spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 85
كلمة العدد: عندها، نترفع حتى عن صيد الأسود، وليس فقط عن صيد الأرانب ..
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
شبابنا اليوم طباعة ارسال لصديق
بقلم بروفيسور فاضل منصور
ترجمة مقال نُشر في المجلة  الاكاديمية لكلية الكرمل
قالت لي مفتشة عربية في الاستشارة التربوية: شبابكم متخبّطون نهائيا. وقالت لي مفتشة يهودية في المدارس الجماهيرية: التقيت بآباء من دالية الكرمل وسألتهم من هو الدرزي؟ وكانوا في اضطراب شديد وتشجّع احدهم وقال: هذا الذي يتزوج مع درزية. وفي أواسط التسعينات تعرض بعض الطلاب الثانويين في الكرمل إلى مشكلة هزّت أركان الطائفة الدرزية وقريتي الكرمل وقد أعلن الشارع الدرزي، وخاصة جماعة الغير متدينين أن الشارع الدرزي يمكن أن يتغلب على أزمة كهذه لكن المسؤولين هم رجال الدين. ومنذ عشر سنوات وأنا ألتقي مع طلاب المدارس الإعدادية والثانوية وأشعر بما يعانون، وتوصّلت لنتيجة أن المجتمع الدرزي والشبيبة الدرزية يرون في الدين الدرزي مصدر سلطة روحانية وإلهام أخلاقي وتصرف حسن تكوين الفرد والمجتمع، لكن المجتمع الدرزي تغيّر ولم يظل ذلك المجتمع المبني على قيَم التقاليد المتوارثة عن الآباء.
فماذا حدث للمجتمع الدرزي وأين هو موجود؟ وماذا يمرّ عليه، وأين المدارس، وأين رجال الدين، وماذا يعملون. يجب أن نذكر أن المجتمع الدرزي هو مجتمع أبوي وفيه حكم الأب وحكم الحمولة قوي جدا لكنه بادئ بالضعف. المجتمع الدرزي مغلق ويسير بموجب أسس تقليدية معيّنة. كان الدروز في السابق يعتاشون من الزراعة، لكن مع دخول الماء والكهرباء للقرى الدرزية في الكرمل وبعدها في الجليل بدأت عملية ترك الزراعة والانتقال للعمل كأجيرين خارج القرى وخاصة في أذرع الأمن المختلفة. أصبحت قرانا فقط بيوت للمبات. فقد نتج عن الاحتكاك اليومي مع المجتمع الخارجي ضغوط على الهوية : من أنا في نظر نفسي، من أنا في نظر الآخرين، ديني سرّي، ومعرفتي به معدومة، ليس لدي مصدر موثوق به يُكسبني أجوبة مقنعة، ماذا أقبل من قوانين المجتمع وماذا أرفض؟
إن الشبيبة غالبا منقطعة من الثقافة الدينية. وقد ادخلوا في أواخر السبعينات للمدارس تعليم التراث. كانت هذه بداية حسنة لكنها كانت بعيد من أن تكون كافية لأنها اعتمدت على دروس التاريخ والجغرافية بدون أن تبلوَر بفحوى روحانية ضرورية. ومنذ ثلاثين سنة ينفرد رجال الدين في بيوت العبادة ولا يجرون حوارا مع الشباب الذي بدا ينكشف للمجتمع المتطور الحديث بدون أن يكون له وسائل تحميه. ومن ناحية أخرى أخذ تأثير الدين على الشبيبة كعامل موازٍ للتأثير الخارجي يضعف.  ونسبة المتدينين اليوم في الشباب هي 15% وفي البنات هي 25% وتتركز بصورة عامة في الطبقة البالغة فوق الأربعين. لقد تقدمنا بخطوات سريعة وأصبحنا ماديين واقل روحانيين او تقليديين أو مثاليين. وللأسف الشديد تعلقنا الديني هو سطحي وليس نموذجي كما كان في السابق. فقد حصلنا على إنجازات مادية كبيرة، بيوت فخمة، صالونات عامرة، تلفونات وغيرها. لكننا لم نفهم : زعماء ، مربون، ورجال دين في أي ظروف نحن موجودون ماذا يجري بيننا وإلى أين نحن سائرون. معظمنا يفكر بمفاهيم الماضي مثل آبائنا ونحن نتغاضى عن أسس التفكير الذي يتطلبه العصر الحديث. نحن نتعامى عما يجري حولنا، وعن ظروف الحياة في الدولة التي نعيش فيها والتي تعطي أهمية كبيرة للتعليم الجامعي. شبابنا ابتعدوا كثيرا عن القيم التقليدية. وهم لا يعرفون ماذا يريدون، معلوماتهم عن الفترة التي نعيش فيها قليلة، أصيبوا بانفصام الشخصية، كل واحد يتصرف بعكس تراث أجداده، مكشوف لكل عوارض المجتمع الجديد، ويتقبل بصورة خاصة السلبي، يقيس الشوارع، يدخن، يسكر، يلعب بألعاب الحظ حتى الصباح وليس له أي طموح. عندنا عدد تجار السموم كبير وكذلك عدد متعاطي السموم كبير، لقد تركت البنات اللباس التقليدي وابتعدن عن ثقافة الأم، وبدأنا نشهد ظواهر سلبية ومشينة، وفي نفس الوقت أغلقت المشاغل التي كانت في القرى واضطرت الفتاة أن تخرج للعمل خارج القرية مع كل ما يتطلبه هذا الوضع. عدد الجامعيين في قرانا منخفض جدا ويصل إلى تسعة لكل ألف نسمة والمعدل العام هو سبعون.
وعندما نطلب من الشاب والفتاة أن يعملوا خارج القرية وأن يكونوا مكشوفين لكل الظواهر الغربية ووسائل الإعلام فما هي الشحنات الروحانية التي يجب أن نزوّدهم بها، ومن يزودهم بذلك: البيت؟ المدرسة؟ المؤسسات الدينية؟ هل فكّرنا بذلك؟ هل القيم الثلاثة التي نقدّسها : الدين والأرض والعرض تُدرَّس وتُغرس في نفوسنا؟ هل نسمح للأمور بأن تستمر كما هي؟ وهل أجرينا بحثا عميقا بما يجري؟.
إن الكثيرين من الباحثين في علم الاجتماع يقولون إن كثيرا من المشاكل التي يعاني منها الأفراد والجماعات ناتجة عن عدم الشعور بالانتماء وعن عدم تحديد الهوية. وأنا أقول إن الهوية الدينية الدرزية هي ما يميّز الإنسان الدرزي أينما كان وكل الهويات الأخرى التي يدّعيها هي ثانوية. لا تنسوا أنه لا توجد لدينا رموز واضحة مثل الآخرين وكتبنا الدينية ليست مفتوحة أمامنا. الأسئلة التي نسألها من هو الدرزي ؟ ما هي مبادئ دينه؟ ما هي القيم التي ننادي بها؟ نقول الدرزي هو من يولد لأب وأم درزيين ويؤمن بالله سبحانه وتعلى ورسله ويأخذ على نفسه الفروض السبعة ويتجنّب الكذب والقتل والزنا والسرقة ومضرة الآخرين ويتجنّب تعاطي الكحول والسموم والتدخين واكل الخنزير والعاب القمار. ويتطلب على الدرزي النظافة ، الاستقامة، التسامح، الصبر، الأدب ومساعدة الغير. وكذلك الشجاعة، التطوع، الكرم، الاجتهاد، التقدّم وغيرها.إن غاية الدين الدرزي هي رفع الإنسان لدرجة يقوم فيها بالعمل ليس من أجل مصلحة شخصية وإنما من أجل الإنسان كإنسان ولمصلحة المجموعة. هدف الهوية الدينية الدرزية هو بناء الإنسان الكامل الشجاع الكريم الناجح أي بناء مجتمع إنساني صحي. هذه هي قيَمنا فلماذا لا نوجّهها للشبيبة ونجعلها تكون منارا لحياتهم وأساسا لتصرفاتهم اليومية بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين الآخرين. هناك يتلاقى الدين مع التربية وحسب رأيي أهداف الدين وأهداف أسس التربية هي أن تغرس في نفوس المجتمع الدرزي والفرد الدرزي الأمور الثلاثة التالية: الحاجة إلى التعليم والثقافة وعلينا أن نؤكد ان لا تناقض بين الثقافة والدين فوظيفة العلم هي اكتشاف الطبيعة العجيبة والقوانين التي خلقها الله سبحانه وتعالى لمصلحة الإنسان ووظيفة الدين هي إنقاذ نفس الإنسان من كل إثم وتقريبها لأكبر درجة من خالقها. وثانيا الشعور بالانتماء والهوية الدرزية والعمل بموجب ذلك. وثالثا الحاجة إلى العُرف كأساس لمعيشة المواطن الدرزي في مجتمع متعدد الجنسيات.
وعلى ضوء ما ذكرت قدّمت عام 2000 اقتراحا للمجلس الديني الدرزي لإقامة مركز لإدخال الثقافة الدرزية للدروز وقد ووفق على اقتراحي لكنه لم يُنفذ.
العمل الذي ينتظرنا هو توسيع النشاطات في المدارس والمدن والقرى الدرزية وتأهيل معلمين مناسبين والوصول بهم إلى أبعد القرى .
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.