صعوبات التعلّم واللغة العربية
دراسة ذهنية للدكتور الشيخ رفيق أبراهيم

كان موضوع تشخيص ومعالجة اطفالنا وطلابنا متكلمي العربية كلغة أم, الذين يعانون من صعوبات التعلّم،  وما زال يشغل المربين والمسؤولين عن التعليم. فجهاز التعليم عندنا يفتقر ليس فقط لأخصائيين في مجال تشخيص ومعالجة صعوبات التعلّم بل أيضا في مجموعة الأختبارات المتخصصة لتشخيص ألصعوبات بلغة الأم .
 التعريف المقبول لصعوبات التعلّم هو انخفاض ملموس عند الطلاب في التحصيل الدراسي الفعلي عن التحصيل المتوقع لهم في ضوء قدراتهم العقليه- والشرط هو أن لا ترجع الصعوبات الى اعاقات سمعيه , بصريه, بيئيه  او تخلف عقلي، انما لاسباب تتعلق بخلل وظيفي بالدماغ. ويتم تقسيم الصعوبات الى قسمين :اولآ : صعوبات اوليه تتعلق بمشاكل نمو مثل القدره على الانتباه، التركيز والادراك. ثانيا" : صعوبات التحصيل الاكاديمي وهي تضم:الصعوبات الخاصه بالقراءه، الكتابه، التهجي، التعبير الكتابي، الحساب وفهم المسموع.
يحتاج تشخيص الطلاب ذوي صعوبات التعلّم الى كثير من البيانات والمعلومات عن الطالب في كافة المجالات  حتى يتسنى للمشخص الحكم على وجود الصعوبه حتى عدم وجودها  وتحديد المستوى الدراسي في المجالات المختلفه تعتمد على تقرير التباين بين التحصيل الفعلي والمتوقع وذلك  باستخدام معايير لمدى التباين، وهذه المعايير تحدد صف الطالب من ناحيه تحصيليه.
يرى اغلب الباحثين أن مسببات صعوبات التعلّم ترتبط بمجموعه من العوامل منها اصابة دماغية  او ما يطلق عليه الخلل الوظيفي  البسيط،  وهي تأتي نتيجة مشاكل فى الحمل، عوامل كيماويه حيويه، عوامل وراثيه او حرمان بيئي مثل مشاكل او سوء في التغذية. وهنا يمكن القول انه يمكن لمجموعه من الاسباب الانفعاليه والتربويه ان يكون لها مساهمه لظهور مشاكل في الأداء رغم أن هذه لا تعد "صعوبات تعلّم". على سبيل المثال, الاطفال او الطلاب الذين يأتون من بيئه تفتقر لجو اسري دافيْ وتفاهم في البيت ولا يسود فيها احساس بالامان والطمأنينيه بل توتر وخلافات مستمره لا شك انها تؤدي الى عدم استقرار ذهني يعيق عمليه التعلّم. الفرق بين هذه المجموعه لمجموعه الطلاب ذوي صعوبات التعلّم، هو انه اذا ما توفرت لهم الظروف المناسبه يتم تحسن ملموس في تقدمهم الدراسي.
تتركز مشكلات هؤلاء الطلاب بصفة عامة في صعوبات القراءة والتهجئة والكتابة والحساب، حيث يجد الكثير منهم عقبات بسبب صعوبة القراءة (الدسلكسيا)، أو صعوبة التآزر الحركي (الدسبراكسيا)، أو صعوبة الكتابة (الدسغرافيا)، أو صعوبة الرياضيات (الدسكلكوليا)، وغالبا ما يكون ذلك خليطاً متشابكاً من هذه الحالات، كما أن البعض منهم يعاني صعوبات أخرى في التركيز والانتباه وفرط النشاط ومشكلات سلوكية واجتماعية وانفعالية.
 لذلك, رأينا، مجموعة من الباحثين في جامعة حيفا قبل عامين، وبدعم من اداريي الجامعة, أهمية إنشاء قسم ومركز في جامعة حيفا لتأهيل وإعداد متخصصين عرب (اصحاب لقب جامعي ثاني)  في تشخيص حالات الطلاب ذوي صعوبات التعلّم ومعالجتهم وذلك في لغة الأم  العربية.
يقع القسم في مركز ي. سفرا لبحوث الدماغ في العسر التعليمي والذي تم بناؤه بالكامل بأموال متبرعين يؤمنون بأهمية دور المركز في حل مشكلات التعلّم في الوسط العربي والدرزي عن طريق إعداد متخصصين  باللغتين العربية والعبرية. ونؤكد أن القسم يتميز ليس فقط في تخريج افواج من المتخصصين بل بالخدمات التي يقدمها على مساندة ذوي صعوبات التعلّم لتشمل أسرهم ومعلميهم وباقي المهن الأخرى ذات الصلة للتغلب على التحديات التي تشكلها صعوبات التعلّم.
ويبذل المركز جهوداً بالغة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي حيث يهتم بتبادل المعلومات - المبنية على أسس علمية - مع جهات مختلفة لتحقيق أهدافه في مجال زيادة الوعي، وإعداد المتخصصين، وتبادل الخبرات حول أفضل الطرق للتشخيص والتعليم، وتقديم الدعم للأفراد ليتمكنوا من المساهمة الكاملة والإيجابية في المجتمع.
كما ويعمل البرنامج الاكاديمي أيضا على تطوير الاختبارات التشخصية في المواد الدراسية الرئيسة: مثل اللغة العربية والرياضيات. "بما إن عملية تشخيص الأفراد ذوي صعوبات التعلّم عملية دقيقة وحساسة، لا بد من تصميم مجموعة من الإختبارات المتخصصة في مجال صعوبات التعلّم لتحديد الصعوبات التي يواجهها ذوو صعوبات التعلّم الخاصة للتمكن من التدخل العلاجي والتغلب عليها فيما بعد". ان عملية تطوير الإختبارات ليست عملية سهلة وهي تهدف الى تأليف وبناء وتقنين الاختبارات النفسية والتربوية التي يستخدمها المشخص وذلك في مراحل. في المرحلة الأولي من عملية التطوير, يقوم الفريق العلمي  بالرجوع إلى العديد من المصادر لتجميع فقرات الاختبارات الفرعية  (عن طريق الاطلاع على الاختبارات الأجنبية والعربية التي تناولت نفس الموضوع أو مجالات مشابهة.... الخ).  بعدها يتم تطبيق الاختبارات في صورتها الأولية على عينة من الطلاب (في الصفوف من الثاني إلى التاسع)، في كل صف، ثم تتم عمل المعالجات الإحصائية من معاملات صعوبة وتمييز لجميع فقرات الاختبارات.
أما المرحلة الثانية: فيتم فيها تطبيق جميع الاختبارات بعد حذف وتعديل البعض من اقسامها على نفس العينة السابقة وبنفس التوزيع السابق.مع مراعاة أنه يتم اختيار العينة بشكل عشوائي ولكن بطريقة علمية,على أن تكون جميع المدارس التي يُطبق عليها مدارس عامة .
بالنسبة لعلاج صعوبات التعلّم فذلك يتم عن طريق أختيار استراتجيات تدريس. أذا أخذنا على سبيل المثال صعوبات التعلّم في القراءه - هناك طرق ووسائل ومواد ممكنه لتدريس القراءه تبدأ في مرحله التعرف على الكلمه والوعي الصوتي لها وهدفها تحسين السلاسه او الطلاقه اللفظيه خاصه لاصحاب القراءه البطيئه. و هناك طرق ووسائل لتحسين الفهم القرائي عن طريق بناء مفردات المعاني والمفاهيم والتركيز على المعاني المتعددة للكلمه واستكشاف مصادر الكلمات .وأحدى الاستراتجيات المفيده في هذا ألمجال هي: إعادة صياغة ما يقرأه الطالب بلغته الخاصة وذلك يتمكن عندما يقرأ الطالب قطعه معينه ويعيدها بكلماته الخاصه .
وفي ما يتعلق بموضوع أللغه العربية وعلاقتها بصعوبات التعلّم, نشر مؤخرا في إحدى اهم المجلات العلمية في العالم لأبحاث علم النفس، بحث علمي أجريناه  نثبت فيه بشكل علمي محوسب ودقيق ان اللغة العربية الفصحى هي بمثابة لغة ثانية وليست لغة أم لمتكلمي اللغة العربية. ونؤكد  أن هذا الامر يمكن قوله دون أدنى شك عن كل عربي في اي من أقطاب العالم العربي أجمع. وذكرنا  في المقال العلمي الذي نشر في المجلة: "الفرق الذهني بين اللغتين يشابه الفرق بين لغة أم ولغة ثانية. هذا الامر من شأنه بالطبع ان يفسّر بعض المصاعب الموضوعية التي تواجه الطالب متكلم العربية عند تعلمه القراءة في لغة لا يتحدث بها بشكل يومي".
يطرح البحث موضوع تمثيل اللغة بشكل عام في الجهاز الذهني، وتمثيل اللغة العربية بشكل خاص على صنفيها، اللغة العامية واللغة الفصحى. في السابق أشارت دراسات عديدة الى أن مبنى الجهاز اللغوي عند متكلمي اللغتين يختلف عن الجهاز اللغوي لدى متكلمي اللغة الواحدة، وهذا بات أمرا معروفا. في أحد أبحاثنا ألأخيرة نشير الى أن اللغة الثانية تتمركز في مناطق دماغية تختلف عن مناطق اللغة الأم. بهذه الدراسة بالذات تم بحث موضوع تعامل الجهاز الذهني عند المتكلم العربي الذي يجيد اللغة الفصحى مع اللغة الفصحى. هل هو تعامل بمستوى لغة اولى او لغة أم، ام تعامل معها كلغة ثانية او اضافية. إن ألطريقة المثلى لبحث التمثيل الذهني هي عن طريق فحص الترابط الذهني بين قاموس الكلمات بالعامية، مع قاموس الكلمات باللغة الفصحى أو أي لغة اخرى. وهذا يتم عن طريق قياس سرعة رد الفعل في ادراك الكلمات التي تعرض للمفحوص ونسبة التدقيق فيها. وهذا البحث الذي أجري على طلاب ثانوية،  يجيدون اللغة العبرية. وتمت مقارنة تأثير الرابط الكلامي عن طريق عرض كلمات مترجمة على أداء الطالب من ناحية سرعته في ادراك الكلمات. اذ تم عرض كلمات مع روابط، مثل: "מרפסת" بالعبرية و"شرفة" بالعربية الفصحى و"برندة" بالعامية, وقد تم فحص تاثير عرض كلمات معينة على الأداء بالكلمة المترجمة باللغة الاخرى، بالاتصال مع اللغة العبرية. مراقبة نموذج النتائج  شارت الى أن نموذج تأثير الترابط بين الفصحى والعامية يشابه نموذج ترابط الكلمات بين العبرية والعامية، ويختلف عن نموذج ترابط الكلمات داخل اللغة العامية. هناك نموذج مشابه بين الفصحى والعامية وبين العبرية والعامية. وهذا يؤكد أن تأثير اللغة الفصحى في الجهاز الذهني لدى الطالب العربي يتلاءم مع كونها لغة ثانية واضافية للعامية وليست لغة أم. ونؤكد انه لأول مرة يثبت بتقنية علمية محوسبة ازدواجية أللغة وما كان حتى ألأن هو مجرد نظريات وفرضيات فقط ومحاولات للتفسير.
وبالنسبة للتحصيل العلمي، بما في ذلك ألتحصيل بلغة ألأم  للطلبة العرب وألدروز واعتبار اللغة العربية الفصحى لغة ثانية  نقول: إن ألتحصيل العلمي لدى الطلبة العرب والدروز أو غيرهم يتأثر بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية التي تمثل حاجزا يحول بين الطالب وتقدمه العلمي. بالنسبة لاكتساب مهارات اللغة مثل القراءة وفهم المقروء على سبيل المثال، كون العربية الفصحى غير متداولة في الحديث اليومي يؤثر بشكل سلبي على التحصيل العلمي بشكل عام و على التحصيل باللغة كموضوع دراسي بشكل خاص. فعلى عكس الطالب اليهودي أو الانجليزي الذي يكتب ويقرأ باللغة التي يتكلمها بالحياة اليومية، الطالب العربي يلتقي باللغة الفصحى فقط عند اكتساب مهارات القراءة وفي مرحلة المدرسة. وبعدها تبقى محصورة بالحديث فقط خلال الدروس والمواقف الرسمية فقط وليس بالحياة اليومية، وهذا يضعف من القدرة على التملك في اللغة. إن عدم التملك في اللغة بسبب ازدواجيتها له عواقب سلبية جانبية أيضا، وأهمها إضعاف ثقة الطالب بالتعبير عن نفسه، والقدرة على ألتحدث بشكل فصيح وبالتالي ذلك يؤدي الى تأثير سلبي على التقدير الذاتي لدى الطالب وفي بعض الاحيان خلق مشكلة اجتماعية. 





الدكتور الشيخ رفيق ابراهيم
الدكتور الشيخ رفيق ابراهيم هو محاضر وباحث مختص في علم النفس العصبي من جامعة القدس ومستشفى رمبام. يعمل محاضرا وباحثا في قسم بحوث الدماغ (مركز أبحاث ي. سفرا) في أعسار التعلّم في جامعة حيفا، ويشغل منصب رئيس لجنة الماجيستير للقسم، ورئيس برنامج أعسار التعلّم لمتكلمي اللغة العربية. متزوّج وأب لأربعة أولاد، من سكان قرية كفر سميع في الجليل الأعلى. له أبحاث كثيرة في مجال الدماغ ومجالات مهارات اللغة والتمثيل الدماغي للغة بشكل عام، وتحليل الوظائف الذهنية لدى الأشخاص العاديين والمصابين باصابات دماغية. 