خلوة العدد: خلوة يانوح
 بقلم الأستاذ الشيخ  سليمان سيف
يبلغ عدد سكان يانوح اليوم حوالي الأربعة آلاف نسمة تقريبا .تنتشر بيوت القرية على مساحة كبيرة، حيث تبدأ منازلها على بُعد اقل من كيلومتر من قرية جث في الجنوب. وتمتد شمالا حيث تصل إلى بُعدٍ لا يزيد عن 200م من قرية الورود في الشمال. والزائر الذي لا يعرف يانوح ويزورها لأول مرة، قد يعتقد أن عدد سكانها لا يقلّ عن العشرة آلاف نسمة، نظرا لاتساع هيكلها ومساحتها الكبيرة. وبالرغم من عدد السكان المذكور والمساحة الشاسعة للقرية، فمما يُثلج الصدر ويفرِّح القلب، فأنه لا تزال تجمعنا خلوة واحدة، حيث يجتمع شيوخ القرية ونساؤها المتدينون ليلتي الاثنين والجمعة، بقلوب خاشعة وبنفوس طائعة، للقيام بواجباتهم الدينية تحت سقف خلوة واحدة.


 الخلوة القديمة - تاريخها وموقعها:

لن نتمكن من الوقوف على تاريخ محدد ودقيق لبناء الخلوة القديمة، لكن مما تأكّدنا منه، هو بأن الخلوة القديمة قد يعود تاريخ بنائها إلى ما لا يقلّ عن  3 - 4 قرون خلت. ومما هو مؤكّد أن الخلوة القديمة هي أول خلوة بُنيت في القرية. ومن المرجّح أن يعود بناؤها إلى القرن الثامن عشر الميلادي، حيث كان عدد السكان آنذاك لا يتجاوز المائة شخص فقط.
تقع الخلوة القديمة في الحارة التحتى، وذلك بجانب بيت المرحوم الشيخ أبو توفيق يوسف سيف، ولربما اختير موقعها هذا بسبب هيكلة البلد في تلك الفترة، حيث كانت القرية آنذاك تتكون من حارتين الفوقا والتحتى، وفي حينه كان غالبية السكان يسكنون في الحارة التحتى. العائلات التي سكنت الحارة التحتى آنذاك هي :  سيف، عامر، بركات، خطيب، زيادة، سركوس، حمري، قاروط، ظاهر، بريك، حبقة، عجمية وفيّاض. والعائلات التي سكنت الحارة الفوقا هي :  فرج، سعد، حمدان، نزال، سعيد، شمّا، قطيمة، حصباني وعباس.
تتكوّن الخلوة القديمة من غرفتين صغيرتين ملتصقتين ببعضهما البعض، يفصل ستار بين الرجال والنساء. لكل غرفة مدخل واحد فقط، يفتحان نحو جهة الشمال وتخلوان من الشبابيك.
حسب المعلومات المتوفرة والمؤكّدة  كان سائس الخلوة في أوائل القرن التاسع عشر (في زمن العهد العثماني) شيخ من آل عامر (لم نتمكّن من الوقوف على اسمه بدقة) وبعد وفاته انتقلت سياسة الخلوة إلى آل فرج، حيث تسلّم من بعده سياسة الخلوة القديمة المرحوم الشيخ فرج سلمان فرج.
ومما يقتضي التنويه، أن الخلوة في تلك الأيام وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة الموارد، قد استُعملت بالإضافة للصلاة والواجبات الدينية ليلتي الاثنين والجمعة استُعملت باقي أيام الأسبوع لتعليم الأولاد أصول القراءة والكتابة، أصول الدين وحفظه غيبا كذلك القليل من أسس تعليم الحساب. حيث علّم فيها مجوعة من الشيوخ الأفاضل، جاءوا من أماكن بعيدة نذكر منهم: الشيخ أبو علم الدين من قرية الغاريّة في جبل الدروز في سوريا، والشيخان وهبة عبد الوهاب وأبو أحمد سعيد فرج وهما أيضا من قرية الغاريّة من سوريا، والشيخ أبو فرحان نايف محمود سويد من قرية البقيعة.
وفي بداية الثلاثينات من القرن العشرين، على ما يبدو، كثر السكان واتسعت القرية، مما جعل مشايخها في حينه البدء بالتفكير ببناء خلوة جديدة تلائم ذلك العصر. فقام المرحوم الشيخ أبو توفيق يوسف سيف، جار الخلوة بشرائها، وتشاور في حينه مع فضيلة الشيخ أبو يوسف أمين طريف، وآخرين من أعيان الطائفة فيما يُفضَّل استعمالها، وتمّ القرار أن تُستعمل كمخزن فقط.


 الخلوة الجديدة (الحالية):

كما ذكرنا سابقا دعت الحاجة إلى توسيع الخلوة، ففي بداية الثلاثينات من القرن العشرين، قام المرحوم الشيخ أبو قاسم محمد فرج، سائس الخلوة وهو نجل المرحوم الشيخ فرج سلمان فرج، الذي كان سائسا للخلوة قبله، قام بشراء قطعة أرض من آل بركات، تقع في مركز القرية، وباشر ببناء الخلوة الجديدة، كما أقام بجانبها معصرة لعصر الزيتون. ومن الجدير بالذكر، أنها بُنيت من الحجر اليابس، وكان البنّاء الشيخ "أبو حسين محمود عبد الباقي" من عاليه في لبنان. واستمر المرحوم الشيخ أبو قاسم محمد فرج، بإدارة الأمور الدينية في القرية، وحاز على ثقة أهلها ومحبتهم واحترامهم. كما ذاع صيته بالكرم والورع إلى ما وراء حدود فلسطين فعرفوه في سوريا ولبنان، وأحبّه واحترمه شيوخ البلاد، وعلى رأسهم فضيلة شيخ الطائفة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف. واستمرّ قيِّما على وقف القرية، وسائسا للخلوة حتى وافته المنية في سنة 1952 م. ودُفن جثمانه في بناية الخلوة الجديدة.
بعد وفاته تمّ الاتفاق بين أهل القرية والرئاسة الروحية في حينه، أن يُنصَّب ابنه الشيخ أبو علي مهنا فرج، سائسا للخلوة، خلفا لأبيه، ولا يزال سائسا وقيِّما على وقف القرية حتى يومنا هذا. وقد امتازت فترته بالهدوء والانجازات الكثيرة، مما يدلّ على الحكمة، الأمانة وحُسن الإدارة التي تحلّى بها الشيخ المذكور. ومن أهم الانجازات والمشاريع التي ساهم بها وقف الخلوة في عهده ما يلي:
1- بناء معصرة زيتون وطحين حديثة (بابور) في سنة 1970.
2- شراء قطعة أرض (دونم) تمّ عليها بناء بيت شعب (يجتمع فيه الناس عند تشييع الجنائز) سنة 1993
3- ساهم بإعطاء قطعة أرض تزيد عن دونمين أقيمت عليها المدرسة الابتدائية سنة 1970
4- قام بتوسيع الخلوة الجديدة على مرحلتين: الأولى وُسّع الطابق الأرضي حتى أصبحت مساحته حوالي (300م) كما قام ببناء طابق ثان يُستعمل خلوة لمشايخ "الشراحة".
5- ساهم ببناء بيت الشعب الثاني (الغربي).
6- قام ببناء بيت للأفراح والمناسبات السعيدة، وزوّده بكافة الاحتياجات والأثاث اللازم.
وأخيرا ومما يستحق الإشارة إليه المواقف التاريخية المشرّفة التي برز فيها الشيخ أبو علي مهنا فرج في وقت الأزمات الصعبة، حيث قاد حملة حل المجلس الإقليمي "مركز الجليل" بنجاح. وكان من المعارضين لإقامة مجلس قطري باسم "جايا" يتضمن القرى: يركا، جولس، أبو سنان، جث يانوح وأفشله. كما ترأس لجنة الدفاع عن الأرض في يانوح وجث، حيث تقف هذه اللجنة بالمرصاد لإفشال كل المحاولات للاستيلاء على أرضنا والتخطيط عليها والانتقاص منها. ونحن ندعو للشيخ الجليل بطول العمر وصحة العقل والجسم.
وجدير بالذكر ان المجلس الديني الدرزي الأعلى، قام مشكورا بدعم الخلوة الجديدة وبعض المشاريع الأخرى في القرية.   