spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
العلاقات الدرزية المسيحية في أعقاب زيارة البابا للبلاد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: حتى الأُســــود، يــمكن أن تـــــحسب حســـابنا طباعة ارسال لصديق
ورد في المؤلف الضخم، للأستاذ المعروفي شفيق سليمان "تاريخ لبنان كما كان"، أنه في سنوات الخمسين المبكّرة من القرن العشرين، قام رئيس الجمهورية اللبنانية، الرئيس كميل شمعون، يرافقه وزير الدفاع في الحكومة اللبنانية، الأمير مجيد أرسلان، بزيارة لإمبراطورية إيران، التي كانت في ذلك الوقت تحت حكم الشاه. وقد قام الوفد اللبناني، بزيارة لحديقة الحيوانات في طهران، وسار رئيس الجمهورية كميل شمعون، وبجانبه الأمير مجيد، يتنقلان من قفص إلى قفص. وعندما اقتربا من قفص الأسود، كان هناك أسد قلق، يزار ويتحرك بعصبية، ويزمجر بافعال شديد، كأن شيئا هامّا يزعجه. وقف الأمير مجيد أـمامه بطلعته البهية، بقامته الممشوقة، بوقفته الواثقة وبنظراته الحادّة وتفرّس بالأسد. وفي لحظة قصيرة، قبع الأسد في زاوية من زوايا القفص، وانكمش وأخذ يحدّق بالأمير مجيد بتحسُّب. عندها ابتسم رئيس الجمهورية اللبنانية كميل شمعون قائلا :" لا غرابة، فقد خاف سبع إيران من سبع بشامون". 
هذه الحادثة وأمثالها، تشير إلى واقع مشرّف، وأوضاع فاخرة في تاريخ الطائفة الدرزية في المنطقة. فالدروز، منذ ألف سنة، هم أقلية صغيرة، تعيش في رؤوس الجبال، بعيدة عن مراكز القوى، ومعزولة عن موائد الحكم، ومحرومة من ملذات القيادة، ومن نعيم السلطة، ومن بطش وبأس المسؤولية. وهي مشغولة دائما في المحافظة على استمراريتها وكينونتها ووجودها. والدرزي بشكل عام هو إنسان مسالم، لا يتعرّض لأحد، ولا يعتدي على أحد، إنما يلتزم مكانه وبيته ومقرّه، ويعيش حياته الخاصة، محاولا أن لا يتعرّض لأحد، ومتجنّبا كل تصادم. لكن هذا الدرزي المسالم الوديع الآمن، يتحوّل إلى أسد هزبر عارم شديد البأس، عندما يُعتدى عليه، أو عندما تُمسّ كرامته، أو عندما تُهضم حقوقه. وهذه القوة الكامنة في المجتمع الدرزي، بإمكانها أن تفعل المعجزات، وأن تقلب الأوضاع، وأن تغيّر الأمور. وحروب الدروز ومعاركهم معروفة ومشهورة ومشهودة في تاريخ المنطقة.  فهم لم يهابوا مواجهة أكبر الإمبراطورات، وأقوى الجيوش، وأشرس القواد. واستطاعوا بإيمانهم وشجاعتهم وحكمتهم وصبرهم، أن يتغلبوا على كل ما واجههم من مصاعب وتحديات وأخطار.
هذه الشجاعة، وهذا البأس، وهذه القوة، وتلك المناعة، وتلك القدرات الهائلة الكامنة في الشخصية الدرزية، نابعة من ثقة كل درزي أينما كان بنفسه وأهله وأبناء جلدته. فكل مواطن درزي، واثق كل الثقة أولا، بانتمائه التوحيدي، بمقدرة قادته وزعمائه، بكونه مشمولا تحت الرعاية الربّانية، لذلك تنصقل شخصيته مع التاريخ، وتتراكم في نفسيته الشجاعة، وتتطور في مخيلته تضحيات جميع أبناء طائفته، منذ مئات السنين، فتهون عنده نفسه. وكل من يطلع على تاريخنا، يرى أن الطائفة وقياداتها استطاعت، بعونه تعالى، أن تتغلب على كافة الصعوبات التي واحهتها، وظلت رافعة رأسها، شامخة، معززة ، مكرمة لا تخشى ولا تهاب، ولا تخاف إلا من القدرة الإلهية.
فالعودة  للتاريخ واستعراض أوضاع الطائفة الدرزية خلال ألف سنة، تثبت لنا، أن الطائفة  مرّت بأزمات ومصائب وويلات كثيرة، لكنها، والحمد لله، ظلت قائمة، باقية، خالدة، شامخة بالرغم من كل تلك الويلات. وبالمقابل، نرى أنها تمتّعت بالهيبة والفخر والجلال والتقدير والاحترام، وأنها فرضت وجودها وسلطتها أحيانا كثيرة، وأنها طائفة كانت وما زال يُحسب حسابها، بالرغم من قلة عدد أفرادها. ففي عهد صلاح الدين الأيوبي، تم النصر، بعونه تعالى، على الغازين بواسطة الدروز، وبدعم من الدروز، وهكذا كان في معركة عين جالوت مع التتار. وعندما وقف الأمير فخر الدين الأول من السلطان سليم الفاتح العثماني، في معركة مرج دابق، عام 1516 انتصر العثمانيون على المماليك، ومُنح فخر الدين الحكم في لبنان وما حولها. وقد قام حفيده فخر الدين المعني الثاني، بترسيخ جذور حكمه في أكبر منطقة حكمها لبناني حتى اليوم، حيث وصلت حدود ولايته من شمالي لبنان إلى جنوبي العريش، بما في ذلك الجبال المشرفة على نهر الأردن شرقي النهر. ولم يثبّت فخر الدين حكمه في المنطقة بالوسائل العسكرية فقط، بل ركّزها وأمّنها بالديمقراطية التي انتهجها، وبالمساواة التي استعملها، وبالتقدم الحضاري والعمران والثقافة، وكل عناصر الحكم الجديدة، التي شاهدها في أوروبا، ونقلها إلى حدود حكمه وولايته، ممّا أغضب الباب العالي، وأوعز بالقضاء عليه. لكن فخر الدين كان يهزّ المنطقة بحنكته السياسية وحسن درايته. وفي وقت لاحق، وكان الدروز يحكمون لبنان والمنطقة، خسر الدروز مراكزهم بعد معركة عين دارا البائسة عام 1711، حيث انقسموا على أنفسهم، فطمع بهم الغير، وحاولوا النيل منهم والتعدّي عليهم. وعندما جاء نابليون وحاصر مدينة عكا، ويئس من فتحها، ناشد الدروز برسالة رقيقة ما زالت محفوظة مع الوثائق الدرزية، وهو يستنجد بهم، ويطلب مساعدتهم له، في فتح مدينة عكا، واعدا إياهم بمعونات وامتيازات كثيرة. وفي مراحل مختلفة، ناشد قداسة الباب في روما، الزعماء الدروز، طالبا منهم، العطف على المسيحيين ومساعدتهم ودعمهم. وقد فعل الدروز ذلك، قبل أن يناشدهم البابا. وفي القرن العشرين برز تاريخ الدروز وهو معروف ويضمّ إعلان الثورة السورية الكبرى من قِبل عطوفة سلطان باشا الأطرش، وتأسيس مملكة شرقي الأردن من قِبل رشيد طليع، ورفع علم الاستقلال اللبناني في بشامون من قِبل الأمير مجيد ارسلان،  وبروز الأمير شكيب أرسلان، داعية العروبة والإسلام، في سماء الفكر العربي والإسلامي،  وظهور الفيلسوف المفكر كمال جنبلاط، رائد الاشتراكية ومحفّز التقدمية وناشر الفلسفة والفكر.
هكذا كان دور الدروز وهذا هو عرض بسيط لما حدث، فجهود الطائفة الدرزية وخدماتها في تجمعات مختلفة للأطر السياسية المتواجدة فيها كثيرة وكبيرة ولا يُستهان بها. لذلك نقول إن الطائفة الدرزية لا ينقصها شيء، وبإمكانها التغلب على كافة المحن والمشاكل، لكن عليها أن تثق بنفسها، وأن توحّد صفوفها، وأن تسعى دائما، لعمل العقل وإشغال المنطق، في كل مكان تتواجد فيه.
وقصة الأمير مجيد ارسلان مع الأسد في طهران، ليست الأولى في تاريخ الطائفة الدرزية، وإنما سبقتها قصة مؤسس خلوات البياضة، الشيخ جمال الدين الحمرا، الذي عاش في جبال لبنان في مغارة، وكان الأسد يخدمه ويحميه ويذود عنه. فمن كانت أعماله ونواياه وأفكاره مبنية على الإيمان بالله وبقوته، ومن كان يتصرّف بالعدل والإنصاف مع الضعيف قبل القوي، ومن كان يحمي النساء والأطفال عند ألدّ أعدائه، ومن كان بصبر على المحن والشدائد حتى من أصدقائه، فلا يمكن إلا ان يدوم حكمه، ولا يمكن إلا أن تتبدّل أحواله إلى أحسن، وأن يأخذ حقّه، وأن يعيش بكرامة وسؤدد وعنفوان. 



   

والله ولي التوفيق..


سميح ناطور
دالية الكرمل
آذار - نيسان
 2009


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.