شخصية نسائية:الست أم ناصر الدين ناجية
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)
سيدة تقية فاضلة، عاشت في زمن الأمير السيد (ق)، واشتهرت بالتقى والورع والتدين، والعلوم الروحانية، والسلوك الحسن، والصلاة الدائمة، والمناجاة، ومساعدة الأخوات، وتعليم البنات، وبث روح التوحيد عند السيدات وصغيرات بنات المجتمع. وقد عُثر على معلومات عنها، من خلال وثيقة قديمة، كانت في حوزة الست سميرة وهاب من بلدة غريفة الشوف، وكانت هذه الوثيقة عند عائلة علم الدين التنوخيين، فقامت إحدى سيدات علم الدين بإهدائها إلى الست سميرة وهاب. وقد أطلعت الست سميرة، الشيخ ابو صالح فرحان العريضي على فحوى هذه الوثيقة، فأدرجها في كتابه النفيس "مناقب الأعيان" في الجزء الثاني. وهذه المخطوطة هي كناية عن كُتيب، احتوى على عدد من المراثي، التي نظمها سادة ذلك العصر الفضلاء، في رثاء الست الفاضلة، الجزيلة الاحترام، العالية المقام، خلف السادة الأكابر الأعلام، الست أم ناصر الدين ناجية رحمها الله. ولا يوجد في الوثيقة، أو في أماكن أخرى، معلومات عن أهلها وسيرة حياتها، وكل ما ننشره هو تخمينات وتكهنات من خلال المراثي والمعلومات القليلة المذكورة في الوثيقة، فيُستدل  أنها، بكون كُنيتها أم ناصر الدين، هي أم الشهيد الأمير ناصر الدين محمد، وبذلك تكون ابنة القاضي زين الدين عبد الوهاب من بيصور. وهي شقيقة الست نفيسة .ويستشف الشيخ ابو صالح فرحان العريضي أنها زوجة الأمير سيف الدين أبي بكر تلميذ سيدنا الأمير السيد (ق) وخليفته من بعده.لكننا بحثنا في تاريخ الأمير السيد ووصلنا إلى كتاب الدكتور فؤاد ابو زكي الصادر في بيروت عام 1997 فوجدنا أن تلميذه وخليفته كان حقا الأمير سيف الدين أبي بكر. فقد جاء في صفحة 262 "أن تلاميذ الأمير اجتمعوا بعد وفاة أستاذهم الأمير السيد (ق) واتفقوا على تكليف زميلهم في الدراسة ورفيقهم في الحياة الدينية والاجتماعية الأمير سيف الدين أبي بكر ابن الأمير سيف الدين زنكي، ابن الأمير عز الدين صدقة، إمامة الموحدين، ومشيخة المشايخ، يعاونه في إدارة مقام المشيخة إخوانه، وفي مقدمتهم الشيخ زين الدين جبرائيل بن نصر"  .
وكتب الدكتور أبو زكي في ترجمة الأمير سيف الدين أبو بكر، أن والده توفي وهو صغير، فنشأ يتيما، وبرع في قلم التوقيع والصياغة، ومهر في تخريم الخرز ونقش الأختام، وكان حسن التخيل وجودة الفكر وحدّته وسرعة حفظه. اقتدى آثار السيد في أحكامه وتوصل بذكائه وحسن سياسته إلى الإفتاء. وأحبه الناس... وذكر د. أبو زكي أنه تزوج ورُزق ثلاثة أولاد هم : صالح ويحيى ومحمد". لذلك نشك في القول إن السيدة ناجية هي زوجة الأمير سيف الدين، إلا إذا كانت قد أنجبت ناصر الدين من زواج قبل زواجها من الأمير، وهذا مستبعد من زوجة أمير، ومن امرأة فاضلة مثلها. ولا يذكر الكتاب الضخم الذي أصدره د. ابو زكي أي شيء عن السيدة ناجية .
على كل الأحوال، ليس هناك شك في وجود شخصية قديرة، تكللت بالدين والتقوى والصلاح، وحظيت باهتمام الشعراء والكُتّاب، ونستعرض هنا بعض ما قيل فيها، مما استقاه الشيخ أبو صالح من المخطوطة، ونشره في كتابه " مناقب الأعيان" وكذلك عُثر على رثاء للمرحومة، من قِبل الشيخ صلاح الدين حلبي، يمدحها ويذكر محاسنها، وهذا إثبات آخر أنها كانت سيدة مرموقة جليلة. وللأسف الشديد، فقد عطُل القسم الأول من المخطوطة، التي كان من الممكن أن يعطينا ضوءا أكبر عن السيدة ناجية، ونكتفي هنا بما بقي لنا من صفحات سليمة . نفهم من المخطوطة أن كاتبها اسمه عبد الله، حيث يقول ناعيا وفاتها :" الزكية الأعراق، الرضية الأخلاق، الوفية المعاشرة، العلية المؤازرة، الجميلة المحاضرة، القليلة المنافرة، السريعة الإجابة، الكثيرة الإصابة، الكريمة الجدّيْن،(يفسّر الشيخ أبو صالح هذا البند بجدها لأبيها القاضي بهاء الدين صدقة، وجدها لأمها الأمير بدر الدين محمد، والد الأمير السيد (ق)) السمحة اليدين، سلالة السادة المشايخ الأكابر، الوارثين المجد كابر عن كابر، فإن لله وإنا إليه راجعون من مصاب ما أوجعه وخطب ما أفجعه، فكأنه أودع بدر الدجى أطباق الثرى، وأحلّ من كان محله في القلوب والنواظر، روضات الرموس والمقابر، فأوحشت المنازل، وآنست التُّرب والجنادل،
 فأوحشت الديار وأنت خلو
وآنست القفار وأنتِ فيه
وزادت بعدكِ الحسرات حتّى
يكاد المرء لم ينطق بفيه
فيا الله من يوم الفراق
سالت فيه الدموع من الأحداق
وتألّمت القلوب من غصص الشجا
وأكثِر فيه من ذكر جبّار الأرض والسما
الفاعل لما يشا جل وعلا... فلا تسال المشايخ المكرمين ما تم في ذلك اليوم على الأهل والمحبين فإنهم أصبحوا فيه مثكولين، ولذلك المصاب وجعين، ولأجله باكين، وعلى المفقودة ثانين، وله بالحمد ذاكرين... ولو استقصينا ما عندنا من الحزن والشفقة ما عندكم، وجميل سيرة المنتقلة إلى رحمة ربها في حياتها، وما أُثني عليها بعد مماتها، لضاق الكتاب وحصل الإسهاب، ونهدي بعد ذلك أتم التحية والسلام على السادة الكرام والود التام على الدوام والسلام." نكتفي بهذا القدر لهذا العدد وسننشر القصائد التي قيلت فيها في العدد القادم، إن شاء الله. 