spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 61
كلمة العدد: وهم في طريقهم إلى الواحات...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: الذين يأخذون، يوم الحشر، كتابهم بيمينهم لا بشمالهم طباعة ارسال لصديق

روى أحد كبار المؤرخين الفرنسيين قائلا: " كنت أدون أحداث بعض المعارك الموغلة في التاريخ، فإذا بصراخ يتعالى من الشارع الملاصق لمكتبي. خرجت إلى الشرفة لأشاهد رجلين يتشاجران، ثم تحول الشجار إلى عراك بالأيدي واستعمال العصي.. وبعد أن هدأ العراك بتدخل البعض، عدت إلى مكتبي وإذا بصديق لي يصعد إلى مكتبي ويبادرني بقوله: هل شاهدت العراك الذي حدث في الشارع؟ قلت : نعم، فقد خرجت إلى الشرفة، ولكن الذي آلمني هو منظر مرتدي القميص الأحمر، وأعتقد أنه المجني عليه من قبل خصمه لما تحمل من ضرب وإهانة. وهنا كانت المفاجأة الكبرى، عندما ابتسم صديقي وقال: بالعكس تماما، فصاحب القميص المذكور هو المعتدي وإنني كنت بقربهما ومنذ بدء الحادثة.."
"أصابتني وخزة ضمير ويأس بعد سماع ذلك، فعمدت إلى ما كتبت من وقائع حيث مزقتها وقلت لنفسي: حقا لم أعد أجزم بشيء من الحقيقة، فإذا لم يكن باستطاعتي تحديد المعتدي من الشرفة إلى الشارع، فكيف بي سأحدد حقيقة ما وقع من وقائع وأحداث عفا عنها الزمن وطمسها النسيان؟!".
هذا هو التاريخ، فكل حدث وقع قبل ثانية وانتهى، أصبح تاريخا. وكل طائفة، وكل شعب، وكل دولة، وكل مجموعة بشرية، تصنع تاريخا، ولا أهمية هناك، إن كان هذا التاريخ مشرّفا أو مخجلا، أو صالحا أو سيئا، فكل تغيير في حياة مجموعة، يسجل أحداث تتجمع لتصبح تاريخا. الفرق بين الأمم والشعوب ليس في صنع التاريخ، وإنما هو في حفظه وتدوينه وتسجيله، والعودة إليه والتعلم منه، والاعتماد عليه والاستشهاد به وقت الحاجة. فهناك أمم وشعوب تسجّل كل حدث، وتحفظ الوثائق، وتستند عليها وتبرزها، وهناك أمم وشعوب لا تكترث ولا تهتم. 
الطائفة الدرزية زاخرة بشخصيات دينية وسياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية كبيرة، كان لها دور هام في المجتمع، وفي تاريخ الطائفة على مر العصور. لكن وللأسف الشديد، أهملت الطائفة الدرزية ما يسمى تدوين التاريخ، واعتمد زعماؤها ورجالاتها في السابق، على القول المغلوط التافه :" نحن نصنع التاريخ، وغيرنا يكتب" وكان هذا خاصة في لبنان، وكانت النتيجة أنهم حقيقة صنعوا التاريخ، لكن غيرهم الذين اعتمدوا عليه، زوّر وزيّف وشوه هذا التاريخ، أو أنه أهمله، ودوّن أشياء أخرى صغيرة الحجم تابعة له، أصبحت مع الوقت مرجعا واستنادا للمؤرخين. وقد كان هذا الموضوع أحد العوامل في خسارة الدروز لمكانتهم التاريخية الكبيرة في لبنان، فبعد أن حكموها وكانوا أسيادها خلال 800 عام، بدأوا يخسرون مواقعهم إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه في الآونة الأخيرة.
وعندما اهتزت الطائفة الدرزية عام 1983 في حرب الجبل، وكادت أن تفقد آخر معاقلها ومراكزها في لبنان، لولا الرعاية الربّانية، وهمّة الإخوان والشباب والشيوخ، عندها فقط، انتبهت الأوساط الواعية واكتشفت، أن الحرب الإعلامية لا تقلّ أهمية عن الحرب الميدانية، وأن سلاح القلم أحيانا أقوى وأمضى واشد من سلاح السيف، وأن السيف أو الرصاصة أو القذيفة قد تصيب واحدا أو أكثر من الأعداء، أما الكلمة، فيمكن أن تؤثر على شعب بأكمله، وعلى الأقل على مجموعة كبيرة. لذلك شهدنا منذ عام 1983 حتى اليوم، حركة تأليف وتدوين وتسجيل وإصدارات فاخرة مشرّفة، لتاريخ بني معروف في لبنان وفي كل مكان. وهذه الحركة مستمرة، لكنها ما زالت لا تكفي لسد العجز الذي تراكم خلال ألف سنة.
لكننا وفي هذا الخضم، نعاني من مشكلة أخرى، أصعب من الأولى. فالمشكلة الأولى تمحورت في مجموعة من المثقفين والكتّاب، ألقيت على عاتقهم مهمة جمع التاريخ ونشره، وبدأ هؤلاء بالقيام بواجبهم، وهم مستمرّون. المشكلة الثانية، هي في قضية وجود جمهور يستوعب هذا التاريخ. فلا يكفي أن نكتب، وأن نسجل، وأن نحفظ. علينا كذلك أن نتفاعل مع هذا التاريخ، أي انه إذا صدر كتاب أو بحث، يجب أن يكون هناك صدى لهذا الكتاب، وأن يتوفر جمهور يقتني هذا الكتاب، يقرأه، يبدي ملاحظاته، لكي يستفيد منها الكتّاب القادمون، ومن ناحية أخرى، يجب أن تتوفر المؤسسات والهيئات التي عليها أن تدعم هؤلاء الكتّاب والمؤلفين. وهذه حلقة ضعيفة، ضعيفة، ضعيفة في مجتمعنا. فنحن شعب سخي، نرهق أنفسنا أمام الضيف، ونبذل من أجل المأكل والملبس والمسكن والسيارة، الغالي والرخيص، لكننا بخلاء، بخلاء ثقافيا على أنفسنا. ولا أنسى في حياتي، ذلك الشخص الذي أتى إلى حانوت للملابس أمامي، وطلب جوارب. فسأل صاحب الكان، ما ثمنها؟  قال عشرين ليرة، فقال له أعطني خمسة جوارب. وهذا الشخص نفسه، وقف، قبل ذلك بفترة، يناقشني على ثمن قاموس بيع بخمس ليرات، وهذا القاموس يحتوي على 260 صفحة وفيه 22 ألف كلمة، وبُذل جهد لمدة سنتين لإعداده، وهذا الأخ  دفع الخمسة ليرات على مضض، لأن ابنه التلميذ طلب القاموس..
على كل الأحوال، مجتمعنا يتقدّم ويتطوّر، وفي حوزتنا كل الوسائل التقنية العلمية الجديدة، من انترنت وحاسوب وما يتبعهما. ونحن نرتاد الجامعات، ونصل إلى وظائف راقية في المجتمع،ولدينا كل الوسائل الحديثة،  ونحن في طريقنا لأن نكون طائفة حضارية متقدمة تضاهي الأمم الأخرى، فأملنا كبير أن ننتبه كذلك إلى هذه الناحية في وجودنا، وعليها يرتكز كل كياننا، لعلنا نصل إلى المرحلة التي نصبح فيها في رقي الأمم الأخرى، وفي اهتمامهم بالتاريخ والكتابة والتأليف والنشر والأدب.
 وفي الآونة الأخيرة، ظهرت بوادر تعزيز وتقوية لهذا الاتجاه في الطائفة الدرزية، فمع وفاة فضيلة المرحوم الشيخ ابو صالح فرحان العريضي، انتبهت الطائفة الدرزية وتأثرت، برحيل شخصية دينية مرموقة، لكن التشديد والتركيز في شخصية المرحوم أبي صالح تمحور في أنه بادر إلى تأليف وجمع مؤلفيه النفيسين مناقب الأعيان، الجزء الأول والثاني وفيهما استعراض لحيوات وسير شخصيات مرموقة في الطائفة الدرزية، فكل شيخ وكل شاب متدين، وكل رجل يتحدث عن المرحوم الشيخ فرحان العريضي، يذكر هذه الناحية من أعماله، التي توجّها قبل سنتين عندما جمع واصدر الكتب المفقودة لعالمنا وسيدنا الكبير الأمير السيد قدس الله سره، في الكتاب النفيس، الذي صدر مؤخرا وهو "الرسالة الموسومة بنهر الجمان في شرح غريب آيات القران" والذي يحتوي على مؤلفات ومنشورات ترى النور لأول مرة. ومع تقديرنا واحترامنا لفضيلة المرحوم الشيخ أبي صالح فرحان العريضي، على هذه المساهمة الكبرى، وعلى شخصيته الدينية المرموقة، إلا أننا يجب أن نلفت النظر أن الطائفة الدرزية تزدهر فيها حملة أقلام من الدرجة الأولى، اهتمت بتدوين التاريخ ونشره، ومنهم الدكتور محمد خليل الباشا، والمؤلف سعيد الصغير، والدكتور سامي مكارم، والأستاذ صالح زهر الدين، والأستاذ حافظ ابو مصلح، والأستاذ سعيد ملاعب، والأستاذ نجيب البعيني، والدكتور حسن البعيني، والدكتور سليم هشي والأستاذ تيسير أبو حمدان وغيرهم من المؤلفين الكبار في لبنان وسوريا والأردن. وفي بلادنا، علينا أن نذكر جهود الدكتور سلمان فلاح، الذي اصدر أول كتاب عن الطائفة الدرزية عام 1964 وقام خلال سنتين، بتحرير زاوية للتاريخ الدرزي في جريدة اليوم بعنوان "منبر المواطنين الدروز" واستمر في إعداد كتب التراث مع طواقم مهنية،وكذلك الزعيم الكبير والقائد، السيد أمل نصر الدين، الذي أصدر أول مجلة في الطائفة الدرزية في البلاد، بعنوان "الكرمل"، وكتابا ضخما كبيرا عن الدروز، باللغات العربية والعبرية والانجليزية عام 1970، وأصدر منذ ذلك الوقت، ودعم إصدار مجموعة من الكتب، وأسس في بيت الشهيد الدرزي، مركز أبحاث ليقوم بتغطية هذه الناحية الناقصة في حياة طائفتنا. ونحن نلاحظ في الآونة الأخيرة، ظاهرة جديدة في مجتمعنا بهذا الشأن، وهي إصدار سير ذاتية من قِبل شخصيات مرموقة، لها مركز في المجتمع، أو إصدار كتب عن شخصيات كهذه رحلت، وقام ذووها بتسجيل تاريخهم وخدماتهم للمجتمع، ومن الفئة الأولى، القاضي فارس فلاح، والعقيد مزيد عباس والعقيد مفيد عامر وغيرهم وعن الراحلين وفي مقدمتهم فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، وعدد من الزعماء والمسؤولين والكتّاب مثل المرحومين : قاسم غانم، سلمان فرّاج، هاني سيف، حسن طريف وغيرهم. وأهمية هذه الإصدارات ليس فقط لأنها تبرز دور شخصية معيّنة وإنما لأنها تعطي صورة واضحة عن الفترة التي عاش فيها الشخص المذكور، ومن خلال أعماله هو، يستطيع المؤرخ في المستقبل أن يعتمد على هذه المعلومات ليرسم صورة واضحة أكثر عن الحياة والمجتمع للطائفة في أيامنا. وعلينا كذلك ان نشيد ونرحب بوجود الصحف المحلية والدوريات القروية التي تصدر في بلادنا، فهذا يدل عن ثقافة ونضوج ووعي، وكلما كثرت النشرات والدوريات كلما أصبح المجتمع أكثر وعيا وثقافة واهتماما بما يجري فيه.
ومع احتفالنا وزيارتنا لمقام سيدنا الخضر عليه السلام، وقد اجتمعنا فيه قبل أيام، في موقف تأبين لفضيلة المرحوم الشيخ أبي صالح فرحان العريضي، الذي كتب في مقدمة الكتاب عن الأمير السيد (ق) ما يلي :" ها نحن نقدّم المخطوطات للقراء الكرام .... راجين أن تدعوا بالخير، وأن نكون وإياكم، في يوم الحشر العظيم، ممن يأخذون كتابهم بيمينهم لا بشمالهم، ونفوز برضا رب العالمين..." نتوجه إلى جميع أبناء الطائفة الدرزية، وخاصة النابهين والمثقفين والواعين بينهم، لأن يولوا الكتاب والكلمة والحرف، الأهمية التي يستحقونها، فبالإضافة إلى الفائدة التي سيجنونها في حياتهم، لربما يكسبون رضا الله، سبحانه، يوم الحشر العظيم...


وكل عام وأنتم بخير

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني 2009
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.