المجلس الديني والتعليم العالي
بقلم  الشيخ أبو حمزة توفيق سلامة
سكرتير المجلس الديني الدرزي
يشهد العالم اليوم، ثورة عارمة في الإنجازات العلمية، وفي التكنولوجية الحديثة، وفي التطورات السريعة والمكثفة في كل مجالات الحياة. وقد وصل الإنسان إلى قمّة تقدّمه، بعد أن تطور العلم تدريجيا خلال مئات السنين، ووصلنا إلى ما وصلنا إليه. ومن يريد أن يعيش اليوم في ظروف وإمكانيات، كانت سائدة قبل عشرين سنة، لا يستطع إلى ذلك سبيلا. فقد تسرّبت هذه الثورة إلى كل مرافق الحياة، وإلى كل أوساط الناس، وأصبح من المحتّم على كل مواطن، أن يكون ملمًّا بأمور كثيرة، كان في السابق في غنى عنها. وسواء أراد أو لم يرد، فهو ملزم أن يتقن بعض الأمور، لكي يستطيع أن يواكب مسار الحياة. ومن هذا المنطلق، فقد أصبح التعليم حاجة ضرورية لكل إنسان في الوقت الحاضر. وإذا كان المرء يكتفي في السابق بمعرفة القراءة والكتابة، فإنه من المطلوب منه اليوم، أن يعرف أكثر من ذلك بكثير. وقد تطورت الشعوب في العالم، وخاصة في أوروبا وأمريكا والعالم المتحضر، لدرجة أن الشهادة الجامعية الأولى، أصبحت أمرا عاديا، ولا تكفي استيفاء الحاجات الجديدة. والإنسان الناجح هناك، هو من حصل على الدكتوراه أو شهادات مماثلة.
وفي هذا الجو، وفي هذه الظروف، تقف الطائفة الدرزية في موقع متوسط الحال، لكنه غير كافٍ. فهي ليست فقيرة معدمة متخلفة من ناحية التعليم الجامعي، وهي في نفس الوقت، ليست متقدمة متطورة متأصلة. وما زال أمامها أن تقطع شوطا طويلا لكي تصل إلى مواكبة شعوب العالم المتقدمة. والطائفة الدرزية لا ينقصها شيء، لكي تستطيع أن تحقق ذلك، فهي غنية بالمواهب والقدرات العقلية، وإمكانياتها الاقتصادية متوفرة، وتستطيع أن تتغلب على نفقات التعليم. لكن يظل ينقصها الوعي والإدراك والحافز على التقدم أكثر، والوصول إلى درجات أحسن. وقد كان التخلف الجامعي في السابق، بسبب انزواء المجتمع الدرزي عن العالم، وقبوعه في رؤوس الجبال. واليوم وقد انفتح هذا المجتمع، واندمج بالبيئة الخارجية حوله، وتهافت أبناؤه على العمل أو الخدمة العسكرية وحتى المعيشة بين أفراد مجتمع آخر، فأُبطِل هذا الرادع الذي كان في السابق يمنع أبناء المجتمع الدرزي من المخالطة والاندماج عن الغير. وإذا كان بالإمكان لشاب درزي أن يعمل في المدينة المجاورة، وإذا كان بالإمكان السفر السهل،  وإذا كان يفضَل المواطن الدرزي أن يشتري حاجياته من آخر صرخات في كل مكان، فلماذا يحجم عن ارتياد الجامعات والتزوّد بالتعليم العالي، حتى ولو كان في مكان خارج قريته. وفي السابق كان على مَن يريد العلم، أن يسافر إلى العاصمة أو إلى مدينة بعيدة. أما اليوم فالجامعات قريبة ومنها مَن لها فروع داخل قرانا، ولم يبقَ أي عذر لمن يريد أن يتعلم.
والهيئة الدينية،برئاسة فضيلة الشيخ موفق طريفا، تشجع وتؤيد التعليم العالي، وتحث الجميع أن يتعلموا، طالبة منهم المحافظة على العادات والتقاليد، وصيانة أنفسهم، والتحلي بالأخلاق والفضائل التوحيدية، والعمل على خدمة المجتمع الدرزي، لكي يستمر تقدمه أكثر.  وقد وضع المجلس الديني الدرزي أمامه هدفا، أن يشجع التعليم العالي، فقد توصل فضيلة الشيخ  لاتفاق مع كلية نهر الأردن، بأن يتعلم الطلاب الدروز بدون رسوم، كما أن المجلس الديني  يقوم كل سنة بتوزيع مئات المنح الدراسية على طلاب الجامعات وطالباتها، وكلنا أمل أن يتهافت طلابنا على الجامعات، وأن تشهد قرانا موجة عارمة من التعليم، بحيث نستطيع أن نضاهي الأمم الأخرى، وأن نبني مجتمعا راقيا متقدما ومتطورا. وكل عام وأنتم بخير.  