خلوة العدد: خلوة مدينة شفاعمرو

تُعتبر من أقدم الخلوات وأعرقها في البلاد، فقد بُنيت في فترة تاريخية قديمة، وبدأت من مغارة محفورة بداخل صخر طباشيري جيري ليّن، ويُعتقد أنها منذ عهد الدعوة. وكانت هذه الخلوة مكوّنة من غرفتين، شمالية كبيرة، طولها ثماني أمتار/ وعرضها أربع أمتار، منحوتة في الصخر، وربما كانت للرجال، وأخرى أصغر، جنوبية، طولها خمسة أمتار، وعرضها ثلاث أمتار، ويُعتقد أنها كانت غرفة النساء. كانت هذه النواة، ويُعتقد أنها استعملت حتى عهد الدولة العثمانية. حيث يتبيّن أنه في فترة ما من حكم الأتراك في البلاد، بٌنيت خلوة ملاصقة للمغارة من الجهة الغربية، مكوّنة من غرفتين، طول الأولى 12 م وعرضها 3 م، وطول الأخرى 7م وعرضها 4م، وقد قُطعت أخشاب السقف من جذوع أشجار الإزدرخت، ووُضعت فوقها أخشاب من الركس، وفوقها يتواجد نبات البلان الجاف، ثم طبقة تراب، وفوق كل ذلك طبقة خارجية مبنية من الطين، أو من البربريقة. وفي وقت لاحق، أضيف قسم ثالث للخلوة، أيام الانتداب البريطاني، مكوّن من غرفة كبيرة مبنية من الحجارة والإسمنت المسلح، طول الأولى 12م وعرضها 8م، وطول الثانية 6م وعرشها 8م. القسم الرابع من الخلوة هو عبارة عن شرفة موجودة في الجهة الغربية، ملاصقة للقسم التابع لفترة الانتداب، يقوم سقفها على قناطر في جهتها الغربية، طوله 18 م وعرضه 3م، وقد بُني هذا القسم في الخمسينات من القرن الماضي. وفي عام 1972 أقيمت في الجهة الغربية، قاعة مأتم، وهو أول بيت في الطائفة، يُستعمل مأتما للجنازات بدل استعمال الخلوات، كما هو متبع، طوله 20م وعرضه 7م. يوجد على سطح الخلوة بيت لمشايخ آل أبو عبيد القائمين على الخلوة منذ عهد بعيد.
لقد تباركت الخلوة العريقة وعلى مر الأجيال، بأولياء صالحين وشيوخ أجلاء. الأمر الذي يبرز المكانة الرفيعة التي تحلّت بها على مر التاريخ من حيث تعمّق قاصديها بالدين والعقيدة والتمسك بالمبادئ والتعاليم التوحيدية. والدليل القاطع على عراقة خلوة شفا عمرو ومشايخها الأتقياء وهم كثر، هو إهداء سيدنا الشيخ علي الفارس (ر) لكتاب مواعظ وأشعار روحانية، بخط يده الطاهرة، لخلوة شفا عمرو، وهو ما زال محفوظا ومصانا كنزا مدخرا يتبارك به آل شفا عمرو. وقد تعبّد في هذه الخلوة المباركة، سيدنا الشيخ أبو عربية (ر) وهو ولي من أولياء الله الصالحين، وله فضائل لا تُعد، وقد آمن به معظم سكان شفا عمرو، على مختلف طوائفهم ومعتقداتهم، وكانوا يزورون ضريحه للتبرك والاستشفاء. وقد أطلق عليه جيرانه المسيحيون اسم المقزح، لأنه كان يظهر لهم كشعاع نور ساطع عظيم، ينطلق من ضريحه يجمع ألوان قوس قزح. والضريح حتى اليوم يؤمّه المؤمنون للتبرك وإضاءة الشموع. وتعبد في هذه الخلوة أولياء صالحين الولي الصالح سيدنا الشيخ محمد العنزي متوفى عام 1200 هجري وقد ظهرت له كرامات عديدة في حياته وبعد مماته. وقصته مشهورة مع الطيور والوالي العثماني. كما تعبّد في الخلوة الشيخ أبو يوسف سلمان نصر، الذي اشتهر بالجرأة وقول الحق والأمانة، وقد تُوّج بالعمامة المكورة عام 1935 حينما قام بزيارة لمقام سيدنا أيوب (ع) في لبنان، بواسطة فضيلة الشيخ أبو حسين محمود فرج. ومن المشايخ التقاة الذين تعبدوا في الخلوة، الشيخ صالح أبو عبيد، الشيخ سعيد عليان، الشيخ أبو يوسف صالح طربيه، الشيخ أبو صالح حسن خنيفس، الشيخ أبو سلمان محمد دعقة، الشيخ أبو صالح عبد الله حسون، الشيخ أبو أحمد خنيفس ، الشيخ أبو سليمان حسن عليان، الشيخ أبو محمد صالح سمور، الشيخ أبو سلمان محمد شوفانية، الشيخ علي أبو شاح، الشيخ أبو سليمان صالح الجرن والعديد من المشايخ الأتقياء.
يذكر مشايخنا عن الآباء والأجداد، أن خلوة شفا عمرو امتازت دائما بالنشاط الديني، حيث توافد إليها المشايخ الأجلاء من كافة المناطق في البلاد وخارجها، إضافة إلى كون دروز شفا عمرو من أصحاب الأراضي والأملاك، وكون مدينة شفا عمرو قائمة في منطقة إستراتيجية هامة، مما يسهل الوصول إليها. الملفت للنظر، أن نسبة رجال الدين في شفا عمرو قليلة، لكن المحافظة على الأمر والنهي في الخلوة يُعتبر منذ القدم، أكثر الخلوات صرامة، وذلك بوجود مشايخ أكفاء أتقياء، خلفا عن سلفا ولتعاون المشايخ الجسمانيين والشباب والنساء، واحترامهم للعادات والتقاليد والقيم المعروفية. وهنا نؤكد أن كافة أبناء الطائفة الدرزية في شفا عمرو، يقدمون الدعم الكبير والمستمر، لرجال الدين، ولكافة المشاريع العامة للطائفة، كترميم الأماكن المقدسة ومن ضمنها الخلوة والمحافظة على أملاك وقف الطائفة.
نؤكد هنا أن خلوة شفا عمرو، بُنيت على أرض خاصة بآل أبو عبيد، وذلك ليتمكن أبناء هذه العائلة المعطاءة من خدمتها وصيانتها، منذ مئات السنين، ونذكر آخر الذين قاموا بوظيفة سائس الخلوة وهم : المرحوم الشيخ سعد أبو عبيد، ثم الشيخ أبو علي أحمد سعد أبو عبيد المتوفى عام 1954 ونجله الذي خلفه الشيخ سلمان أبو عبيد المتوفى عام 1982، والذي كان شقيقه الشيخ أبو يوسف عطا الله أبو عبيد يده اليمنى وتوفي عام 1976، وأوصى بمعظم إرثه الذي فاق مائة دونما إلى الوقف، ثم الشيخ أبو صالح أحمد سليمان أبو عبيد (1908 - 1991) والذي امتاز بالتعمق بالدين والتمسك بالعقيدة، وقد اعتذر عن تسلم أي وظيفة أخرى عُرضت عليه في حينه، وتفرغ لإرساء قواعد الدين في الخلوة مع أجاويد بلدة شفا عمرو.
 يدير الخلوة اليوم الشيخ أبو أحمد يوسف أبو عبيد، والذي كان عمه المرحوم الشيخ أبو سليمان شفيق سليمان أبو عبيد، يده اليمنى لعدة سنين، وتوفي عام 2009. وقد تلقن الشيخ يوسف من والده محبة الآخرين، والصدق وقول الحق، والأمانة والإخلاص والكرم والشجاعة، وحل المشاكل ومحبة الله تعالى، ورسله والسير حسب تعاليمه السماوية. ومن أبرز الأعمال التي قام بها بناء بيت الطائفة الدرزية في شفا عمرو، بناء بيت النساء، بناء ضريح مقام سيدنا أبو عربية (ر) استصلاح أراضي الوقف وزرع أشجار الزيتون وإقامة الأسوار حلوها. إقامة أسوار حول المقابر الدرزية العديدة. ترميم المغارة التاريخية في الخلوة، تركيب المكيفات وغير ذلك.
وفي الظروف التي تعيشها مدينة شفا عمرو وخلوة شفا عمرو، توجد للخلوة وظائف اجتماعية تراثية ضخمة، بالإضافة إلى وظائفها الدينية، فهي المشعل الذي ينير درب السكان الموحدين نحو الترقي والصفاء والتوحيد، وهي المركز الذي يتجمّع حوله دعاة الخير للطائفة، ومنه ينطلقون للقيام بأعمال التبرع والسخاء والتضحيات.  










رد وتوضيح لمقال "خلوة شفاعمرو"

كتوضيح لما نشر في العدد السابق من مجلة العمامه, أود ان انوه ان خلوة شفاعمرو كانت بالأصل في منطقة "صفت عادي" غرب المدينه وانتقلت  قديما لمبناها الحالي الذي يعود بالأصل للشيخ سليمان ابو عبيد، والذي كان منزله الخاص حيث حوله الى خلوه في حياته وتركه للوقف في مماته بعد ان رحل عن هذه الدنيا دون ان يتزوج . للتنوير فقط اقول ان المغاره الموجوده  كانت تابعه للبيت واستعملت تبانا .

باحترام ,
عطالله محمد سلمان ابو عبيد