خلوة العدد: الخـلوة الكبرى في كســرى
هي إحدى الخلوات العريقة والكبيرة في البلاد. وهي من الخلوات الرائدة، حيث تنبض بالنشاط الديني، وتعج بالمشايخ والنساء المتدينات، وتُعتبر صرحا تليدا للوعي التوحيدي، والثقافة الدينية الفطرية، والإيمان العميق بالمبدأ والمذهب والعقيدة. ومع أن عدد سكان قرية كسرى، لا يزيد عن ستة آلاف نسمة، إلا أننا نجد، أن الخلوة تستوعب بين ربوعها، ما يزيد عن خمسمائة رجل وشاب متدينين، وبين  600-- 700 امرأة متدينة، وهذه النسبة لا نعرف، ولا نعلم، أنه يوجد مثلها في أي قرية من القرى الدرزية في مكان آخر. ففي قرية دالية الكرمل مثلا، التي تحتوي على ست خلوات، يمكن أن نقدر أنه يؤمها جميعها حوالي 700 مؤمن، وذلك من عدد سكان يزيد عن 14 ألف نسمة، وكذلك الحال بالنسبة للخلوات الكبيرة في القرى الأخرى، حيث نتمنى أن نفاجأ، وأن يكون هناك من يقول لنا، إن هذه الخلوات تستوعب عددا أكبر من المؤمنين. وتظل خلوة كسرى الخلوة الرائدة والبارزة والمتألقة بعدد المؤمنين فيها، وذلك تمشيا مع تألق قرية كسرى في مواضيع أخرى، إلى جانب الموضوع الديني.
ما زلنا نذكر، أنه في أواخر الخمسينات، وقعت كارثة مرض الحصبة في قرية كسرى، وأصيب بالمرض عدد من الأولاد، ولم تكن هناك عيادة، ولم يكن هناك طبيب، حتى أن طريقا معبدا تسير فيه السيارات لم يكن متوفرا في ذلك الوقت. وكتبت الصحف العربية والعبرية في حينه، أن قرية درزية تقع في نهاية العالم، معزولة عن الحضارة، وقعت فيها كارثة مرض الحصبة. وبفضل إيمان سكانها، وبجهودهم الجبّارة، وبمساعيهم الخيّرة، وبوحدتهم، وبتعاليهم عن الأمور الصغيرة، استطاعوا خلال خمسين سنة، أن يجعلوا من قرية كسرى، إحدى القرى الأكثر تطورا وتقدما بين القرى العربية والدرزية في البلاد.
ولا شك، أن التسامح الديني الدرزي، والفرائض التوحيدية العريقة، التي يستقيها أبناء وبنات قرية كسرى من خلوتهم المجيدة، تؤثر على تصرفاتهم، وعلى سلوكهم، وعلى وحدتهم وتجمعهم وتضحياتهم، وتخلق جوا من الشعور بالقوة والإنتاج والحركة والقناعة في المجلس المحلي، مما يبعث على الفخر والاعتزاز، والشكر لكل من ساهم ويساهم في وصول قرية كسرى إلى المراتب الراقية التي بلغتها.
تُعتبر قرية كسرى، من القرى القديمة الأولى في دروز إسرائيل، وقد كانت موجودة زمن الدعوة، وعاش فيها سكان موحدون، مثلما عاش في بعض القرى الدرزية القديمة، كيركا، وجث، والبقيعة، والزابود وغيرها. وكانت الخلوة موجودة إلى عهد بعيد، ولا توجد لدينا الآن معلومات تشير إلى الخلوات القديمة ومن أدارها وماذا حدث فيها. لكننا اجتمعنا بالشيخ الشاب أبو سليمان إسماعيل صالح العلي، السائس الحالي للخلوة، وزودنا ببعض المعلومات عن السياس الذين سبقوه وسمع عنهم. ففي مستهل القرن العشرين، أدار الخلوة في كسرى، الشيخ صالح العلي، الذي عاصر الشيخ صالح أبو ملح، والشيخ خليل طافش، رضي الله عنهم جميعا. وبعده ابنه الشيخ أبو سليمان إسماعيل صالح العلي. بعد وفاة الشيخ اسماعيل صالح العلي تولى بعده اخيه الشيخ ابو يوسف سلمان صالح العلي بالتعاون مع الشيخ سلمان أسعد المن، وبعد وفاة الشيخ ابو يوسف سلمان صالح العلي تولى الشيخ ابو صالح سليمان العلي وتابع معه الشيخ سلمان أسعد المن الذي توفي عام 1979. وبعده الشيخ ابو اسماعيل يوسف العلي الذي توفي عام 1998 تاركا إدارة شؤون الخلوة في يدي الشيخ أبو سليمان إسماعيل، الذي يبلغ اليوم سن الخامسة والأربعين، ويقوم بكافة الفروض المطلوبة من رجل دين في موقعه.
وكان من أركان الخلوة المأذونون ، الشيخ أبو سعيد طلال أسعد والشيخ سلمان صالح العلي مأذوناً وسائساً، كذلك الشيخ أبو فؤاد محاسن عبد الله، والشيخ أبو ناهي حمد شومري، والآن الشيخ شومري شومري، والشيخ واصف عبد الله، والشيخ حسين نعيم نصر الدين كمأذونين. وتشهد الخلوة في الآونة الأخيرة، توجه سليم ومبارك من قِبل شباب الخلوة للانضمام إلى صفوف الدين، والتقيّد بالمسلك السليم لدين التوحيد. وهذه ظاهرة مباركة، تُحمد عليها قرية كسرى. وقد بنيت الخلوة الجديدة في كسرى بمبادرة من الشلخ خليل طافش، الذي بادر كذلك لبناء الخلوة في كفرسميع. وتضم الخلوة في كسرى أثرين مقدسين هما: المباركة بالقرب من الخلوة، وقبة الست سارة الواقعة داخل الخلوة بعد توسيعها. 