المرحوم الشيخ زاكي عامر
في الصيف الماضي، كان المرحوم زاكي عامر، شيخا صحيح الجسم، سليما معافى، يشع قوة ونشاطا، يسافر من قرية إلى قرية، يواسي ويعزي بالمفقودين،  ويبارك بالأفراح، ويشترك في الاجتماعات العامة، ويُسمِع صوته ويبدي رأيه ويشير إلى ما يجب عمله، ويحث المسؤولين والمشايخ والقياديين على تحسين أوضاع الطائفة، والعمل على تقدمها، والرفع من شأنها، ومعالجة مشاكلها، والاهتمام بالكبيرة والصغيرة في شؤون الطائفة، طالبا ذلك في البداية من نفسه، حيث كان يكرس وقته الثمين لمساعدة الإخوان وأبناء الطائفة والأهل والمعارف. وعندما كان يتسلّم منصبا مسؤولا، كان يرى بذلك كل حياته، وكل رسالته، ويهتم ويركّز كل مقدّراته من أجل تحقيق أكير ما يمكن تحقيقه، ليقوم بواجبه وبمسؤولياته، وليخدم قريته ومجتمعه. وعندما لم يكن متسنما وظيفة ما، كان يفتش عن المهام وعن الأمور الملحّة فيعالجها، بإمكانياته وقدراته، وإذا لم يستطع حلها، فعلى الأقل يثير الاهتمام حولها، ويلفت إليها النظر إليها، ويجعلها في مصاف الأمور الملحة التي تتطلب حلا جذريا. وفي كل الحالات، لم يكن ولا مرة في حياته، منعزلا عن الناس، أو لا مباليا، أو مهتما بأمور شخصية،ولم يفكر بالوظيفة، او المال، أو المتعة، وإنما كان دائما يشارك الجميع، ويفكر مع الكل، ويسعى دائما إلى مد يد المساعدة للآخرين، وإلى التعاون من المسؤولين وأصحاب الشأن، في حل المشاكل والأمور.
وقد امتاز زاكي عامر عن غيره من الزعماء المحليين، بأنه كان ذا نظر ثاقب، ودراية كافية، وتفهم عميق لظروف حياتنا، وللمناخ السياسي الإقليمي الطائفي الذي نعيش فيه في هذه البلاد، وفي الشرق الأوسط. كان زاكي عامر واقعيا عمليا، يعرف ما يريد، ويعرف كيف يحصل على ما يريد، ولا غرابة في ذلك، فهناك الكثيرون ممن يتحلون بهذه الصفة من أجل مصلحتهم الشخصية أولا. زاكي عامر تجاوز المصالح الشخصية، وفكّر فقط بالمصالح العامة، وقد توالى على رئاسة المجلس المحلي في حرفيش، عدد كبير من الرؤساء، حيث كان التناوب بين ممثلي العائلات المختلفة على الرئاسة دارجا، ومع أنه بقي في وظيفته هذه كرئيس للمجلس المحلي فترة قصيرة، إلا أنه عمل في هذه الفترة الكثير، وبادر إلى تحقيق الكثير، وترك بصمات ما زالت قائمة حتى اليوم. وسواء كان رئيسا في بلده، أو لم يكن رئيسا، فقد ظل دائما في أعين الناس، رجلا محترما، قائدا ومدبرا. وكان الجميع يقدّرونه ويحترمونه، خاصة بسبب الدور القيادي الكبير، الذي قام به في أرجاء الطائفة الدرزية في البلاد، فزاكي عامر لم يتشبث بصخور بلده، ولم يتقوقع بين أشجار قريته، ولم يقيّد نفسه في مشاكل النفايات والمجاري فقط، وإنما عمل على الصعيد القطري، وعلى مستوى الطائفة، وكان اليد الأيمن للمرحوم الشيخ جبر معدي، وكان أحيانا مندفعا من قِبل ذاته، ليحقق شيئا من  أجل دالية الكرمل، أو ساجور، أو أي قرية أخرى، دون أن تكون له منفعة شخصية من ذلك. ومن رافقه في السنوات العشر الأخيرة، حينما كان مسؤولا في مركز السلطات المحلية القطرية، يعرف أنه بذل الكثير الكثير من أجل أبعد نقطة درزية، ومن أجل أصغر مواطن معروفي، ومن أجل رفع راية التوحيد، وإعلاء شأنها. وقد رافق في حينه نضال رؤساء المجالس المحلية الدرزية، الذي طمح في تحقيق المساواة والحقوق لأبناء الطائفة الدرزية، ومن يطّلع على الأخبار يجد أن زاكي عامر كان دائما في المقدمة والصدارة والطليعة.
وقد قلنا إن زاكي عامر كان في الصيف الماضي في أوج عطائه، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فما هي إلا أيام حتى تسرب المرض الفتاك إلى ذلك الجسم القوي الصامد، ورأينا أخانا أبا أنور يصارع المرض ويقاوم تغلغله بثقة وبسمة وإيمان، لكنها هي إرادة الله، سبحانه وتعالى، فقد فارقنا، رحمة الله عليه، في طريقه إلى جنات الخلد، إن شاء الله، وإنا لله وإنا اليه راجعون. 