الدور الحديث للمرأة الدرزية
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)
جرت في أواخر الستينات من القرن الماضي، نقاشات طويلة حول تشغيل المرأة الدرزية وعدم تشغيلها. وبالرغم من أن السيد أمل نصر الدين، أحضر في حينه المصانع إلى قرية دالية الكرمل وغيرها، ليضمن بقاء المرأة الدرزية تعمل في مجتمعها وبيئتها ومناخها الطبيعي، إلا أن الحملة كانت عشواء، ضد هذه الفكرة، وتطلب الوضع وقتا طويلا، حتى تقبّل المجتمع فكرة عمل المرأة الدرزية. وأذكر أن طالبة واحدة فقط من دالية الكرمل، كانت تتعلم في المدارس الثانوية خارج القرية. وأذكر أن غالبية السكان كن ربات بيوت، وأكثر ما كانت تعمله سيدة نشيطة، هي الحياكة والتطريز والخياطة ولي القش. وقد ابتهج المجتمع في قريتي دالية الكرمل، حينما حضرت معلمتان درزيتان من قرية الرامة للتعليم في القرية، وظهر كون وجود معلمة درزية، أمرا غريبا مستهجنا. ومن عاصر تلك الفترة، كان يتمنى أن تتقدم المرأة وتحصل على حقوقها، وتصبح عضوا أكثر فعالية في المجتمع، لكنه لم يكن يتوقع في أجمل أحلامه، وفي أحلى أفكاره، أن تصل المرأة الدرزية إلى ما هو عليه الآن.
وإذا تفحّصنا هذا الموضوع بمقاييس علمية وبعيون ثاقبة وبمنظار حيادي، نجد أن المرأة الدرزية قطعت شوطا مخيفا من الرقي والتقدم، وأصبحت ذات مكانة قوية ومنزلة رفيعة في المجتمع الدرزي، فاقت كل التوقعات، وعبرت كل الحواجز، ووصلت إلى تقدم ورقي وتطور وتحرر واستقلال. فإذا قارناها مع الشاب الدرزي، نجد أن نسبة المتعلمات اليوم، تزيد كثيرا عن نسبة المتعلمين الشباب، مع أن المجتمع الدرزي ما زال محافظا بشكل ما، ولا يسمح لابنته بسهولة أن تعود في سيارة بعد حلول الظلام، أو ألا تركب إلا سيارة أجرة، وألا تدخل مكان لا تعرفه.  وما زال مجتمعنا يحاول التمسّك بالقيود والروابط التي كفلت المحافظة على المرأة في السابق، في عصر تغيّر كثيرا عما كان، وانفتحت فيه كل القيود، وأزيلت كل الحواجز، ولم تعد هناك سلطة أو قوة أو هيئة بإمكانها مراقبة كل ما يجري مع الفتاة كل الوقت. ففي السابق كان بالإمكان، أن تظل الفتاة في البيت، أو أن تخرج مع أحد أفراد عائلتها، لكي يتم المحافظة عليها. أما اليوم، فقد انتقل الشارع إلى أأمن نقطة في البيت، بواسطة الإنترنت والتلفون النقال والفيديو وكل التقنيات الحديثة. وأصبح موضوع المراقبة لا جدوى فيه، لأنك لا يمكن أن تراقب كل الوقت في كل المجالات. وظلت الطريقة الوحيدة لضبط الأمور، هي التربية، والتثقيف، والتوعية، والتنبيه، والتنوير، والإرشاد، وإفهام الفتاة عن مكانها في المجتمع، وعن أهمية سلوكها أمام الناس، وعن اسمها وكرامتها وشرفها، وعن حساسية تصرفاتها، وعن مدى تأثير أي خطأ تقوم به، على أخواتها، أو على أبناء أسرتها، أو على نفسها. فإذا استوعبت كيف تحافظ على نفسها، وكيف تتصرّف حسب الأصول وحسب ما يتوقّعه المجتمع، يمكنها أن تكتسب احترام المجتمع وتقديره، وأن تحقق أحلامها وآمالها في الحصول على ثقافة وعمل ومركز وكيان، وفي نفس الوقت لا تخدش حياءها أو كرامة أهلها وذويها.
وعلى ضوء ما يجري اليوم مع الفتاة الدرزية، في الظروف الحديثة، علينا أن نغير ما كان تقليديا في حياتنا، وما اعتمدنا عليه في السابق، لأن كل الأمور تغيرت، وكل الوسائل يجب أن تُستبدل، إذا أردنا أن نظل مجتمعا يحافظ على كرامة المرأة واحترامها وشخصيتها. وقد ورد في تعاليمنا التوحيدية، أنه يمكن أن نقوم بتعليم المرأة، وأنه يمكن إعدادها وتأهيلها لواجباتها في الحياة، إذا أعطِيت التربية الصحيحة، والتوجيه الملائم، بحيث إذا خرجت للحياة تكون مؤهلة ومستعدة لأن تواجه أي شيء طارئ، أو أي أمر غير عادي، وهذا يتم بالتنسيق والتعاون بين رجال الدين، ورجال التربية والتعليم، والأهالي، والفتاة الدرزية نفسها، فهي لم تعد قاصرة، ولم تعد فقيرة الثقافة، وإنما أصبحت ذات كيان، ولها دورها في المجتمع، وبإمكانها أن تكون رائدة، وأن تكون متألقة في شتى المواضيع، كل ذلك، وهي محافظة على احتشامها، واتزانها، وشخصيتها المقبولة والمرغوب فيها في المجتمع الدرزي التقليدي. ويخطئ من يعتقد، أن تقدم المرأة واشتراكها الفعلي في كل مجالات الحياة، معناه تراجعها عن كرامتها وشخصيتها، ففي كل مجتمع، مهما كان تقليديا، ومهما كان تقدميا، ومهما كان محافظا، توجد عناصر شاذة، تسيء إلى هذا المجتمع. وقد كان ذلك موجودا في أصعب الفترات في تاريخ الطائفة، وسيظل موجودا، بلا علاقة، بتقدم المرأة وعدم تقدمها. وبإمكاننا أن نقوم بواجباتنا تجاه أنفسنا وتجاه بناتنا دائما، بواسطة التوجيه نحو التعليم والثقافة، وأن نساير الركب الحضاري الذي نعيش فيه، وفي نفس الوقت، نحافظ على ماء الوجه عندنا وعلى كرامة وقدسية بناتنا وسيداتنا والنساء المصونات فينا. 