى من عائلة واحدة، في عمر الورود، ذهبوا ضحية لحادث طرق أليم، فاهتزت أركان الطائفة في كل مكان، وشعر القاصي والداني بالألم والحزن، وتهافتت الطائفة الدرزية على قرية كسرى، تواسي وتشجّع وتشارك بالمصاب الأليم. وهنا لا بد من ذكر كلمة لأهل كسرى الكرام. جئنا لنشارك ونخفف من وقع المصاب، ووجدنا في مشايخ القرية وشبابها، وفي مقدمتهم آل عبد الله الكرام، قلعة من الصبر والصمود والإيمان والتقوى والرضا والتسليم بما كتبه الخالق.  لا شك أن في هذا الموقف الكبير،  عبرة وقدوة ومثل حسن، ولا عجب، فقرية كسرى تمتاز عن باقي القرى الدرزية في العالم، بوجود نسبة كبيرة جداً من المتدينين من الرجال والنساء فيها، وبنهضة دينية عارمة. نتيجة لذلك لا بد أن الإيمان العميق منغرس في نفوس الأهالي، وهذا يكسبهم القدرة على استيعاب كل مصيبة وكل فاجعة وكل أمر طارئ. وهذه القرية تعد من القرى المميّزة بوحدة صف أهاليها، وبتعاطفهم الواحد مع الآخر، وبوقوفهم جنبا إلى جنب مع كل إنسان يصيبه مكروه. وعندما وقع الحادث في ساعة متأخرة من الليل، كانت كل كسرى وكفر سميع في تلك اللحظة على أرجلها، تحاول أن تعمل ما تتمكن، للتخفيف عن العائلات المصابة. وهذا يثبت أن في الطائفة الدرزية، قوى كامنة وطاقات عظيمة، تبرز وتظهر في الملمات وعند المصاعب، تساعد مَن حلّت به مصيبة أن يتخطّاها ويتجاوزها ويستمر في حياته بالرغم من كل ذلك.
وإذا عدنا إلى المرحومين الشباب، فقد ذهب سرهم معهم، ولا نعرف ما حدث. ونحن هنا نتوجّه إلى كافة الشباب في كل مكان، ونطلب منهم الهدوء والتروي والتصرف بحكمة واتزان. فشباب اليوم مثقفون ناجحون، لهم ثقة بأنفسهم، ويعرفون ما يريدون، ولا حاجة لإظهار القدرات، وإبراز الشخصية بتجاوز السرعة أو باستعراض العضلات أمام الآخرين كما يحدث غالبا. السيارة هي آلة ذات فوائد جمّة، لكنها في نفس الوقت آلة فتاكة قاتلة لا ترحم إذا أُسيء استعمالها. ومن المطلوب من الجميع، كبيرا وصغيرا، أن يتصرّفوا بحكمة وبتعقل. وهذا من أسس آداب الدين، ومن أخلاقنا كأبناء التوحيد، سواء كنا متدينين أو غير متدينين. وفي حالات كهذه، من السهل علينا، أن نركّز كل غضبنا وألمنا وأسفنا، ونلقيه على الشباب الصغار المتهورين، لكننا ويجب أن نقول ذلك علنا وبصوت جهور، كلنا نسير ونتصرف في هذا الاتجاه، ففي الآونة الأخيرة، يركض كثيرون بيننا بدون تفكير نحو الشهرة  وحب الذات، والبروز والكبرياء، والتباهي بالماديات وبالقصور وبالسيارات والعرس الذي أصبح عدة أعراس، وبالمغالاة في المصروفات على أشياء ليست ذات قيمة، نفعل ذلك، لأننا جميعا نحب الظهور والبروز، ونجند من أجل ذلك كل شيء. وهؤلاء الشباب الصغار هم جزء منا، يرون ويسمعون ويعون ما يجري حولهم، فإذا رأوا غيرهم من الكبار يركض نحو الشهرة والبروز، فلماذا لا يفعلون ذلك هم؟  بل أصبحت هذه الأمور قاعدة في المجتمع، وعرفا متبعا. لذلك، علينا أن نلوم أنفسنا قبل أن نلوم أولئك الصغار، فعندما يهدأ الكبار ويعودون إلى الفضائل والتعاليم التي تربّينا عليها، سوف يهدأ كذلك الصغار. وقد مرّت الطائفة الدرزية بمصائب ومحن ومجازر من مصادر خارجية، وتغلبت عليها بفضل إيمانها وتقواها وتقيّدها بالتعاليم، وستظل الطائفة الدرزية، بعونه تعالى سليمة قوية بالرغم مما يصيبها.
وفي هذه الأيام، نقوم بزيارة مقام مولانا بهاء الدين عليه السلام، الذي أعطانا درسا في الصبر والمثابرة والتصميم. فقد وقعت في عهده، محنة أنطاكيا العظمى، لكنه استطاع، بعونه تعالى وبمساعدة زملائه من الدعاة، التغلب على هذه المحنة، وعلى المحن الأخرى التي أصابتنا، بقوة العزم والصبر والإيمان. وكلما وقف واحد منا على رأس جبل حيدر في المقام الشريف، ونظر أمامه، يجد أن الدنيا مهما كبرت تظل صغيرة، إن أنتَ نظرتَ إليها بالمنظار الصحيح وبالرؤية السليمة، فكل مباهج هذه الحياة، وكل زخارف الدنيا، تتقزم عند لحظة ألم، يشعر بها إنسان عند فقدان عزيز.   

وكل عام وأنتم بخير.

سميح ناطور
دالية الكرمل
تموز 2012