عائلة متنورة: الشيخ كمال المن وعائلته
يبدو بيت أسرة الشيخ كمال المن في كسرى, من أول نظرة بيتاً دافئاً نظيفاً ومرتباً, يعبق بروح العلم والثقافه والطموح. اللغه السائده فيه لغة ثقافيه على مستوى رفيع, والمواضيع المطروحه هي ذات شأن, وتنم عن أسرة مثقفه متراصة, مجبوله باسس العلم والتحصيل. وصلت الى درجه عاليه من التقدم والنجاح في حياتها العلميه الثقافيه وفي مسيرتها نحو تحقيق أحلام أبنائها بكد أفضل ومستقبل أحسن. لكن ذلك لم يكن سهلاً, وانما جاء بعد جهد كبير مضن, وتضحيات وعمل شاق وتصميم للوصول الى الهدف.
رب الأسرة, الشيخ أبو أمجد كمال المن, هو شاب فارع الطول, منبسط المحيا, كله أرحاب وتفاؤل وأمل, مواطن عادي من سكان كسرى الكرام, يعمل اليوم موظفاً في المجلس المحلي كسرى- سميع, حرم من نعمة التعليم العالي, مع أنه كان يتوق الى ذلك كثيراً, الا أنه أصر أن يمنح لأولاده وبناته ما لم يتيسر له, بالرغم من أن أوضاعه الاقتصاديه لم تكن ميسرة, وقد تحقق كل شيء بصعوبه وبعمل ومجهود كبيرين. وكان قد ولد عام 1961 واشتغل في بداية حياته في مصنع, ثم التحق في المجلس المحلي عام 2000, وكان قد تزوج عام 1981 من السيده, رونده نمر شقور, وعملا سوياً في تكوين الأسرة وبنائها.
ينتمي الشيخ كمال الى عائلة المن, التي تسكن قرية كسرى منذ 150 سنة تقريباً, والتي تعود الى عائلة معروف, التي تسكن مدينة بعقلين منذ أمد طويل. وكانت العلاقات بين الفرع في كسرى, والأصل في بعقلين, وثيقة وقوية طوال الوقت وما زالت. وقد التصق اسم المن بالعائلة, قبل حوالي مائة سنة, في عهد الشيخ أسعد الصباح, الذي قيل انه كان يتجول بين أسر القرية القديمه قائلاً: مان هون؟ مان هون؟ فلصق به هذا الاسم وأصبح أبناء الاسرة أولاد المن. وقد برز الى جانب الشيخ أسعد المذكور ابنه الشيخ سلمان المن من بين  أبنائه الأربعة وهم: عساف, عقل, سلمان وحمدان, الذي كان حجة دينيه في عصره, وعاش في بداية حياته, في فترة الشيخ صالح أبو ملح من البقيعة والذي سكن في قريتنا وتوفي فيها وكذلك في فترة الشيخ خليل طافش رحمهما الله, وأشتهر الشيخ سلمان المن  كطبيب شعبي, يلجأ اليه الناس من كل حدب وصوب, ليستفيدوا من خبراته في معالجتهم والتخفيف عنهم.
وقد سافر الاخوان عقل وحمدان إلى أمريكا الجنوبية (ألأرجنتين) برفقة مجموعة من أبناء القرية طلباً للرزق. أما عساف وسلمان فقد سافرا مع والدهما أسعد المن, عام 1910 الى جبل الدروز, وسكنا بلدة الهويّا, واستقبلهما هناك أبناء عائلة عطا الله الكرام, الذين رحبوا بهم وأعطوهم الحمايه والمأوى والعمل. وقد توفي الشيخ أسعد في قرية الهويّا, ودفن هناك, وما زال قبره موجوداً هناك, حيث قام أبناء الاسره بزيارته في الآونه الأخيره. أما الشيخين سلمان وأخيه عساف, فقد عادا الى البلاد, وسكنا قرية كسرى, وكانا من اعيانها حتى وفاتهما.
وقد تأثر الشاب الناشيء كمال المن, بعمه الشيخ سلمان المن, الذي كان يدعو للتعليم والدين والثقافه والتحلي بالأخلاق الحميدة. فنشأ متديناً, وحاول دائماً أن يربي أولاده على الفضيله والأخلاق. وقد منحه الله ستة أولاد: ثلاثة أبناء, وثلاث بنات. كان الأول أمجد, الذي ولد عام 1982 وتعلم في المدرسه الابتدائيه في القرية, والمدرسه الثانويه مركز الجليل كسرى سميع, والتحق بعد تخرجه بجامعة بار ايلان, وأنهى دراسته الجامعيه, ثم تجند للجيش, والتحق بسلاح الاستخبارات, واشترك في دورة ضباط, وقام باداء واجبه على أحسن وجه. وتسجل للدراسة الجامعيه للقب الثاني في جامعة حيفا, وتخرج في العلوم السياسيه, عام 2008, فإلتحق بسلطة الموانيء, وعمل في القسم الذي يرشد السفن القادمه, ثم قام رئيس سلطة الموانيء باختياره مساعداً له, بعد أن لمس الجديه والرصانه والاتقان في عمله. وقد درس في هذه الفتره ادارة الأعمال, وسيحصل على التخرج بعد ثلاثة أشهر, كما أنه تسجل لشهادة الدكتوراة للعلوم السياسيه في جامعة حيفا وموضوع أطروحته هو "مراحل الديمقراطية في العالم العربي بين الحوافز والعقبات". يملك أمجد موهبة أدبيه شعريه مميزه, وهو ينشر مقالات وأخبار في الصحف المحليه, وقد كتب بعض القصائد, حيث يبدو تأثره الكبير بالمعلم كمال جنبلاط. وقد قام أمجد بقراءة كل مؤلفات كمال جنبلاط واطلع على كافة الكتب التي صدرت عنه وهومعجب كثيراً بمنهجه وشخصيته ويرى فيه قدوة ومثالاً أعلى.
وكبرى البنات هي ماجده التي ولدت عام 1983, تعلمت في مدرسة القريه الابتدائيه, وتخرجت من المدرسه الثانويه مركز الجليل بنجاح, والتحقت بجامعة بار ايلان في صفد, ودرست الاقتصاد والتربيه, وتخرجت عام 2004 كما أنها التحقت بكلية غوردون للتعليم في حيفا, ودرست تعليم الرياضيات, وعينت مدرسة للرياضيات في مدرسة المناره الابتدائيه في القريه,  وتقوم بواجبها على احسن وضع واكمل حال.
وقد واجهت الشيخ كمال في هذه الفترة مشكلتان عويصتان كبيرتان: الاولى مشكلة اقتصاديه حيث توقف عن العمل لمدة ثلاث سنوات, ما عدا بعض الاشغال المتقطعه. فقامت بعبيء المصروف على الأولاد والتعليم, أم أمجد رونده, التي اشتغلت وأمنت تثبيت الاستمرار في مسيرته التعليميه. وكانت المشكله الثانيه هي تعليم البنت ماجده, حيث بدرت معارضه من بعض الاوساط لخروج البنت للتعليم وسفرها, فاضطر الشيخ كمال الى تأمين ذهابها وإيابها من القريه إلى صفد بسيارته الخاصة, كي يقوم بواجباته الدينيه والاجتماعيه. ولم يكن هذا سهلاً في تلك الفتره الحرجه, الا أن تصميم الأسره على الثقافه والتعليم, جعلها تتغلب على كافة العقبات. وفي هذه الفترة الحرجه إنضم للمسيرة التعليميه الابن الثاني, لؤي الذي ولد عام 1984 وتعلم في المدرسه الابتدائيه والثانويه في القرية, والتحق بجامعة حيفا, وتخرج من كلية الحقوق, وانضم لصفوف الجيش, ملتحقاً بالخدمه العسكريه كمدعي عام في السلك القضائي العسكري في منطقة جنين. وقد استمر في تعليمه الاكاديمي للقب الثاني في جامعة حيفا, وسوف يحصل على التخرج بعد ثلاثة أشهر, ان شاء الله. وقد لمس معلمو لؤي في المدرسه الثانويه أنه طالب موهوب, فقامت المدرسه بارساله لمدة 4 سنين مره في الاسبوع, الى مدينة كرمئيل للاشتراك في دورة خاصه للموهوبين. السيد لؤي متزوج من السيده رباب عباس من أبو سنان, وهي كذلك جامعيه, تخرجت من جامعة حيفا حين أنهت دراستها الجامعيه للقب الاول في علم النفس وبعدها انهت دراستها للقب الثاني في علم النفس والممارسة الطبيه النفسيه في مجال العلاج التربوي. كما وتقوم بتقديم محاضرات في هذا المجال, وتشترك في دورات ارشاد. وهي تعتبر متخصصه في مجالها. وقد ولدت هي الاخرى في بيت يحب الثقافه والتعليم ولها أخوات واخوان جامعيون.
الابنه الثانيه هي مايا وقد ولدت عام 1986 وتعلمت في المدرسه الابتدائيه والثانويه في القريه, وتخرجت من كلية غوردون بحيفا, متخصصه في التعليم الخاص, وهي الآن معلمه مؤهله في المدرسه الثانويه الشامله "مركز الجليل" في القريه.
الابنه الثالثه هي رنا, التي ولدت عام 1987 ودرست في المدرسه الابتدائيه في القريه, وكانت طالبة في أول فوج من طلاب مدرسة العلوم المميزه في يركا, وتخرجت بتفوقٍ كبيرٍ, والتحقت بجامعة حيفا, ودرست علوم الاجتماع والعلوم العرقيه (انتروبولوجيا) وهي تتعلم الآن عامله اجتماعيه في جامعة بار ايلان في صفد, وتقوم بتطبيق علومها في المؤسسات الأهليه في مدينة معالوت.
الابن الثالث هو تامر الذي ولد عام 1990 وأنهى الدراسة الثانويه بنجاح في القريه, والتحق بالخدمه العسكريه في الجيش, وهو يطمح كباقي اخوته للاستمرار في الدراسه الجامعيه والعمل الاكاديمي, حيث أن الجو السائد في البيت لا يسمح له أن يتأخر عن باقي اخوته, الذين وصلوا الى الجامعات, في أصعب الظروف الاقتصاديه, والذين استغلوا كل لحظة ودقيقه من حياتهم في العمل والدراسه وتحقيق الذات.
ومجلة " العمامه " تعتز وتفتخر, عندما تكتشف الأسر والعائلات التي تضع نصب أعينها التعليم والثقافه والتحصيل الأكاديمي, وفي نفس الوقت تحافظ على جذورها وعلى تقاليدها وعلى أصالتها وعراقتها. ونحن نبني على الشباب والشابات الجامعيين أن ينهضوا بمجتمعنا وأن يقودوا مسيرة تقدمنا وأن يرفعوا اسم الطائفه عالياً في كل مكان. 